كما استدل الإمام البيهقي أيضًا ببعض آثار الصحابة منها: [أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد في جيش، فبعث خالد ضرار بن الأزور في سرية في خيل فأغاروا على حي من بني أسد، فأصابوا امرأة عروسا جميلة، فأعجبت ضرارا فسألها أصحابه فأعطوها إياه، فوقع عليها فلما قفل ندم وسقط به في يده، فلما رفع إلى خالد أخبره بالذي فعل، فقال خالد: فإني قد أجزتها لك وطيبتها لك، قال لا حتى تكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر: أن ارضخه بالحجارة، فجاء كتاب عمر رضي الله عنه وقد توفي، فقال ما كان الله ليخزي ضرار بن الأزور] (3) ، ووجه الدلالة الذي يرمي إليه البيهقي في هذا الأثر - والله أعلم - أن ضرار بن الأزور رضي الله عنه لما ارتكب موجب الحد وهو وطؤه المرأة - وكان في أرض الحرب حيث أمَّره خالد على سرية - حكم عمر عليه بإقامة الحد، ولم يمنعه من ذلك كونه في دار الحرب، وهذه القصة لو صحت لما كان فيها دلالة على ما ذهب إليه، لأن عمر إنما أرسل لخالد بإقامة الحد على ضرار بعد أن رجع عن أرض العدو، والكلام ليس في إقامة الحدود بعد الرجوع عن ديارهم ولكن في إقامتها أثناء وجود الجيش فيها، وقد نقلنا من قبل أن عمر قد قال: [أن لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار] ، أو يقال إن عمر لما أمن وقوع ما علل به المنع من إقامة الحدود - وهو اللحاق بالكفار - أمر خالدا بذلك في حق ضرار إذ إن حده الرجم فلا يتصور لحاقه بدار الحرب بعد إقامته عليه، إضافة إلى ذلك أن ضرارا رضي الله عنه هو الذي طلب من خالد أن يكتب لعمر ما حدث وأصر على ذلك، وهذا يدل على أنه راض بما سيحكم به عمر في حقه، فالمحذور منتف، وكل هذا بعد إثبات صحة القصة بهذا التفصيل، إذ كيف يأمر عمر برجمه ولم يكن ما فعله ضرار زنى يستوجب الحد، فإن المرأة قد صارت ملكًا له بتنازل الغانمين عن حقهم في ذلك، وتطييب خالد المرأةَ لضرار، وأقصى ما يقال فيما فعله ضرار أنه واقعها قبل أن يستبرأها وهذه معصية لا توجب حد الزنا والله تعالى أعلم، ثم إن الشافعية لا يوجبون الحد على من وقع على جارية قبل قسمتها في المغنم لوجود الشبهة، فكيف يستدل على إقامة الحد في دار الحرب بهذا الأثر مع أن الشبهة فيه أقوى ودرء الحد في صورته أحرى، أما الاستدلال بحديث: [وأقيموا حدود الله في السفر والحضر] ، فكلمة السفر تحتمل أن يراد بها السفر في الغزو وفي غير الغزو، وهي في غير الغزو أظهر، ويمكن أن يكون المعنى أن الحدود لا تسقط عن مرتكبها بحال ما دام أتى بموجبها، ولا يلزم من ذلك المبادرة إلى إقامتها إذا كان فيها ضرر بَيّن كالفرار للكفار أو الردة أو نحو ذلك، ولهذا قال ابن الجوزي: [ثم نحمله على غير سفر الغزو] (1) ، وذلك توفيقا بينه وبين ما ورد عن الصحابة من الآثار الدالة على تأخير إقامة الحد عن دار الحرب درءا للمفاسد المتوقعة في مثل تلك الحالات والأماكن من قبيل الفرار للعدو والردة، وهي التي لم يعتبرها الشافعي -رحمه الله- ولهذا قال: [فأما قوله يلحق بالمشركين، فإن لحق بهم فهو أشقى له، وترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم التي اتصلت ببلاد الحرب مثل طرسوس وما أشبهها وما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منكر غير ثابت] (2) ، ولا شك أن المحدود لو نكص على عقبيه وارتد ولحق بدار الحرب هو أشقى له، ولكن إبعاده عن تلك الشقاوة والمحافظة على دينه بتأخير الحد عنه واعتبار الحال والظرف الذي قد يدفعه لذلك أمر معتبر ومقصد شرعي ملحوظ، وبهذا تكون إقامته عليه بعد رجوعه لدار الإسلام أولى وأحرى، إذ به يتم الجمع بين الأمرين: إقامة الحد، وإبقاء المحدود على دينه باتخاذ الأسباب الممكنة في ذلك، وإذا كان العلماء من الشافعية وغيرهم قد جوزوا تأخير الحد لعارض من نحو مرض أو برد أو حر شديدين