وأبو مسعود المذكور في رواية عبد الرزاق لعله أبو مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدري، فعلقمة بن قيس ممن روى عنه فإن كان هو - وهو الظاهر - ففي الأثر أن صحابيين جليلين نهيا عن إقامة الحد في أرض العدو، ولم يكن الحد حد السرقة، وبينا العلة في ذلك واتفقا عليها، وهي عدم إغراء العدو بهم، وحتى لا يظهروا أمامه بأنهم مختلفون على أميرهم فتزداد جرأتهم، وهذا التعليل يبدو مغايرًا لما ورد عن عمر وروي عن أبي الدرداء، إلا أن الروايات تجتمع على عدم إقامة الحد في أرض العدو مراعاة للمصلحة الكبرى سواء كانت متعلقة بالمحدود كخشية أن تأخذه الحمية فتدفعه للحاق بدار الحرب، أو بالجيش كله ككونهم محتاجين إلى المحدود أو يخشون أن يكون ذلك مغريًا لأعدائهم، كما أن تلك الآثار متفقة على أن الحكم ليس خاصًا بحد السرقة، قال الشيخ العلامة بكر أبو زيد مبينًا وجه دلالة أثر حذيفة على تأخير الحد: [ووجه الاستدلال منه على تأخير الحد عن الغزاة ظاهر، فإن حذيفة لم يسقطه ولكن استنكر عليهم تعجيله وهم عند أرض العدو مخافة أن يطمع فيهم الأعداء، فهذا ينبئ عن أن العلة في استنكاره هي قربهم من العدو خشية طمعه فيهم؛ فدل على أنه بعد العودة يعود الحكم بالحد لزوال علته، وعليه فإن قول حذيفة رضي الله عنه دال على التأخير لا غير] (3) .
الرابع: ما رواه عبد الرزاق عن رجل أنه سمع أبا بكر الهذلي أنه سمع الحسن قال: سرق رجل من المسلمين فرسًا، فدخل أرض الروم فرجع مع المسلمين بها، فأرادوا قطعه، فقال علي بن أبي طالب: لا تقطعوا حتى يخرج من أرض الروم (1)
الخامس: قصة أبي محجن مع سعد بن أبي وقاص في القادسية وهي بطولها:[أتي سعد بأبي محجن يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب لينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما التقى الناس قال أبو محجن:
كفى حزنًا أن تطرد الخيل بالقنا ***وأترك مشدودا على وثاقيا
فقال لابنة حفصة امرأة سعد: أطلقيني ولك الله علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحتم مني، قال فحلته حين التقى الناس، فوثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج، فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم، وجعل الناس يقولون: هذا ملك، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء والطعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد، فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، وأخبرت ابنة حفصة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلا سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها، فأما إذ بَهْرَجْتَنِي فلا والله لا أشربها أبدًا] (2)
قال الإمام ابن قدامة بعد أن ساق هذه القصة: [وهذا اتفاق لم يظهر خلافه] ، وبعد التأمل لم يظهر لي أن هذه القصة تصلح للاحتجاج على تأخير الحد، وذلك لأن سعدًا -رضي الله عنه - قال: [لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم] ، ولكن القصة تدل على إسقاط الحد في دار الحرب أما إقامته على من أتى بموجبه بعد الرجوع إلى دار الإسلام فهذا يؤخذ من باقي النصوص والآثار، بمعنى أن دلالة الحادثة - إن استقامت- فهي جزئية ومقتصرة على إهدار حدٍّ في أرض العدو، وعلى كل حال فإن قصة أبي محجن يبقى الاستدلال بها على هذا المذهب ليس قويًا لكثرة ما فيها من الاحتمالات وعليها من الاعتراضات والإيرادات، ولكنها في الوقت نفسه لا يستقيم بها الاحتجاج للمذاهب الأخرى، بل كل صاحب قول مما ذكرنا يمكن أن يأخذ منها بطرف يدعم ما ذهب إليه.
