الصفحة 13 من 40

فتلخيص ما مضى بشأن كلام الإمام ابن القيم -رحمه الله- أن يقال: إما أن يكون ما ذكره - من أن سعدًا رضي الله عنه أسقط الحد عن أبي محجن لأجل حسن بلائه وظهور مخايل التوبة النصوح - مقصورًا على هذه الحادثة وخاصًا بها وهو اجتهاد من سعد رضي الله عنه في إهدار الحد في حق أبي محجن، فيكون مذهب ابن القيم في مسألة إقامة الحدود في دار الحرب هو عين مذهب القائلين بتأخيرها إلى دار الإسلام، وكل ما ذكره في قصة أبي محجن هو تخريج ودفع لإشكال متعلق بحادثة عينية قد يعترض به على هذا المذهب.

وإما أن يكون كلام ابن القيم عامًا في كل من كان له بلاء حسن ونكاية في العدو وثبات في المعركة مع ظهور ما يدل على صدق توبته، وعليه فيكون في استدلاله بقول النبي r"اذهب فقد غفر لك حدك"وقوله لخالد:"اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد"نظر، ففي الأول لأن اختياره أن التوبة تسقط وجوب إقامة الحد في كل حال إذا كانت قبل القدرة سواء ارتكبت في دار الحرب كحال أبي محجن أو في دار الإسلام كحال الرجل الذي قال له النبي r ما قال: وإذا كان ذلك كذلك فإما أن يكون سعد قد أهدر حد أبي محجن لأجل توبته والتي تلمحها من خلال أفعاله كرجوعه للقيد، وعليه فإن قاعدة سقوط وجوب إقامة الحدود على من جاء مقرًا تائبًا تبقى مطردة في كل الأحوال، وليس الأمر خاصًا باستثناء عن إقامة الحد في دار الحرب، إنما هو من إقامة الحدود أصلا، فكل من جاء تائبًا قبل القدرة عليه فإن ذلك يسقط عنه وجوب إقامة الحد عليه سواء كان في دار الحرب أو في دار الإسلام، وإما أن يكون سعد قد أسقط الحد لأجل ما قام به أبو محجن من البذل والتضحية والذود عن المسلمين فيكون في الاستدلال بحديثي النبي r على ما فعل سعد نظر.

ثانيًا: لقائل أن يقول إن سعدًا رضي الله عنه قد بين السبب الحقيقي الذي لأجله أسقط الحد عن أبي محجن كما قال: [لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، فخلى سبيله] ، فقد أنعم الله به على المسلمين في هذه المعركة حتى ظنوه ملكًا من الملائكة، فشدة بأسه فيها وعظم غنائه ودفاعه عن المسلمين هي التي جعلت سعدًا يهدر الحد في حقه، وهذه الأمور قد يفعلها من لا يصدق التوبة، بل قد تقع ممن لا خلاق لهم كما قال النبي r: [ إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم] ، وكما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: [التقى النبي r والمشركون في بعض مغازيه، فاقتتلوا، فمال كل قوم إلى عسكرهم، وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه، فقيل: يا رسول الله ما أجزأ أحد ما أجزأ فلان، فقال إنه من أهل النار، فقالوا أَيُّنَا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار؟! فقال رجل من القوم: لأتبعنه فإذا أسرع وأبطأ كنت معه، حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فجاء الرجل إلى النبي r فقال: أشهد أنك رسول الله فقال: وما ذاك؟ فأخبره فقال إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة] رواه الشيخان، وهذا أمر مشهود مشهور فإن من الأبطال و الشجعان الذين يبلون في المعارك بلاء حسنًا ويكون نفعهم في الحروب عظيمًا وغناؤهم كبيرًا من يكون على غير الطريق المرضية في سلوكهم وأخلاقهم، بل قد يستدل على أن أبا محجن رضي الله عنه قبل إسقاط الحد عنه من قِبَل سعد رضي الله عنه كان مضمرًا لنية العود لشرب الخمر اعتمادًا منه على أن الحد يطهره من أثمها، ولهذا قال: [قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأطهر منها، فأما إذ بهرجتني فوالله لا أشربها أبدًا] ، وفي رواية عبد الرزاق: [وقال - أي سعد رضي الله عنه: لا نجلدك في الخمر أبدًا، قال أبو محجن: وأنا والله لا تدخل في رأسي أبدًا إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك قال فلم يشربها بعد ذلك] ، فهذا يدل على أنه عزم على عدم الشرب وأقدم على نية الإقلاع عنها بعدما سمع سعدًا قد أسقط الحد عنه، وفي هذا ما يومئ إلى أنه لم يتب من شربها من حين فك القيد عنه إلى قبيل إهدار سعد الحد عنه، وهو يقوي القول بأن سعد بن أبي وقاص إنما أسقط عنه الحد لما رأى منه حسن البلاء وعظيم التضحية في المعركة حيث شهد له فيها المسلمون بذلك حتى حسبوه ملكًا مرسلًا من السماء، ولهذا لم يصرح ابن القيم أن سعدًا إنما أسقط الحد عنه بسبب توبته ولكن قال: [ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال، إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت] ، ولكن جعل هذه الأمور بمجموعها تدل دلالة عامة على نية التوبة الصادقة وذلك بحسب ما ظهر منه من الأعمال، ولكن ما دام سعد رضي الله عنه قد بين وبجلاء السبب الذي جعله أسقط الحد عن أبي محجن فينبغي الاقتصار عليه والوقوف عنده، وهذا ما يقوي أن الأمر كان خاصًا بتلك الحال يؤكد ذلك الإشكال الآتي.