اعتناء بمصلحة المحدود ودفعا وتلافيا لأسباب الإتلاف، فما الذي يمنع من اعتبار مثل تلك المصلحة الكبرى التي أشار إليها الصحابة واعتبروها وحكموا بتأخير الحدود لأجلها، وأما ما ذكر من إطلاق الآيات للحكم ولم تخصه بمكان دون مكان، فهذا القول يصلح ردًا على من أسقط الحد رأسا لا على من أخره لعارض اقتضى ذلك، فمن زنى أو سرق أو قتل في أرض الحرب فلم يقم عليه الحد إلا بعد إيابه لدار الإسلام، فهذا قد أقيم عليه الحد وعمل في حقه بمقتضى الآيات الآمرة بإقامة الحدود، وتأخير الحد لمصلحة معتبرة متعلقة بالمحدود شيء وإسقاط الحد من أصله شيء آخر، كما قال الإمام ابن قدامة - -رحمه الله-: [فأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه، لعموم الآيات والأخبار، وإنما أخر لعارض، كما يؤخر لمرض أو شغل، فإذا زال العارض أقيم عليه الحد، لوجود مقتضيه، وانتفاء معارضه، ولهذا قال عمر حتى يقطع الدرب راجعا] (1) ، وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: [وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى] (2) قال الشيخ بكر أبو زيد: [إن من المناهج والقواعد الأصولية المقررة لدى المالكية وغيرهم من أهل العلم: أن العام يخص، والمطلق يقيد، ولهذا قال المالكية كغيرهم: إن الحد يؤخر لمصلحة المحدود لعارض كحر أو برد شديدين، وهذا تقييد لإطلاق النص، فما الذي يمنع من تأخيره هنا مع أن المصلحة أظهر وأشمل فهي لمصلحة المحدود خوفًا من لحوقه بالكفار وارتداده عن الإسلام، ولمصلحة المسلمين تكثيرًا لصفهم ومحافظة على وحدتهم وهذا هو محض فقه الصحابة رضي الله عنهم، إذًا فيكون ورود هذا القيد أولى من تقييد مطلق الأمر بنحو حر أو برد شديدين] (1) ، ونشير في هذا الموطن إلى أن الإمام ابن قدامة -رحمه الله- ذكر أن مذهب الشافعي -رحمه الله- تأخير الحد عن مرتكب موجبه إن كان أمير الجيش ليس الإمام أو أمير مصر، فأما إن كان أحدهما فيجب إقامة الحد في دار الحرب ولا يؤخر، إلا إذا كان الجيش يحتاج إليه أو هم في اشتغال عنه فحينئذ يؤخر، قال -رحمه الله- وهو يحكي مذهب القائلين بإقامتها مطلقًا: [وقال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يقام الحد في كل موضع، لأن أمر الله تعالى بإقامتها مطلق في كل مكان وزمان، إلا أن الشافعي قال: إذا لم يكن أمير الجيش الإمام، أو أمير إقليم، فليس له إقامة الحد ويؤخر حتى يأتي الإمام، لأن إقامة الحدود إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود، أو قوة به، أو شغل عنه آخر] (2) ، ولكن الذي يدل عليه كلام الشافعي في الأم وقد نقلناه آنفا أن استيفاء الحد ليس معلقًا على وجود الإمام أو أمير الإقليم من عدمه ولكن أن يكون أمير الجيش قد ولاه الإمام إقامة الحدود، فإن كان كذلك فيقيمها عليهم كما يقيمها الإمام سواء بسواء، كما قال: [يقيم أمير الجيش الحدود حيث كان من الأرض إذا ولي ذلك، وقال أيضًا: فكذلك عامل الجيش إن ولي الحد أقامه، وإن لم يول الحد فأول من يليه يقيمه عليه، وكذلك هو في الحكم والقطع ببلاد الحرب وغير القطع] ، وأما ما ذكره الإمام ابن قدامة من أنه قد يؤخر الحد [إن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود، أو قوة به، أو شغل عنه] ، فهو دليل على أن الشافعي قد يعتبر بعض المصالح ويجعلها مؤثرة في تأخير إقامة الحد على من أتى بموجبه، كما حكاه المزني عنه، ونظير ما ذكره ابن قدامة هو ما بينه الإمام الماوردي بقوله: [فإذا ثبت وجود الحدود فيها - أي في دار الحرب - نظر: فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها، أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم، نظر: فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود، أخر حده إلى دار الإسلام، وإن لم يكن له عذر، قدم حده في دار الحرب] (3) .