القول الرابع: أن من ارتكب حدًا فلا يسقط عنه تمامًا بل يؤجل حتى يرجع إلى دار الإسلام، ثم إن أتى من الأعمال الصالحات كالنكاية في العدو والثبات في القتال ما يغلب سيئاته، وظهر منه ما يدل على صدق التوبة فإن الحد يسقط عنه كلية فلا يقام عليه لا في دار الحرب ولا في دار الإسلام، وهذا القول موافق لما قبله في أن الحدود لا تقام في دار الحرب، وأنها لا تسقط عن مرتكب موجباتها إنما تؤخر إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، وزاد على سابقه بأن من أتى ما يستحق به إقامة الحد كسرقة أو زنى أو شرب خمر، ثم ظهر منه علامات التوبة الصادقة، وكانت له من الأعمال الصالحات ما تربو على ذلك الحد كحسن البلاء في المعركة والذود عن المسلمين، فإن الحد يسقط عنه من أصله ولا يقام عليه مطلقًا لا في دار الحرب حيث ارتكب الموجب ولا في دار الإسلام بعد القفول، وهذا القول-فيما أطلعت- لم أره إلا للإمام ابن القيم -رحمه الله-.
فأما عن عدم استيفاء الحدود في دار الحرب وتأخيرها إلى أن يرجع الجيش إلى دار الإسلام فقد استدل على ذلك بعين ما استدل به أهل هذا المذهب من الآثار فقد قال -رحمه الله-: [فصل: النهي عن قطع الأيدي في الغزو، المثال الثاني: أن النبي r نهى أن تقطع الأيدي في الغزو، رواه أبو داود فهذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو، خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام على أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في مختصره فقال: لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو، وقد أتي بسر بن أبي أرطاة برجل من الغزاة قد سرق بختية فقال: لولا أني سمعت رسول الله r يقول:"لا تقطع الأيدي في الغزو لقطعت يدك"رواه أبو داود وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة، روى سعيد بن منصور في سننه بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، وعن أبي الدرداء مثل ذلك وقال علقمة كنا في جيش في أرض الروم ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم، فيطمعوا فيكم؟ ثم قال بعد أن ساق قصة أبي محجن الثقفي بطولها: وليس في هذا ما يخالف نصًا، ولا قياسًا، ولا قاعدة من قواعد الشرع، ولا إجماعًا، بل لو ادعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب، قال الشيخ في المغني: وهذا اتفاق لم يظهر خلافه، قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى] (1) أما عن إسقاط الحد كلية عمن بدت منه علامات التوبة النصوح، وكان له بلاء حسن- وهو الأمر الزائد عن المذهب السابق- فقد استند الإمام ابن القيم في ذلك على إسقاط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن حين قال له: [لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله] ، ورد على من يمكن أن يتعلق بهذه العبارة في إسقاط الحد كلية في دار الحرب أو في دار الإسلام كما هو مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، فقال في ذلك: [فإن قيل فما تصنعون بقول سعد والله لا أضرب اليوم رجلا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فأسقط عنه الحد؟] قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كما يقوله أبو حنيفة، ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين، وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة، وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضًا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له حده، كما قال النبي r للرجل الذي قال له: يا رسول الله أصبت حدًا فأقمه علي، فقال: هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال اذهب فإن الله قد غفر لك حدك، وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته فقال: والله لا أشربها أبدًا، وفي رواية: أبد الأبد، وفي رواية: قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم، فأما إذ تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا، وقد برئ النبي r مما صنع خالد ببني جذيمة وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام] (1) ، قال الشيخ بكر أبو زيد حاكيًا مذهب ابن القيم: [يظهر جليًا من مباحثه -رحمه الله- في ذلك: اختياره قاعدة يرد عليها استثناء واحد، ذلك: أن من باشر ما يوجب حدًا في دار الحرب فإنه لا يسقط عنه