ثالثا: ومما يزيد الأمر إشكالًا ما ورد في بعض الروايات من أن سعدًا رضي الله عنه قال لأبي محجن: [والله لا نجلدك في الخمر أبدًا، وقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم] (1) .

ووجه الإشكال أن سعدًا قد نص وعزم على عدم جلد أبي محجن في الخمر أبدًا، وظاهره أنه إسقاط للحد كلية فيما استحقه سابقًا وفيما يستقبل من الزمان إن هو شربها، ومما لا شك أن التوبة مهما كانت فإنها إن أسقطت حدًا مضى فلا تسقط من أتى موجبه فيما بعد إلا بتوبة جديدة مستأنفة مستقلة، فمن شرب الخمر مثلًا ثم جاء تائبًا قبل القدرة عليه فإن وجوب إقامة الحد يسقط عنه - عند من يقول بذلك - ولكن إن غلبته نفسه ورجع إلى شربها من جديد فلا شك أن التوبة السالفة لا تسقط عنه الحد المتعلق بهذا الشرب المتأخر الجديد، فكيف يسقط سعد رضي الله عنه الحد عن أبي محجن إسقاطا كليًا مؤبدًا سواء كان السبب هو توبته أو حسن بلائه في المعركة؟ يبين ذلك أن أهل بدر قد قال الله في حقهم كما في الحديث: [اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم] ، فلو كان ثمة أحد يستحق أن يُسقَط عنه حد إسقاطًا دائمًا لكان أهل بدر لما في هذا الحديث من الدلالة الواضحة على غفران الله لذنوبهم، ومع ذلك فإن الحدود لا تسقط عن بدري أتى بموجبها بالإجماع كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: [واتفقوا على أن البشارة المذكورة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها والله أعلم] (1) ، وقال الإمام النووي -رحمه الله-: [قوله r:"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة، وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد وأقامه عمر على بعضهم، قال وضرب النبي r مِسْطحًا الحد وكان بدريًا] (2) ، وقال شمس الحق آبادي: [المراد غفران ذنوبهم في الآخرة وإلا فلو وجب على أحدهم حد مثلًا لم يسقط في الدنيا] (3) .