وسيأتي تفصيل أكثر عند نقل أقوال القائلين بتأخير الحد إلى الرجوع لدار الإسلام، ولعل القول الثاني هو قول الإمام ابن حزم أيضًا حيث سوى في إيجاب إقامة الحد بين ما ارتكب في دار الحرب وما ارتكب في دار الإسلام، ولم يعلق أمر إقامتها إلا على القدرة فقط، وفي هذا يقول -رحمه الله-: [ولا يُسقط عن اللاحق بالمشركين لحاقه بهم شيئًا من الحدود التي أصابها قبل لحاقه، ولا التي أصابها بعد لحاقه، لأن الله تعالى أوجب الحدود في القرآن على لسان رسوله r ولا أرسلها ولم يسقطها، وكذلك لم يسقطها عن المرتد، ولا عن المحارب، ولا عن الممتنع، ولا عن الباغي، إذا قدر على إقامتها عليهم"وما كان ربك نسيا"، ونحن نشهد بشهادة الله تعالى أن الله عز وجل لو أراد أن يستثني أحدًا من هؤلاء لما سكت عن ذلك إعناتًا لنا، ولا أهمله، ولا أغفله، فإذ لم يعلمنا بذلك فنحن نقسم بالله تعالى أن الله تعالى ما أراد قط إسقاط حد أصابه لاحق بالشرك قبل لحاقه، أو أصابه بعد لحاقه بهم، أو أصابه مرتد قبل ردته أو بعدها، وأن من خالف هذا فمخطئ عند الله تعالى بيقين لا شك فيه] (1) ، وقال أيضًا: [ (2) وأما قولنا - بأن كل ما ذكرنا فهو من قتل عمدا مسلما في دار الحرب، وهو يدري أنه مسلم في دار الحرب، كما لو فعل ذلك في دار الإسلام ولا فرق، فلعموم نص القرآن والسنة التي أوردنا في ذلك ولم يخص إحدى الدارين من الأخرى:"وما كان ربك نسيا"وهو قول مالك، والشافعي، وأبي سليمان، وجميع أصحابهم، وبه نأخذ] .
القول الثالث: إذا ارتُكب حد من الحدود في دار الحرب فلا يقام على صاحبه حتى يرجع إلى دار الإسلام، وهذا هو مذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، وهو أن الحدود لا تقام في أرض الحرب، كما أنها لا تسقط عمن أتى بموجبها من الجند أو غيرهم سواء في دار الحرب أو في دار الإسلام، فمن زنى أو سرق أو قتل وهو في دار الحرب، لم يقم عليه الحد ما دام فيها فإذا رجع إلى دار الإسلام أقيم عليه، واستدل أهل المذهب على ذلك بالسنة وبعدة آثار للصحابة رضي الله عنهم، فأما السنة فعمدتهم في ذلك حديث رسول الله r الذي يقول فيه: [لا تقطع الأيدي في الغزو] (3) ، وبما أن الحديث قد تجاوز قنطرة التضعيف يبقى الكلام على مدى دلالته على ما احتج به من يقول بعدم إقامة الحدود في دار الحرب وتأخيرها إلى دار الإسلام، وهو ما ينازع فيه بعض العلماء، وذلك لأن أصحاب هذا المذهب لم يقتصروا على القول بإسقاط حد السرقة خاصة، بل قالوا بتأخيره وتأخير كل الحدود كحد الزنا والقذف وشرب الخمر ومثلها القصاص، وهو أمر زائد على مجرد الإسقاط، إذ إنه قد تضمن زيادتين في الحكم:
الأولى: تأخير إقامة الحدود.