الحد بالكلية وإنما يؤخر حتى يقفل من دار الحرب ويعود إلى أرض الإسلام، لكن إن كان لمن وجب عليه الحد من الحسنات والنكاية في العدو ما يغمر سيئته التي وقع فيها، وظهرت منه مخايل التوبة النصوح فإنه يسقط عنه الحد بالكلية] (2) ، وقال أيضًا في ترجيحه لهذا القول واختياره له: [فإن الذي يظهر- والله أعلم - سلامة اختيار ابن القيم لأن به تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وهو الذي يساير روح التشريع ومراعاة الحكم والمصالح وتسنده الأدلة شرعًا وعقلًا وعليه: فإن من قارف موجبًا لحد من الحدود وهو في دار الحرب صار تأخيره إلى حين عودته إلى دار الإسلام فيقام عليه موجبه المقدر شرعًا: من قتل أو قطع أو جلد، وأن من كانت حاله كحال أبي محجن: له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهر منه مخايل التوبة النصوح: فإنه يخلى سبيله والله أعلم] (3)
قال العلامة الدهلوي: [قال سول الله صلى الله عليه وسلم"لا تقطع الأيدي في الغزو"، وسرُّه ما بينه عمر رضي الله عنه ألا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار، ولأنه كثيرًا ما يفضي إلى اختلاف بين الناس وذلك يخل بمصلحتهم] (4)
هذه هي مذاهب العلماء وأقوالهم وأدلتهم في مسألة إقامة الحدود على المسلم في دار الحرب، والذي يظهر رجحانه منها - والله أعلم - هو القول الثالث وهو قول من قال إنها لا تقام عليهم ما داموا في دار الحرب، بل تأخر إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، وذلك إما لمصلحة متعلقة بالمحدود نفسه كخشية لحوقه بالكفار وانحيازه إليهم، أو لمصلحة عامة ترجع للجيش كله ككونهم محتاجين إليه أو الخوف من أن يكون سببًا في إغراء الكافرين وتنشيطهم لقتال المسلمين، وينظر فيما يشبهها ويلحق بها من المصالح الكبرى التي شهد لها الشرع بالاعتبار، وقبل ذلك كله فإن الحديث قد صح في النهي عن القطع في الغزو، وهو نص في محل النزاع بالنسبة لحد السرقة، وتلك المصالح التي يؤخر لأجلها الحد جاء بعضها منصوصًا في كلام الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أفقه هذه الأمة وأعلمهم بمقاصد الشرع وملابستهم لأحوال وأسباب التنزيل، وما تضل الأفهام وتزل الأقدام إلا كلما ابتعدت عن هديهم وانحازت عن فقههم، كما أنه رغم انتشار تلك المسائل واشتهارها بينهم - كما يظهر - لا يعلم أن أحدهم خالف أو اعترض على ذلك، والأولى اتباعهم في هذا الفهم، والتمسك بمذهبهم فهو أحرى وأقوم، والاقتداء بهم إذ هم أفقه وأعلم.
أما ما ذهب إليه الإمام ابن القيم من الاستدلال بقصة أبي محجن على إسقاط الحد كلية بالاعتبارات التي ذكرها، فلا بد من الوقوف عنده وتأمله، ذلك أن القصة تتضمن بعض الإشكالات المهمة والتي لا بد لمن أراد أن يستدل بها الإجابة عليها.
أولًا: بالتأمل في كلام ابن القيم السالف لم يظهر لي أن مذهبه في هذه المسألة هو إسقاط الحد عمن كانت له حسنات تربو على موجب الحد الذي اقترفه، وغاية ما في تعليقه على قصة أبي محجن مع سعد هو رد لإشكال يرد عليها وجواب على سؤال قد ذكره في كلامه، فالأمر لا يتعدى أن يكون دفعًا لإيهام تشتمل عليه الحادثة، خاصة وأن ابن القيم قد صدر كلامه بالاستدلال بحديث بسر بن أرطاة وأردفه بكلام الصحابة الصريح في تأخير الحد وعدم إقامته في دار الحرب وبين أن هذا الأمر - وهو التأخير: ليس فيه: [ما يخالف نصًا، ولا قياسًا، ولا قاعدة من قواعد الشرع، ولا إجماعًا، بل لو ادعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب] ، ثم بعد أن قرر هذا الأصل واستقر عنده الحكم فيه وأوضحه أيضًاحا تامًا أورد بعد ذلك سؤالًا يشكل على ما قرره فقال: [فإن قيل فما تصنعون بقول سعد والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فأسقط عنه الحد؟] ، ولا يخفى أن قوله ما تصنعون يقصد بهم القائلين بتأخير الحد وعدم إقامته في دار الحرب، خاصة وأن قصة أبي محجن قد استدل بها هؤلاء على مذهبهم كما نقلناه عن ابن قدامة -رحمه الله- فهو إشكال وراد عليهم بلا شك، ذلك أن قصة أبي محجن قد حوت أمرًا زائدًا على مجرد تأخير الحد وهو إسقاطه كلية، ولهذا فقد بين الإمام ابن القيم -رحمه الله- أن هذا لا يصلح أن يكون دليلًا لمن ذهب إلى إسقاط الحدود مطلقًا في دار الحرب فقال:: [قد يتمسك بهذا من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كما يقوله أبو