وللجواب عن هذا الإشكال فإن القاعدة المتفق عليها والأصل المقرر الذي لا تنازع فيه أن كل من ارتكب موجبًا من موجبات الحدود كالزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم ثبت عليه ثبوتًا شرعيًا لا مطعن فيه ووقع في يد الإمام قبل أن يجيء تائبًا أن الحد يقام عليه ولا بد، وليس لأحد أن يهدره، فهذا هو المحكم في هذه المسألة، وذلك لقول النبي r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، ولقوله: [تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب] (4) ، فكل ما أتى وهو مخالف لهذا الأصل أو ظاهره المخالفة فلا تردد في رده أو تأويله وحمله محملًا يوافقه فيه لا سيما إذا كان ذلك من صحابي أحرى أن يكون من صحابي بدري جليل كسعد رضي الله عنه وهو مَن هو، وهنا ينبغي أن نشير لألفاظ الروايات الأخرى التي وردت في هذا الموضع مما قد يبين المراد ويحل الإشكال، ففي سنن سعيد ابن منصور قال سعد: [لا والله لا أضرب بعد اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم فخلى سبيله] ، وفي مصنف ابن أبي شيبة: [فقال سعد: والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم] دون زيادة"بعد"، وفي الاستيعاب من طريق ابن أبي شيبة أيضًا: [والله ما أبلى أحد من المسلمين ما أبلى في هذا اليوم لا أضرب رجلا أبلى في المسلمين ما أبلى] ، وفي الإصابة: [لا والله لا أحد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم] ، فبالتأليف بين هذه الألفاظ يمكن الخلوص إلى معنى صحيح هو ظاهر في بعضها ومحتمل في الأخرى وبعيد في غيرها، وذلك بحمل كلام سعد رضي الله عنه على إسقاط حد شرب الخمر الذي استحقه أبو محجن وأقوى الروايات في هذا المعنى ما في مصنف ابن أبي شيبة: [لا أضرب اليوم] ، وما في الإصابة: [لا والله لا أحد اليوم رجلا] ثم ما في سنن سعيد بن منصور: [لا أضرب بعد اليوم رجلا] ، بحمل كلامه هنا وفي رواية عبد الرزاق على المبالغة في التصريح باستحقاق أبي محجن إهدار حده عنه بسبب بلائه في المعركة، فيصبح المعنى إن ما فعله أبو محجن من الثبات والقتال والدفع عن المسلمين لا يمكن أن يقام معه عليه حد، بل لو كان لي إسقاط الحد عنه لأسقطته وأهدرته كلية بسبب ما فعل وبذل، فيكون كلام سعد رضي الله عنه ليس متوجهًا أصالة إلى إهدار الحد بقدر ما هو إبداء لإعجابه وانشراح صدره ورضاه بما قام به أبو محجن رضي الله عنه هذا ما ظهر لي في هذا الموضع، والمقصد الأساس والأول هو دفع ما يتوهم من أن سعدًا رضي الله عنه قد"ألغى"حد الخمر كلية عن أبي محجن مهما شربها، فهذا ما لا يتصور أن يصدر من أحد من المسلمين فضلا عن أن يكون سعدًا، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: [وأنكر بن فتحون قول من روى أن سعدًا أبطل عنه الحد، وقال: لا يظن هذا بسعد، ثم قال: لكن له وجه حسن لم يذكر، وكأنه أراد أن سعدًا أراد بقوله لا يجلده في الخمر بشرط أضمره وهو إن ثبت عليه أنه شربها] (1) ، كذا ولعله سقط من الجملة حرف"إلا"قبل"إن"فيكون الكلام على سياق: وهو"إلا"إن ثبت عليه أنه شربها، حتى يستقيم المعنى والله تعالى أعلم.