والثانية: عدم قصر هذا الحكم على حد السرقة بل أعطيت الحدود الأخرى الحكم نفسه، والذي يظهر بادئ ذي بدء أن الحكم الذي دل عليه الحديث إنما هو إسقاط حد السرقة في الغزو أو في السفر لا غير، كما أن بعض العلماء المعترضين على الاستدلال بهذا الحديث حمله على السرقة من الغنيمة التي يكون فيها السارق شريكًا للغانمين ومن ثم فإن هذا يورث شبهة تمنع من إقامة الحد عليه فقد قال المباركفوري: [قال القاضي: ولعله عليه الصلاة والسلام أراد المنع من القطع فيما يؤخذ من المغانم] (1) ، وقد جعله البعض معارضًا لقول النبي r: [ جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا الحدود في الحضر والسفر] وقد سبق، ولهذا لما ذكر ابن تيمية الجد في المنتقى حديث بسر بن أرطاة أتبعه بهذا الحديث، وقال ابن حجر: [هذا يعارضه خبر البيهقي:"أقيموا الحدود في السفر والحضر، على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم"] (1) ، إلا أن كل هذه الاعتراضات ردها من استدل بالحديث، وبينوا صحة وسلامة ما استدلوا به عليه، وأقوالهم في ذلك كثيرة نقتصر على ما يفي بالغرض منها، قال الخرقي -رحمه الله-: [مسألة: ولا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، قال ابن قدامة في شرحه: وجملته أن من أتى حدًا من الغزاة أو ما يوجب قصاصًا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه حده، وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق إلى أن قال في رده على مخالفيهم: ولنا على وجوب الحد أمر الله تعالى ورسوله به، وعلى تأخيره ما روى بسر بن أبي أرطاة أنه أتى برجل في الغزاة قد سرق بختية فقال لولا أني سمعت رسول الله rيقول: لا تقطع الأيدي في الغزاة لقطعتك أخرجه أبو داود وغيره] ، وفي المحرر لابن تيمية -رحمه الله-: [ومن أتى في الغزو حدا لم يستوف منه في أرض العدو فإن رجع أقيم عليه في دار الإسلام] (2) ، وقال المرداوي: [الثالثة: قوله (ومن أتى حدا في الغزو: لم يستوف منه في أرض العدو، حتى يرجع إلى دار الإسلام، فيقام عليه) وهو صحيح، وهو من مفردات المذهب، وكذلك لو أتى بما يوجب قصاصا، قاله المصنف وغيره] (3) ، بل قد حكى ابن مفلح الحنبلي إجماع الصحابة على دلك فقال: [ومن أتى حدًا في الغزو - وفي المغني والشرح أو ما يوجب قصاصًا - لم يستوف منه في أرض العدو، لأنه ربما يحمله الغضب على أن يدخل والعياذ بالله في الكفر، حتى يرجع إلى دار الإسلام فيقام عليه، وقاله الأوزاعي وإسحاق، وقال أحمد: لا تقام الحدود بأرض العدو، ونقل صالح وابن منصور إن زنى الأسير أو قتل مسلمًا ما أعلمه إلا أن يقام عليه الحد إذا رجع، لما روى بسر بن أبي أرطاة أنه أتي برجل في الغزاة قد سرق، فقال: لولا أني سمعت رسول الله r يقول:"لا تقطع الأيدي في الغزاة"لقطعتك رواه أبو داود وغيره، وهو إجماع الصحابة، ولأنه إذا رجع أقيم عليه الحد في دارنا لعموم الآيات والأخبار، فإن تأخيره لعارض من مرض أو شغل جائز، فإذا زال أقيم عليه لوجود المقتضي السالم عن المعارض] (4) : وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: [فصل: النهي عن قطع الأيدي في الغزو، المثال الثاني: أن النبي r نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله تعالى وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام على أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتي بسر بن أبي أرطاة برجل من الغزاة قد سرق مجنة، فقال لولا أني سمعت رسول الله r يقول:"لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك"رواه أبو داود] (1) ، فابن القيم -رحمه الله- بين هنا العلة التي لأجلها منع الشارع من إقامة الحدود في أرض العدو وهي الخوف من أن تأخذ المحدود الحمية فيلحق بأهل الكفر وينقلب على عقبيه، وهذا التعليل قد جاء في آثار صحيحة عن عدد من الصحابة كما سيأتي ذكرها، وإذا كانت تلك هي علة المنع فإنها لا تكون مقتصرة على حد السرقة فحسب،،إذ الحكم يدور مع علته حيث دار، وقد زاد ابن القيم الأمر بيانًا فقال: [وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل، والمرضع، وعن وقت الحر، والبرد، والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى] (2) ، وقال شمس الحق آبادي: [وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: قوله:"في السفر"أي في سفر الغزو مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو، فإذا رجع قطع، وبه قال الأوزاعي، قال: وهذا لا يختص بحد السرقة بل يجري حكمه في ما في معناه من حد الزنا وحد القذف وغير ذلك] (3) ، وقال أيضًا: [وقال القاري: قال التوربشتي: ولعل الأوزاعي رأى فيه احتمال افتتان المقطوع بأن يلحق بدار الحرب، أو رأى أنه إذا قطعت يده والأمير متوجه إلى الغزو لم يتمكن من الدفع، ولا يغني عنا فيترك إلى أن يقفل الجيش] .
وكما نرى فقد ذكر هنا احتمالين للتعليل، أما أحدهما فيصلح لأن يشمل كل الحدود وهو خوف اللحاق بدار الحرب - وهو الذي علل به بعض الصحابة - وأما الآخر فيجعل العلة قاصرة على حد السرقة وهي كون قطع اليد يمنع المحدود من المشاركة في القتال، ولا يبعد نسبة هذا التعليل للأوزاعي، ولهذا فإن بعض العلماء الذين ذكروا مذهبه في المسألة قالوا إنه إن سرق أخر عنه الحد إلى أن يرجع إلى دار الإسلام، وأما إن زنى أو قذف فيقام عليه وهو في دار الحرب وممن نقل هذا عن الأوزاعي الأمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فقال: [وقال الأوزاعي -رحمه الله- من أمّر على جيش وإن لم يكن أمير مصر من الأمصار أقام الحدود في عسكره غير القطع حتى يقفل من الدرب فإذا قفل قطع] (1) ، وبعضهم ذكر أن هذا هو مذهبه في كل حد سواء السرقة أو الزنى أو القذف فقد قال العلامة المناوي في شرح الحديث: [لا تقطع الأيدي في السفر، أي: سفر الغزو، بدليل الرواية الأخرى في الغزو بدل السفر، يعني: لا تقطع إذا سرق من الغنيمة لأنه شريك بسهمه فيه، وكذا لو زنى لا يحد، وحمله بعضهم على العموم لأنه قال: مخافة أن يلحق المقطوع بالعدو، فإذا رجعوا قطع، وبه أخذ الأوزاعي وأجراه في كل حد] (2) ، والخلاصة فإن هذا الحديث لا يعارض الآيات الآمرة بإقامة الحدود، فالحكم الذي اشتمل عليه هو عدم إقامة حد السرقة في الغزو، فعدم القطع متعلق بفترة الغزو وهي المدة التي يكون فيها الجيش في دار الكفر، فالمنع من القطع محصور في هذا الظرف، فإذا انتقل عنه ولم يكن السارق في دار الحرب (في الغزو) رجع الحكم إلى أصله وهو وجوب القطع ما لم يكن في الغزو، فالغزو المذكور إنما هو عارض يؤخر الحد لأجله ولا يسقطه، تماما كما يؤخر عن الحامل أوالمرضع أوالمريض أو في شدة الحر أو البرد، فعند انتفاء هذا العارض وزواله يعود الأمر على ما كان عليه، قال ابن قدامة -رحمه الله-: [فأما إذا رجع فإنه يقام الحد عليه لعموم الآيات والأخبار، وإنما أخر لعارض كما يؤخر لمرض أو شغل فإذا زال العارض أقيم الحد لوجود مقتضيه وانتفاء معارضه] (3) ، أما ما ذكر من معارضته لحديث عبادة: [وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر] ، فقد قال الإمام الشوكاني-رحمه الله-: [ولا معارضة بين الحديثين لأن حديث بسر أخص مطلقًا من حديث عبادة فيبنى الخاص على العام، وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقًا من الغزو المذكور في حديث بسر، لأن المسافر قد يكون غازيًا وقد لا يكون، وأيضًا حديث بسر في حد السرقة وحديث عبادة في عموم الحد] (4) .
أما الشق الأول مما دفع به الشوكاني التعارض يناسب مذهب القائلين بتأخير الحد ويستقيم معه، ويبقى الكلام على الشطر الثاني وهو جعله حديث بسر خاصًا بالسرقة، وذلك لأن القائلين بالتأخير لم يقصروا الحكم على حد السرقة بل أجروه في كل الحدود، وهذا هو المنقول عن الصحابة رضي الله عنهم في آثار متعددة، ولم أجد من يقول بقصر الحكم على حد السرقة إلا ما نسبه الإمام أبو يوسف للأوزاعي مع أن الناقلين لمذهبه من غيره لم يشيروا إلى أنه يحصر الحكم في السرقة، بل نصوا على أنه عدّاه لغيره من الحدود، وعليه فدفعًا للتعارض يخصص حديث عبادة بحديث بسر فيكون استيفاء الحدود واجبًا في الحضر والسفر إلا سفر الغزو، وكلما أمكن الجمع والتوفيق بين الأدلة فإنه يتعين وهذا منها والله أعلم.
كما استدل القائلون بعدم إقامة الحد على صاحبه إلا بعد الرجوع إلى دار الإسلام بآثار للصحابة في ذلك، وهم أعلم الناس بكلام النبي r ، وأعمقهم فهمًا لمقاصد الشريعة وأكثرهم إدراكًا لمصالحها، وأشدهم حرصًا على إقامتها وبعدًا عن تعطيلها، بل قد حكى بعضهم إجماعهم على ذلك كما نقلناه قريبًا عن ابن مفلح الحنبلي --رحمه الله-- فمن تلك الآثار:
الأول: عن حكيم بن عمير أن عمر-رضي الله عنه- كتب إلى الناس: [أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلًا من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار] (1) ، وهو يدل دلالة واضحة على أن الحكم ليس مقصورًا على حد السرقة بل كلامه صريح في الإطلاق، كما أنه نص على العلة التي لأجلها منع قادة الجيوش والسرايا من إقامة الحدود وهي خوف لحاق المحدود بدار الحرب، لأن الحمية قد تدفعه لذلك كما أنه بين أن الحد لا يسقط عمن أتى موجبه إنما يؤخر عنه إلى حين قفوله لدار الإسلام، وفي هذه الآثار أيضًا أن إقامة الحدود ليست مقتصرة على الإمام أو أمراء الأقاليم، وإنما تشمل أمراء الجيوش والسرايا، فإن قوله: حتى يقطع الدرب قافلا، أي: فعند ذلك يقيمه عليه، ونَهْيُ عمر عن إقامة الحدود كان موجها لأمراء الجيوش والسرايا.
الثاني: عن أبي الدرداء أنه كان ينهى أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله حتى يقفل، مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم (1)
الثالث: عن علقمة قال: أصاب أمير الجيش وهو الوليد بن عقبة شرابًا فسكر، فقال الناس لأبي مسعود وحذيفة بن اليمان: أقيما عليه الحد فقالا لا نفعل، نحن بإزاء العدو، ونكره أن يعلموا فيكون جرأة منهم علينا وضعفًا بنا (2) .