حنيفة، ولا حجة فيه] ، فالذي يظهر لي - والله أعلم - أن كلام ابن القيم منحصر في هذا الموضع، وهو في حقيقة أمره تخريجٌ لما فعله سعد ودفع لإشكال يرد عليه لا أنه استدلال به على مذهب معين واختيار مستقل، ولم أر في كلامه ما ينص على أنه يجعل هذا دليلًا ثابتًا ومستمرًا، وتأمل كلامه: [والظاهر أن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين، وجهاده وبذله نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد، لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة، وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت، وأيضًا فإنه بتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له الحد] ، فهو قد طرح إشكالًا على حادث معين في موضع محدد وأجاب بدفع ذاك الإشكال عن الموضع نفسه، أما عما ساقه بعد ذلك من الأحاديث التي يقوي بها ما فعله سعد مع أبي محجن وقوله إن سعدًا رضي الله عنه اتبع في ذلك سنة الله تعالى، فإن اختيار ابن القيم -رحمه الله- هو سقوط وجوب إقامة الحد أصلا عمن جاء تائبًا قبل القدرة عليه، وهذا يشمل من كان في دار الإسلام ومن هو في دار الحرب، مع أن القول بأن سعدًا أسقط الحد عن أبي محجن بسبب توبته موضع بحث ونظر كما سنذكره قريبًا، وفي سقوط وجوب إقامة الحد عمن جاء تائبًا قبل القدرة يقول ابن القيم -رحمه الله-: [فإن قيل فماعز جاء تائبًا، والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد، قيل لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبهما احتج أصحاب القول الآخر، وسألت شيخنا - أي ابن تيمية - عن ذلك فأجاب: بما مضمونه بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي r إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد فقال في حق ماعز:"هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه"ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخير بين أن يتركه، كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به:"اذهب فقد غفر الله لك"، وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته، وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي r مرارًا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما، وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة، وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم] (1) ، وإذا كان سبب إسقاط الحد هو علم سعد بصدق توبة أبي محجن بما ظهر من حاله وبعزمه على عدم العود للشرب - وإن كان هذا بعيدًا - فالأمر إذًا لا يتعلق بمسألة استثناء عن الأصل الذي قرره ودلل عليه في رأس المسألة وهو تأخير الحد عمن أتى موجبه في دار الحرب، وذلك لأن التعليل بهذا الأمر يجعل الحكم أو الاستثناء ليس فقط متعلقًا بكونه في دار الحرب أو في دار الإسلام، بل هو استثناء عام من أصل مسألة وجوب إقامة الحدود لا من تأخيرها، بمعنى آخر إن اختيار ابن القيم الذي صرح به وأكده ودلل عليه ورد على مخالفيه فيه هو أن من ارتكب موجبًا للحد ثم جاء تائبًا قبل قدرة الإمام عليه فإن وجوب إقامة الحد يسقط عنه والإمام بعدها بالخيار بين إقامته وإسقاطه، ومعلوم أن هذا ليس محصورًا أو خاصًا بمن كان غازيًا في دار الحرب، ويقوي ذلك أن ابن القيم قد ساق من السنة ما يؤيد به فعل سعد رضي الله عنه وذكر في ذلك حديثين: الأول: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس رضي الله عنه قال: [كنت عند النبي r فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي r ، فلما قضى النبي r الصلاة قام إليه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم فيَّ كتاب الله، قال أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك.] ، وهذا الحديث قد استدل به الإمام ابن القيم في موضع آخر على أن التوبة تسقط وجوب الحد إن كانت قبل القدرة، ومعلوم أن هذا الرجل كان في دار الإسلام - وهي المدينة - لقول أنس رضي الله عنه: [وحضرت الصلاة فصلى مع النبي r] ، فإن كان إسقاط سعد الحد عن أبي محجن بسبب توبته كما أسقط النبي r الحد عن هذا الرجل بسبب توبته، فلا يبقى بعدها وجه لحصر الاستثناء - وهو إسقاط الحد - عمن كان في دار الحرب فقط، بل كل من يقول بأن التوبة تسقط وجوب إقامة الحد فلا شك أنه يجري ذلك على من كان في دار الإسلام أو في دار الحرب سواء.