رابعًا: إن قول أبي محجن: [قد كنت أشربها إذ يقام عليَّ الحد وأطهر منها، فإما إذ بهرجتني فلا والله لا أشربها أبدًا] ، يدل على أن حد الخمر كان يقام عليه، وظاهر كلامه أيضًا أن الذي كان يقيمه عليه هو سعد رضي الله عنه، كما أن كلامه يحتمل أن يكون شرابه لها وإقامة الحد عليه كان وهو معهم في الجيش، لأنه قال لسعد: [فأما إذ بهرجتني] ، أي أهدرت الحد في حقي وأسقطته عني، وأصرح من ذلك رواية عبد الرزاق: [إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك قال فلم يشربها بعد ذلك] (2) ، ورواية عبد الرزاق صحح الحافظ ابن حجر إسنادها، فهو قد نص على أن سعدًا قد جلده عليها، وذكرها في الإصابة بلفظ: [من أجل جلدكم] بخطاب الجمع وكذلك ذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب , وعلى كل فهذا اللفظ ظاهر في أن سعدًا كان قد جلد أبا محجن في الخمر، فالقصة بذلك تنتج خلاف ما استدل بها على تأخير الحد، فلو كان هذا المعنى متوجهًا وقويمًا لكان فيه دليل - من آثار الصحابة - لمن يقول بأن الحد يقام على من أتى موجبه ولو كان في دار الحرب كما هو مذهب مالك والشافعي، فإن قال المستدلون بها على تأخير الحد إن سعدًا لم يكن إذ ذاك في دار الحرب وإنما كان محاذيًا لها وقريبًا منها، قيل ولكنكم اعتمدتم عليها في الاستدلال وجعلتم إسقاط سعد للحد دليلًا على عدم إقامته في دار الحرب، فإما أن يكون سعد في دار الإسلام عند إقامة الحد على أبي محجن وعند إسقاطه عنه فلا يبقى في القصة دليل لكلا الفريقين، وإما أن يكون في دار الحرب فعلى من استدل بإسقاط سعد للحد أن يجيب على قول أبي محجن: [إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك] ، إلا أن يقال يحتمل أن الحد كان يقام عليه كلما شرب الخمر وقد تكرر منه شربها مرارًا، وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون قد أقيم عليه وهو في الغزو ولا أن الذي أقامه عليه هو سعد وذلك اعتمادًا على قوله: [من أجل جلدكم] فيحمل على أنه يقصد عموم من أقاموا عليه الحد، لاسيما وقد روى بعد الرزاق أن أبا محجن قد حده عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الخمر سبع مرات، قال الإمام بن حجر -رحمه الله-: [وذكر المدائني عن إبراهيم بن حكيم عن عاصم بن عروة: أن عمر غرَّب أبا محجن وكان يدمن الخمر، فأمر أبا جَهْراء البصري ورجلًا آخر أن يحملاه في البحر فيقال إنه هرب منهما وأتى العراق أيام القادسية، وذكر أبو عمر نحوه وزاد أن عمر كتب إلى سعد بأن يحبسه فحبسه] (1) ، وهذا يؤيد أن حبس سعدٍ له لم يكن لشربه الخمر عنده وإنما استجابة لأمر أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهذا يقوى أن يكون عمر رضي الله عنه هو الذي تولى جلد أبي محجن في الخمر فلما أكثر منها نفاه، بل ذكرت بعض كتب التاريخ أن حبس سعد لأبي محجن لم يكن لأجل شربه الخمر إنما بسبب اعتراضه على تأمير خالد بن أبي عرفطة وتشغيبه عليه بذلك فقد قال الطبري -رحمه الله-: [وكان بسعد عرق النسا ودماميل، وكان إنما هو مكب، واستخلف خالد بن عرفطة على الناس فاختلف عليه الناس، فقال احملوني وأشرفوا بي على الناس به، فأكب مطلعًا عليهم والصف في أصل حائط قديس، يأمر خالدًا فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وشتمهم وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالًا لغيركم، فحبسهم ومنهم أبو محجن الثقفي وقيدهم في القصر] (1)

وخلاصة القول:

أن ما تطمئن إليه النفس في حكم إقامة الحدود في دار الحرب هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث وهم القائلون بعدم إقامتها ما دام الجيش في دار الحرب، سواء كان قائد الجيش هو الإمام أو أمير من أمراء الأمصار أو من سواهم من قادة الجند، فإذا قفل الجيش إلى دار الإسلام فعندها يقام الحد على من أتى بموجبه، والأدلة على ذلك ما ذكره أصحاب هذا المذهب من السنة النبوية ومن آثار الصحابة الدالة على تأخير إقامتها لمصالح راجحة واضحة مما يتعلق بصاحب الحد نفسه أو بالجيش كله، وبهذا القول يتم الجمع بين الأدلة وتأتلف على معنى صحيح، وأما عن حادثة أبي محجن مع سعد رضي الله عنهم فالذي ظهر - والله تعالى أعلم - أن إسقاط الحد فيها كان للسبب الذي صرح به سعد نفسه وهو أن الله قد أبلى المسلمين ما أبلاهم، والأولى هو قصر القصة على الموضع الذي وردت فيه وجعلها من خصوصية أبي محجن وذلك لما ذكرناه من الإشكالات الواردة عليها، وهي كما رأينا منزع لكل من أراد أن يستدل بها على ما ذهب إليه، قال السيوطي -رحمه الله- وهو يقرر قتل من تكرر منه شرب الخمر، ويرد على ما استدل به القائلون بالنسخ: [أن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم، وقد ورد بقصة نعمان لما قال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتي به فقال النبي r لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، فعلم النبي r من باطنه صدق محبته لله ورسوله، فأكرمه بترك القتل، فله أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام ... وقد ترك عمر إقامة حد الخمر على فلان لأنه من أهل بدر، وقد ورد فيهم:"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"وترك سعد بن أبي وقاص إقامته على أبي محجن لحسن بلائه في قتال الكفار فالصحابة رضي الله عنهم جميعًا جديرون بالرخصة إذا بدت من أحدهم زلة] (2) ، وقول السيوطي -رحمه الله-: وقد ترك عمر إقامة الحد على فلان لأنه من أهل بدر، لم يبين متى وأين وقعت هذه الحادثة، بل الثابت أن عمر رضي الله عنه أقام حد الخمر على قدامة بن مظعون لما شرب الخمر متأولًا مع أنه كان بدريًا، وهذا هو مقتضى الإجماع الذي ذكره بعض العلماء من عدم سقوط الحدود عن البدريين، أما عن إسقاط الحدود بالتوبة فهذا مبحث آخر ولا تعلق له بإقامة الحدود في دار الحرب من غيرها، فمن يقول بجواز إسقاط الحد عمن جاء تائبًا إلى الإمام قبل القدرة عليه يجعل هذا الحكم مطلقًا وعامًا ومنسحبًا على من كان في دار الإسلام أو في دار الكفر، ومن يوجب إقامة الحد على من ارتكب موجبه فلا تأثير لديه بين أن تكون التوبة في دار الإسلام أو في دار الحرب والله تعالى أعلم.

ولكن ونحن نبحث في هذه المسألة ينبغي ألا نغفل عن الواقع الذي ستتنزل فيه هذه الأحكام، فالصورة التي يتكلم عنها العلماء وبنوا عليها الكثير من خلافاتهم فيها، هي أن يخرج جيش المسلمين من دار الإسلام متوجهًا لغزو الكفار في ديارهم، فينفصل عن دار الإسلام في ذلك الغزو ويكون في داخل بلاد الكفار وفي أثناء وجود الجيش في ديارهم قد يرتكب بعض الجند ما يوجب الحد، فمثل هذا يؤخر عنه و لا يقام عليه ما دام في دار الكفار، حتى إذا ما رجعوا إلى بلاد الإسلام وآووا إليها أقيم عليه هناك، فالجيش يخرج وله هيئته واستقلاله وقوته، ودار الإسلام مميزة معروفة لا خفاء فيها ولا لبس، ومآل الجند هو القفول إليها، فأين هذه الصورة التي قرر العلماء حكمها من واقعنا اليوم، فأين هي دولة الإسلام التي تجيش الجيوش لغزو الكفار في عقر دارهم، وأين هي تلك الجيوش التي تروح وتغدوا وتذهب وتجيء، فالمسلمون محاربون مطاردون يُتخطّفون من وسط ديارهم، والمجاهدون لا يكادون يقرون في مكان أو يتميزون في جهة، وأهل الكفر تحزبوا وتآزروا وأجمعوا أمرهم للتنكيل بكل من يدعو إلى الحق، فرصدوا لذلك أموالهم، وأهّبوا جيوشهم، وسخروا طاقاتهم للتضييق على شباب الإسلام، فلا يكاد المرء يسافر من جهة إلى جهة أو يتنقل من مدينة إلى أخرى إلا بعد أن يمر على مخاطر تحف به من كل جهة قد ينجو معها وقد يقع أسيرًا في أيديهم، فهو متنقل في أغلب أحايينه بين أعدائه الذين يتربصون به ويرصدون تحركاته، ففي هذه الظروف التي لا تخفى على مسلم يطلع على شيء من حال أمته اليوم كيف يكون تطبيق الحدود وهل ينطبق عليها ما ذكره الفقهاء، فإذا ابتلي أحد المجاهدين بشيء من هذه القاذورات، وارتكب موجبًا لحد من الحدود كالسرقة أو الزنى أو الخمر فكيف ومتى يتم إقامة الحد عليه؟

أقول: لا شك أن المسألة في غاية الإشكال والتعقيد؛ وذلك نتيجة حقيقة ومتحتمة للواقع المتداخل الذي يعيشه المسلمون، فليست المسألة بهذه السهولة، ولا يمكن نقل كلام العلماء والفقهاء حرفيًا وإسقاطه على واقع يختلف اختلافًا كليًا عن مورد كلامهم وموطن فتاواهم، بل لابد من بذل الجهد في محاولة التسديد والمقاربة بين ما قالوه وقرروه واستدلوا له وبين ما نحن فيه من التداخلات والتعقيدات الواقعية الناتجة عن سطوة الكافرين وتسلطهم وكون الغلبة والقوة لهم مع ضعف المسلمين وتشرذمهم، إذ هم تحت حكم الكافرين وفي سلطانهم وتحت سطوتهم، وكما قلنا فإن المجاهدين بصورتهم المعاصرة كجماعات متعددة في أقطار شتى هي التي تمثل أقرب الصور إلى الجيوش الإسلامية التي تحدث الفقهاء عن حكم إقامة الحدود بين أفرادها، ولا يخفى الفارق بين الصورتين؛ فإن الجيش الإسلامي في دولة الإسلام له ملاذه وملجؤه وداره التي يخرج منها ثم يأوي إليها وهي دار الإسلام التي تعلوها أحكامه - ومنها إقامة الحدود- ويخضع الناس فيها لسلطانه، أما المجاهدون في هذا الزمان فحالهم في غاية الاختلاف من هذه الحيثية، لأن حركتهم كما ذكرنا هي بين أعدائهم، وفي ديار غلب عليها أهل الكفر وبسطوا أحكامهم، وأخضعوا الناس لها وألزموهم بها، وإن سيطر المجاهدون على قطعة أرض فهي محدودة وسيطرتهم عليها غالبًا ما تكون ناقصة فهم فيها مع عدوهم بين كر وفر، وتقدم وتأخر، فليس لهم مأوى حقيقي ودار مستقلة يأوون إليها ويبسطون تمام نفوذهم عليها فحركتهم وتنقلاتهم وذهابهم وإيابهم كلها في ديار الكفر، فبهذه الاعتبارات المعاصرة التي لا يكاد ينفك عنها أحد يمكن أن يقال إن إقامة الحدود في هذه الديار أصبح له طرفان ووسط:

الطرف الأول: القول بأن الحدود تُأخَّر عن مرتكبها ما دام في دار الحرب، كما دل على ذلك حديث بسر بن أرطاة: [لا تقطع الأيدي في الغزو] ، وكما كشفت آثار الصحابة رضي الله عنهم علة ذلك وهو خشية اللحاق بدار الحرب وما شابهها من العلل، وعلى هذا وبما أن المجاهدين اليوم ليس لهم وجود إلا في عقر ديار الحرب فإن الأخذ بهذا القول يفضي في حقيقة أمره إلى إسقاط الحدود عن المجاهدين كلية، بل وعن جميع المسلمين المحكومين بأنظمة الكفر، وذلك لفقدان دار الإسلام التي تقام فيها الحدود بعد الرجوع إليها، ولا يخفى ما في القول بانتظار إقامة دولة الإسلام العامة لتقام فيها الحدود على من أتى موجبها من البعد، لأنه يعني إقرار الناس بصورة أو بأخرى على أن يعيشوا تحت سلطان الكافرين، ويتحاكموا إلى قوانينهم، ويجعلوها السبيل لأخذ حقوقهم، ومعلوم أن القائلين بتأخير الحد عن دار الحرب لم يقل واحد منهم إن من ارتكب شيئًا من موجبات الحدود أو أسباب التعزير فله أن يرضى بما يحكم به أهل الكفر في دارهم، أو أن يُقدم على التحاكم إلى أحكامهم، فالتأخير الذي ذكروه له غاية وأمد ينتهي عنده وهو الرجوع إلى دار الإسلام، وهذه الغاية أو التوقيت مفقود الآن أو متعذر في الغالب، فيظهر أن الصورة التي يعنيها الفقهاء بينها وبين حالنا المعاصر اختلاف وتباين بيّن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت