الصفحة 10 من 40

ومما استدل به الأحناف على مذهبهم من جهة النظر: أن الإمام لا ولاية له على دار الحرب، ومن ثم لا يستطيع أن يستوفي الحدود فيها لانتفاء القدرة، فكيف يوجب الشرع عليه إقامتها في موضع لا ولاية له عليه؟، ويشبه هذا أن يكون قريبا من القول الأول الذي حملوا فيه معنى إقامة الحدود في حديث: [لا تقام الحدود في دار الحرب] على معنى: لا تجب، بيان ذلك عندهم أن إيجاب الحد شرعا ليس مقصودًا لذاته بل للاستيفاء (إقامته وتطبيقه) الذي هو ثمرة وفائدة الوجوب، فإذا كان الاستيفاء متعذرًا لانقطاع ولاية الإمام على دار الحرب وفقدان قدرته على ذلك فهذا يؤدي إلى إسقاط الوجوب حين ارتكاب الموجب كالزنى أو السرقة أو القتل العمد لانعدام الفائدة منه وفقدان ثمرته، وهذا يقود إلى أمر آخر وهو سقوط إقامة الحد ولو بعد رجوعه إلى دار الإسلام لأن ما لم يكن واجبًا عند مباشرة السبب وارتكاب الموجب لا يكون واجبًا فيما بعد بمعنى أنه لا يطرأ عليه إيجاب جديد، وفي هذا يقول السرخسي: [والمعنى فيه: أن الوجوب لا يراد لعينه بل للاستيفاء وقد انعدم المستوفي، وإذا لم يجب عليه حين باشر السبب لا يجب بعد ذلك وإن خرج إلى دارنا] (1) ، وقال العيني في شرحه للهداية: [ولأن المقصود"أي من إقامة الحد"هو الانزجار، وذا لا يحصل بنفس الوجوب، بل الاستيفاء، ولا يمكن استيفاؤه ثمة لعدم ولاية الإمام، فامتنع الوجوب لعدم فائدته وهو الاستيفاء، أشار إليه المصنف بقوله: (وولاية الإمام منقطعة فيهما - أي في دار الحرب ودار البغي كذلك - فيعرى الوجوب عن الفائدة"هو الاستيفاء"ولا يقام بعدما خرج لأنها لم تنعقد موجبة - أي لأن هذه الفعلة أو الزنية لم تنعقد حال كونها موجبة للحد-"بعد الخروج إلينا فلا يحد] (2) ، وقال الكاساني: [أن المسلم إذا زنى في دار الحرب أو سرق أو شرب الخمر أو قذف مسلمًا لا يؤخذ بشيء من ذلك، لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب لعدم الولاية ولو فعل شيئًا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضًا لأن الفعل لم يقع موجبًا أصلا] (3) ، ويرد هذا القول أن أدلة إيجاب إقامة الحدود جاءت مطلقة ولم تفرق بين ما إذا كان مرتكبها في دار الإسلام أو دار الحرب، وما استدلوا به من السنن والآثار لا يساعدهم فيما ذهبوا إليه وذلك لضعفها أولًا ولتعليلها ثانيًا بخشية اللحوق بدار الحرب ثم بتنصيصها على التأجيل والنسأ إلى الرجوع إلى دار الإسلام، فما جاء في السنة والآثار الواردة عن الصحابة - وسيأتي ذكرها - إنما هي في تأخير إقامتها على مرتكبها إلى أن يرجع إلى دار الإسلام لعارض ذكروه وبينوه لا في إسقاطها كلية، وذلك كما يؤخر الحد عن الحبلى و المريض ونحوهما، أما كون الإمام غير قادر على إقامتها في دار الحرب ومدار إقامتها عليها، فهذا الإطلاق مع ما فيه فما الذي يمنع من إقامتها إذا رجعوا إلى دار الإسلام أليست القدرة على إقامتها موجودة فيها، ثم هم قد فرقوا بين ما إذا كان أمير الجيش هو الإمام أو أحد أمراء الأمصار وبين ما إذا كان قائدا من قواده