الثاني: ما رواه البخاري وغيره عن ابن عمر قال: [بعث النبي r خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يومٌ أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي r فذكرناه، فرفع النبي r يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين] ، قال ابن القيم -رحمه الله-: [وقد برئ النبي r مما صنع خالد ببني جذيمة وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام] ، والاستدلال بقصة تقتيل خالد لبني جذيمة على عدم المؤاخذة لمن ارتكب موجب حد لا يظهر، وذلك لأن خالدًا رضي الله عنه قد فعل ما فعل مجتهدًا ظانًا أن هذا هو الحكم الشرعي في حق أولئك القوم وكان في ذلك كله متأولًا، ولهذا لم يكن ثمة ما يستحق العقوبة عليه أصلًا، واجتهاده في هذا الموضع كاجتهاد أي عالم في المسألة الشرعية إن اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر كما صح بذلك الخبر، ولما كان أمره على هذه الكيفية فإن النبي r إنما تبرأ من الفعل لا من الفاعل، وعلى هذا تدل ترجمة الإمام البخاري حيث ساق الحديث تحت: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو رد، وفي هذا يقول ابن حجر: [قال الخطابي: الحكمة في تبرئه r من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدًا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان يإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله، أهـ ملخصًا، وقال ابن بطال: الإثم وإن كان ساقطًا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم لكن الضمان لازم للمخطئ عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقلة الحاكم أو بيت المال، ... قال ابن حجر: والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود] (1) ، وقال الإمام ابن حزم -رحمه الله-: [فإن قيل: كيف يكون متأولًا ورسول الله r يبرأ إلى الله تعالى من فعله؟ قلنا: نعم قد برئ رسول الله r من كل خطأ خالف الحق، ونحن نبرأ إلى الله عز وجل منه، وإن كان فاعله مأجورا أجرًا واحدًا، ولم يبرأ رسول الله r من خالد قط، إنما برئ من فعله، وهكذا نقول: نبرأ إلى الله عز وجل من كل تأويل أخطأ فيه المتأول ولا نبرأ من المتأول، ولو برئ عليه الصلاة والسلام من خالد لما أمَّره بعدها] (2) ، وقال شيخ الإسلام-رحمه الله-: [وكذلك خالد بن الوليد قد قتل بني جذيمة متأولًا، ورفع النبي r يديه وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد] (3) ، وفرق بين من يرتكب معصية وهو يعلم أنها معصية ثم يتوب ويؤوب، وبين من يفعل فعلًا معتقدًا أنه حكم الله وشرعه ثم يتبين خطؤه بعد، وعلى كل فقول الإمام ابن القيم عما جاء عن النبي r في حق خالد: [ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام] ، يبدو أن الأولى منه القول بأن خالدًا فعل ما فعل متأولًا مجتهدًا فأخطأ، فتبرأ النبي r من فعله الذي أخطأ فيه ودفع الدية عن القتلى كما في بعض الروايات، أما عزل خال أو مؤاخذته فمثل هذا لا يستدعي ذلك لعلم النبي r أنه لم يفعل ذلك عالمًا متعمدًا حتى يستحق أن يؤاخذ عليه، قال شيخ الإسلام --رحمه الله--: [ومع هذا فالنبي r لم يعزل خالدًا عن الإمارة، بل ما زال يؤمره ويقدمه، لأن الأمير إذا جرى منه خطأ أو ذنب أُمر بالرجوع عن ذلك وأقر على ولايته، ولم يكن خالد معاندًا للنبي r بل كان مطيعًا له، ولكن لم يكن في الفقه والدين بمنزلة غيره، فخفي عليه حكم هذه القضية] (1) ، والشاهد من هذا كله أن هناك فرقًا بين قصة خالد مع بني جذيمة وعدم مواخذة النبي r إياه وبين ما فعله سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن حيث ذكرت بعض الروايات أنه حبسه وقيده لأجل شربه الخمر وتكرار ذلك منه فهو ليس مجتهدًا في ذلك ولا متأولًا وبين الصورتين فرق جلي والله أعلم.