الآخرين، فأقاموه في الحالة الأولى بشرطه عندهم وأسقطوه في الثانية بحجة أن إقامة الحدود ليست له، وكثيرًا ما تكون الجيوش التي لا يخرج فيها الإمام بنفسه أكثر عددا وعدة فإن كان مناط إقامة الحد هو القدرة فقط فإن القدرة في مثل هذه الحالة أوفر منها فيما لو خرج الإمام مع جيش أقل من هذا، وعليه إما أن يقولوا إن لأمير الجيش في مثل هذه الحالة إقامة الحد على مرتكبه تماما كما لو كان معهم الإمام، أو يقولوا إن الحد يؤخر إلى حين رجوعهم لدار الإسلام فيقيمه عليه من له ولاية ذلك أو يلتزموا إسقاط الحدود في دار الحرب على كل حال دون النظر لوجود الإمام أو غيره، وهم لا يذهبون إلى شيء من هذا، بل كما نقلنا عنهم يجوزون في بعض الأحيان للإمام أن يؤخر إقامة الحد إن خشي على مرتكبه اللحاق بدار الكفر، ففي الفتاوى الهندية: [وإنما يقيم هذا الأمير الحد في عسكره إذا كان يأمن على الذي يقيم عليه الحد أن لا يرتد ولا يلحق بالكفار، وأما إذا كان يخاف عليه الارتداد واللحاق فإنه لا يقيم عليه الحد حتى ينفصل عن دار الحرب ويصير في دار الإسلام] وهذا يعني أن الإمام قد يكون من الضعف بحيث لا تسمح له قدرته ولا سلطانه منع من يقام عليه الحد من الفرار إلى الكفار، فلماذا وقع الحد في مثل هذه الحال موجبا ولهذا استحق إقامته عليه بعد قفوله إلى دار الإسلام، وتعلقهم في إسقاطها رأسًا بأنها لم تنعقد حين الارتكاب موجبة فلا تنقلب موجبة كلام لا يسلم، لأن وجوب إقامة الحد إنما يتعلق بوجود الموجب لا غير كالسرقة أو الزنى أو القذف وقد وجدت هذه الأمور، قال الشيخ بكر أبو زيد في مناقشته لهذا الاستدلال: [نسلم أن مناط إقامة الحدود هو القدرة، لكن ما الذي أسقطه بالكلية حتى ولو عاد إلى دار الإسلام، فإن المسلم إذا عاد إلى دار الإسلام صار تحت يد الإمام، فالقدرة ثابتة عليه، فإذا لم تقم عليه الحدود أهدرنا مقتضيات النصوص الآمرة بإقامة الحدود، أما إذا قلنا بتأخيره فقد راعينا المصلحة ولم نهدر الحد بالكلية، أما قولهم: بإقامة الحد إذا كان الإمام في المعسكر لوجود القدرة فيقال: هذا غير مسلم لأنه ليس مناط إقامة الحد وجود القدرة فحسب، بل معها أيضًا عدم وجود المعارض .. ومن القواعد المقررة: أنه إذا وجد المانع والمقتضي قدم المانع على المقتضي، فإذا زال المانع بأن رجعوا إلى دار الإسلام أقيم الحد لوجود المقتضي وانتفاء المعارض، وهذا له نظائر في الحدود كما في تأخير الحد لمصلحة المحدود كتأخيره عن الحامل ونحوها] (1) ، وبهذا يظهر أن الأدلة من الأحاديث والآثار والتعليلات التي استند إليها الأحناف في إسقاط الحدود عن مرتكبها في دار الحرب لا تساعدهم فيما ذهبوا إليه، ونشير هنا إلى أن هذه الأحكام يجريها الأحناف على دار الكفر الأصلية وعلى الدار التي كانت دار إسلام ثم انقلبت دار كفر، فعند ابن عابدين: [ويتفرع على كونها صارت دار الحرب أن الحدود والقود لا يجري فيها، وأن الأسير المسلم يجوز له التعرض لما دون الفرج، وتنعكس الأحكام إذا صارت دار الحرب دار الإسلام فتأمل] (1) والله تعالى أعلم."

تنبيه مهم: قد يفهم بعض الناس أن إسقاط الأحناف للحدود في دار الحرب مطلقًا هو تجويزهم لموجباتها، فربما تبادر إلى أذهانهم أنهم يجوزون لمن دخل دار الحرب الزنى أو السرقة أو القتل لمسلم أو القذف أو شرب الخمر، وهذا القول لا يحل نسبته إليهم بحال، وليس في كلامهم أدنى إشارة لمثل هذا الفهم، وإنما أسقطوا الحدود وأهدروها في حق من ارتكب موجباتها اعتمادًا على الأدلة التي ذكروها، واعتبارًا للشبهة التي تصوروها وقرروا قيامها في دار الحرب، ولا يفهم التلازم بين القول بإسقاط الحد وبين حل سببه إلا سقيم الإدراك كليل الفهم صريع الهوى والشهوات.

القول الثاني: أن الحدود يجب إقامتها في دار الكفر كما تقام في دار الإسلام، وسواء أكان الإمام هو قائد الجيش أم من سواه من أمراء الأمصار أو غيرهم، ولا يؤخرها الإمام أو نائبه إلى أن يرجع إلى دار الإسلام، بل يقيمها حيث هو، وهذا هو مذهب المالكية، ومذهب الشافعي كذلك إلا أنه قال إن وَلِيَ أمير الجند إقامة الحدود أقامها حيث هو في دار الكفر، وإن لم يول ذلك تريث حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقيمها الإمام أو والي المصر، واستدلوا على ذلك بأن الأدلة الواردة في وجوب إقامة الحدود جاءت مطلقة، ولم تقيد بزمان ولا مكان وذلك كقوله سبحانه:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ (المائدة: 38) ،وقوله] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ[ (النور: 2) وغيرها من الآيات.

ففي مذهب المالكية: جاء في المدونة: [قلت: أرأيت أمير الجيش إذا دخل أرض الحرب فسرق بعضهم من بعض في أرض الحرب، أو شربوا الخمور، أو زنوا، أيقيم عليهم أميرهم الحدود في قول مالك؟ قال: قال لي مالك: يقيم عليهم الحدود في أرض الحرب أمير الجيش، وهو أقوى له على الحق، كما تقام الحدود في أرض الإسلام، قلت: أرأيت لو أن تجارا من المسلمين دخلوا أرض الحرب بأمان، فسرق بعضهم من بعض، ثم شهدوا على السارق بالسرقة حين خرجوا إلينا أيقام الحد على السارق أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك في الجيش إذا كانوا في أرض الحرب: إنه يقام على السارق الحد، فكذلك هؤلاء الذين دخلوا بأمان، ولأن مالكًا لا يلتفت إلى اختلاف الدارين، وهؤلاء مسلمون مقرون بأحكام الإسلام ليسوا بمنزلة المشركين الذين لا يقرون بأحكام المسلمين، قلت: وكذلك إن زنى في دار الحرب بعض هؤلاء التجار أو شرب الخمر فشهدوا عليه بعد ما خرج، أيقيم عليه الإمام الحد؟ قال: نعم في رأيي] (1) ، وفيها أيضًا: [قلت أرأيت القوم يخرجون تجارا إلى أرض الحرب فيقطع بعضهم الطريق على بعض وكلهم مسلمون، إلا أنهم قد قطعوا الطريق في دار الحرب على مسلمين مثلهم أو ذميين دخلوا دار الحرب بأمان؟ قال: قال مالك في هؤلاء الخناقين الذين يخرجون مع الجيش إلى أرض الحرب فيخنقون الناس على أموالهم في دار الحرب في الطوائف قال: بلغني عن مالك أنه قال: يقتلون، قلت: والخناق محارب عند مالك؟ قال: نعم، الخناق محارب، إذا خنق على أَخْذِ مال] (2) ، وقال القرطبي -رحمه الله-: [واختلفوا في قطع اليد في السفر وإقامة الحدود في أرض الحرب فقال مالك والليث بن سعد تقام الحدود في أرض الحرب، ولا فرق بين دار الحرب والإسلام - إلى أن قال - استدل من قال بالقطع بعموم القرآن وهو الصحيح إن شاء الله تعالى] (3) ، وقال الدسوقي-رحمه الله-: [إذا صدر موجب حد كزنا، أو سرقة، أو قتل، أو شرب خمر، من أحد سواء كان من الجيش أو كان أسيرا أو ممن أسلم فإنه يجب إقامة الحد عليهم ببلدهم ولا يؤخر حتى يرجع لبلدنا] (4) ، ولكنه مع ذلك مال إلى تأخير الحد إن خيف وقوع مفسدة بإقامته في دارهم، ولهذا عقبه بقوله: [والظاهر أنه إن خيف من إقامة الحد ببلدهم حصول مفسدة فإنه يؤخر ذلك للرجوع إلى بلدنا لا سيما إن خيف عظمها] ، وقال الإمام القرافي-رحمه الله-: [إن أدلة الوجوب قائمة فتجب، لأنه من أعظم الطاعات، فيكون من أقوى أسباب المعاونات، وفي"اللباب"إن زنا الأسير بحربية ثم خلص: قال ابن القاسم: عليه الحد خلافًا لعبد الملك] (5) ، فقد أفاد أن عبد الملك بن الماجشون لا يقول بإقامة الحد في دار الحرب إما في هذه الصورة التي ذكرها وإما مطلقًا، وقال الآبي الأزهري: ["وجاز"أي أذن للإمام"ببلدهم"أي الكفار"إقامة الحد"الشرعي لزنا أو سرقة أو قتل أو حرابة على من فعل موجبه لأنه واجب عليه أن يقيمه ببلدهم ولا يؤخره حتى يرجع لبلده] (1) ، فمذهب المالكية في هذه المسألة واضح وجلي وهو القول بوجوب إقامة الحد حيث ارتكب موجبه ولا يشترطون أن يقوم على استيفائه الإمام، وهذا الحكم منسحب على الجنود وهم في دار الحرب وعلى غيرهم من عموم المسلمين الذين يدخلون دار الحرب كالتجار وغيرهم، أو من أسلم في دارهم أصلًا، أو كان أسيرًا عند الكفار، وجوّز بعضهم تأخير الحد إلى حين القفول لدار الإسلام إن خيف وقوع مفسدة من إقامته ببلد الكفار.

أما مذهب الشافعية:

فقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله- تعالى- مبينًا مذهبه في هذه المسألة بكل وضوح: [يقيم أمير الجيش الحدود حيث كان من الأرض إذا ولي ذلك، فإن لم يول فعلى الشهود الذين يشهدون على الحد أن يأتوا بالمشهود عليه إلى الإمام والي ذلك، ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام، ولا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيما أوجب الله على خلقه من الحدود، لأن الله عز وجل يقول:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُم َ [ (المائدة:38) ،] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ[ (النور: 2) .

وسن رسول الله r على الزاني الثيب الرجم، وحد الله القاذف ثمانين جلدة، لم يستثن من كان في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر، ولم يضع عن أهله شيئًا من فرائضه، ولم يبح لهم شيئًا مما حرم عليهم ببلاد الكفر ما هو إلا ما قلنا، فهو موافق للتنزيل والسنة، وهو مما يعقله المسلمون ويجتمعون عليه: أن الحلال في دار الإسلام حلال في دار الكفر، والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر، فمن أصاب حرامًا فقد حده الله على ما شاء منه، ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئًا، أو أن يقول قائل إن الحدود بالأمصار إلى عمال الأمصار فمن أصاب حدًا ببادية من بلاد الإسلام فالحد ساقط عنه؟! وهذا مما لم أعلم مسلمًا يقوله، ومن أصاب حدًا في المصر ولا والي للمصر يوم يصيب الحد كان للوالي الذي يلي بعد ما أصاب أن يقيم الحد، فكذلك عامل الجيش إن ولي الحد أقامه، وإن لم يول الحد فأول من يليه يقيمه عليه، وكذلك هو في الحكم والقطع ببلاد الحرب وغير القطع] (1) ، وقال أيضًا: [إذا كان المسلمون أسرى أو مستأمنين أو رسلا في دار الحرب، فقتل بعضهم بعضًا، أو قذف بعضهم بعضًا، أو زنوا بغير حربية، فعليهم في هذا كله الحكم كما يكون عليهم لو فعلوه في بلاد الإسلام، وإنما يسقط عنهم لو زنى أحدهم بحربية إذا ادعى الشبهة، ولا تسقط دار الحرب عنهم فرضًا كما لا تسقط عنهم صومًا ولا صلاة ولا زكاة، فالحدود فرض عليهم، قال: وإذا أصاب الرجل حدًا وهو محاصر للعدو أقيم عليه الحد، ولا يمنعنا الخوف عليه من اللحوق بالمشركين أن نقيم حدًا لله تعالى، ولو فعلنا توقيًا أن يغضب ما أقمنا عليه الحد أبدًا، لأنه يمكنه من أي موضع أن يلحق بدار الحرب، والعلة أن يلحق بدار الحرب فيعطل عنه الحد إبطالا لحكم الله عز وجل ثم حكم رسول الله r بعلة جهالة وغيا، قد أقام رسول الله r الحد بالمدينة والشرك قريب منها، وفيها شرك كثير موادعون وضرب الشارب بحنين والشرك قريب منه] (2) ، قال المزني: قال الشافعي: [وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم] قال الماوردي في شرحه: [وهذا كما قال كل معصية وجب بها الحد في دار الإسلام على مسلم أو ذمي وجب بها الحد في دار الحرب على المسلم أو الذمي سواء كان فيها الإمام أو لم يكن - إلى أن قال - ودليلنا: عموم الآيات في الحدود الموجبة للتسوية بين دار الإسلام ودار الحرب، وقول النبي r:"من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم حد الله عليه"فعمّ ولم يخص، ولأنها حدود تجب في دار الإسلام، فاقتضى أن تجب في دار الحرب، كما لو حضر الإمام، ولأنها حدود تجب بحضور الإمام، فاقتضى أن تجب بغيبة الإمام كدار الإسلام، ولأنه لما استوت الداران في تحريم المعاصي وجب أن تستويا في لزوم الحدود، ولأنه لما لم تختلف أحكام العبادات من الصلاة والزكاة والصيام باختلاف الدارين، وجب أن لا تختلف أحكام المعاصي باختلاف الدارين] (3) ، ولكن قد ذكر المزني أن للشافعي قولًا في تأخير الحكم إلى حين الرجوع من دار الكفر فقال ناقلا كلام الشافعي -رحمه الله-: [وما فعل المسلمون بعضهم ببعض في دار الحرب لزمهم حكمه حيث كانوا إذا جعل ذلك لإمامهم، لا تضع الدار عنهم حد الله ولا حقا لمسلم (وقال) في كتاب السير ويؤخر الحكم عليهم حتى يرجعوا من دار الحرب] (1) .

وقد استدل البيهقي للشافعي بعدة أدلة منها إطلاق الحكم في الآيات، وببعض الأحاديث من ذلك ما روي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: [إن النبي r صلى إلى بعير من المقسم فلما فرغ من صلاته أخذ منه قَرَدَةً بين إصبعيه وهي في وبرة فقال"ألا إن هذا من غنائمكم، وليس لي منه إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأصغر من ذلك وأكبر، فإن الغلول عار على أهله في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب منهم والبعيد، ولا يأخذكم في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وعليكم بالجهاد فإنه باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله به من الهم والغم] (2) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت