الصفحة 14 من 40

الطرف الثاني: القول بإقامة الحدود على المجاهدين في أي مكان، ولو على حالهم الذي هم عليه من الضعف والتخطف والتنقل في ديار الكفر وبين ظهرانيهم، وعدم مراعاة ما علل به الصحابة القول بتأخير الحدود من خشية اللحوق بدار الحرب ونحو ذلك، وقد بينا من قبل إن هذا خلاف الراجح من أقوال العلماء لمخالفته للدليل الشرعي وما بينه الصحابة رضوان الله عليهم الذين هم أفهم وأعلم بمقاصد الشريعة ومراميها، لا سيما إذا التفتنا لما عللوا به القول بتأخير إقامة الحدود وأعظمها وهو درء مفسدة اللحاق بالكافرين والانضمام إلى صفوفهم، ولا أحسب أن أحدًا يتردد في أن هذه العلة اليوم أحوج ما نحتاج إلى مراعاتها واعتبارها ببالغ الأهمية وتمام العناية، فسبل الإغراء والترغيب لدى الطواغيت كبيرة جدًا، وهذا مع سهولة اللحاق بهم في كل حين لكون المجاهدين غالبًا ما يقيمون بينهم ولا يحجبهم إلا تمويههم ومخادعتهم، مع أن المجاهدين قلما يكونون تجمعًا كبيرًا مستقلًا في منطقة متحيزة مستقرة يمثلون فيها جيشًا يشبه بجيوش المسلمين الأولى، ومشقة الجهاد بصورته المعاصرة وما يترتب عليه من مطاردات وتضييق وضغوط نفسية عصيبة مع ملازمة هذه الحالة للمجاهد في أكثر أحيانه كل هذه عوامل تضاعف التخويف الذي نص عليه الصحابة وأخروا لأجل مراعاته إقامة الحد إلى حين القفول لدار الإسلام، وعلى كلٍ فقد بينا أن هذا القول مرجوح حتى مع وجود دار الإسلام التي يرجعون إليها فأحرى أن يكون كذلك اليوم، هذا مع أن أصحاب القول بوجوب إقامة الحدود في دار الحرب قد راعوا هذه الأمور أحيانًا درءًا لمفاسد متوقعة تتأتى من إقامة الحد على صاحبه، فعند الأحناف القائلين بإقامة الحدود على الجند في دار الحرب إن كان معهم الإمام أو أحد أمراء الأمصار الذين يقيمونها جاء في الفتاوى الهندية: [وإنما يقيم هذا الأمير الحد في عسكره إذا كان يأمن على الذي يقيم عليه الحد أن لا يرتد ولا يلحق بالكفار، وأما إذا كان يخاف عليه الارتداد واللحاق فإنه لا يقيم عليه الحد حتى ينفصل عن دار الحرب ويصير في دار الإسلام] ، وكذلك راعى هذه المصلحة بعض القائلين بوجوب إقامتها مطلقًا في دار الحرب من المالكية والشافعية، فمن المالكية قال الدسوقي: [والظاهر أنه إن خيف من إقامة الحد ببلدهم حصول مفسدة فإنه يؤخر ذلك للرجوع إلى بلدنا لا سيما إن خيف عظمها] ، ومن الشافعية قال الماوردي: [فإذا ثبت وجود الحدود فيها - أي في دار الحرب - نظر: فإن لم يكن في دار الحرب من يستحق إقامتها، أخرت إلى دار الإسلام حتى يقيمها الإمام، وإن كان في دار الحرب من يقيمها وهو الإمام أو من ولاه الإمام إقامتها من ولاة الثغور والأقاليم، نظر: فإن كان له عذر يمنعه من إقامتها لتشاغله بتدبير الحرب، أو لحاجته إلى قتال المحدود، أخر حده إلى دار الإسلام، وإن لم يكن له عذر، قدم حده في دار الحرب] ، وهو قول قد نقله المزني عن الشافعي -رحمه الله- تعالى، وفي أسنى المطالب لزكريا الأنصاري: ["ويقام الحد في دار الحرب إن لم يخف فتنة"من نحو ردة المحدود والتحاقه بأهل الحرب] . وهذه الأقوال قد ذكرناها قبلًا، وإنما أعدناها هنا لبيان أنهم أعطوا هذه المصالح نوع رعاية في بعض الأحيان، سواء منها ما يتعلق بصاحب الحد نفسه أو بالجيش وحاجتهم إليه، أو لتعذر إقامته عليه لانشغال الأمير عن ذلك بالحرب وتدبيرها.

أما الطرف الوسط: وهو اعتبار كل حالة بعينها، بحيث لا يقال بوجوب إقامة الحدود أبدًا على كل من أتى بموجبها، كما لا يقال بتأخيرها مطلقًا أوبإسقاطها تمامًا مادام مرتكبها في دار الحرب، بل ينظر إلى كل حالة وما يحيط بها من المفاسد التي ينبغي دفعها، أو المصالح التي لا بد من مراعاتها واعتبارها، من قبيل مدى القدرة على إقامة الحد، والحاجة إلى المحدود، وتهييج العدو على المجاهدين، والكيفية التي سيتم بها تنفيذه وغير ذلك، وبهذا الاعتبار والنظر قد يقام الحد على شخص لاعتبارات شرعية ومصالح مرعية مهتم بها وخاصة به، ومتعلقة بشخصه وحاله، وقد يؤخر عن شخصٍ آخر تأخيرًا قريبًا لمفاسد حالية آنية تترتب على إقامته تحت تأثير أي ظرف من الظروف العابرة أو المستقرة، فمثلًا من ارتكب حدًا من الحدود، وجاء نادمًا ومعترفًا بذلك، وطالبًا إقامة الحد عليه برضى واستسلام، ولم يكن الحد حدًا يوجب القتل أو القطع بحيث يعيق إعانته للمجاهدين المحتاجين له حاجة ملحة في ذلك الوقت، ففي مثل هذه الحال لا يظهر ما يمنع من إقامة الحد، لأن التخوف الذي منع لأجله الصحابة من إقامة الحد في دار الحرب، صار منتفيًا في حق هذا الشخص بعينه، وذلك لإقدامه على الأمر بنفس راضية وقلب نادم، وقد يؤيد هذا ما رواه عبد الرزاق عن إسرائيل بن يونس عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: [كان شُرَحْبيل بن السِّمْط على جيش، فقال لجيشه: إنكم نزلتم أرضًا كثيرة النساء والشراب - يعني الخمر- فمن أصاب منكم حدًا فليأتنا فنطهره، فأتاه ناس، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فكتب إليه: أنت -لا أمَّ لك - الذي يأمر الناس أن يهتكوا ستر الله الذي سترهم به] (1) ، فهؤلاء الذين كان شرحبيل يقيم عليهم الحد يأتون إليه طوعًا، معترفين له بذنبهم، مقرين بين يديه باستحقاقهم العقوبة، مطالبين بتطهيرهم مما اقترفوه، فأمِن ما يُخشى من لحاقهم بالعدو، ولهذا فإن عمر رضى الله عنه لم ينكر عليه إقامة الحد على من أتاه طواعيةً مختارًا، وإنما شنع على شرحبيل لأنه قد حثهم على الاعتراف بما يقترفونه، وحضهم على التقدم إليه لإقامة الحد عليهم، وفي هذا فضح لأنفسهم، وكشف لما ستره الله عليهم، وهو خلاف السنة الآمرة بالستر عند إصابة شئ من هذه القاذورات كما في حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله r قال بعد أن رجم الأسلمي: [اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله تعالى] (2) ، وفي الموطأ من مراسيل زيد بن أسلم أن رسول الله r قال: [أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله، من أصاب من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله] ، وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن الشعبي قال: أشرف ابن مسعود على داره بالكوفة فإذا هي قد غصت بالناس، فقال: [من جاء يستفتينا فليجلس نفتيه إن شاء الله، ومن جاء يخاصم فليقعد حتى نقضي بينه وبين خصمه إن شاء الله، ومن جاء يريد أن يطلعنا على عورة قد سترها الله عليه، فليستتر بستر الله، وليقبل عافية الله، وليسرر توبته إلى الذي يملك مغفرتها، فإنا لا نملك مغفرتها، ولكنا نقيم عليه حدها، ونمسك عليه بعارها] ، قال الإمام الصنعاني عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما: [وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألم بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة، فإن أبدى صفحته للإمام - والمراد بها هنا حقيقة أمره- وجب على الإمام إقامة الحد] (1) ، فمطالبة شرحبيل بن السمط لمن ابتلي بشيء من هذه القاذورات - ومنها الزنى والخمر- بأن يعلن عن نفسه، ويقدم عليه لتطهيره بالحد، يعد هتكًا للستر كما قال عمر رضي الله عنه، ومخالفة لما حثت عليه السنة من الاستتار بستر الله، وعلى هذا فإن عدم إنكار عمر على شرحبيل إقامته للحد وإن كان في أرض العدو ليس مخالفًا ولا معارضًا لما اشتهر عنه من النهي، لا سيما وقد علل هناك سبب نهيه وبيَّنه، وهو الخوف من أن تأخذه الحمية فيلحق بالمشركين، وهذه العلة منتفية في حق من أتى مقرًا معترفًا بنفسه طالبًا تطهيره وإقامة الحد عليه، كما في حال الذين أقام عليهم شرحبيل بن السمط الحد، وهذا مما يؤيد ويقوي ما ترجح في إقامة الحدود على المجاهدين في هذا العصر، وهو اعتبار كل حالة بعينها، والنظر إلى ما يحيط بها من الملابسات والظروف التي قد تؤدي إلى إقامة أو تأخير الحد حسب ما يترتب عليه من المفاسد، والفرق بين حالتنا والحالة التي ذكرها الصحابة رضوان الله عليهم وهي تأخير إقامة الحد إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام أن هذا الانتظار لا يعلم له اليوم مدى ينتهي عنده، فالراجح في هذه المسألة والله أعلم حسب ما يشير إليه مجموع الأدلة الشرعية وتعليلات الصحابة رضي الله عنهم المتنوعة، أن إقامة الحدود بين المجاهدين يجوز بعد النظر في كل حالة بعينها وما يحيط بها من الملابسات سواءً المتعلقة بشخص من يراد إقامة الحد عليه وذلك من حيث احتياج المجاهدين لقوته وقتاله وخبرته في ظرف من الظروف، أو من حيث استغلال العدو لها في زرع الفرقة بين الصفوف، وإيجاد مدخل له ومسوغ ينمي به الحمية في قلوب ضعاف النفوس من المجاهدين، لا سيما مع قدرات العدو الإعلامية الكبرى، وضعف أوقصور ما يواجهها ويكشف حقيقتها، وأحسب أن هذا لا يعارض ما ذكرته قبلُ من أن الراجح في إقامة الحدود في دار الحرب هو القول الثالث القائل بتأخيرها إلى حين الرجوع إلى دار الإسلام، ففي الظروف المستقرة والتي جرى فيها كلام العلماء وتعليلات الصحابة حيث وجود دولة الإسلام واستقلال الجيوش وشوكة الإمام فالأمر ما ذكروه إذ لا يترتب على تأخيرها تعطيل كليّ لها وإنما تأخير مؤقت يُعلم في الغالب مداه ومنتهاه، وهو تأجيل عارض لظرف قائم تمامًا كحال الحبلى والمرضع والمريض ونحوهم، وأما اليوم فالحال مختلف من حيث أن القول بتأخيرها إلى حين الرجوع إلى دولة الإسلام مؤداه هو تعطيل الحدود كلية وعلى كل حال، ولهذا فجمعًا بين تعليلات الصحابة والفقهاء من بعدهم من جهة واعتبارًا لخصوصية الحال الذي نعيشه من جهة أخرى ترجح لدي ما ذكرته فهو يجمع بين إقامة الحدود حسب الممكن مع مراعاة المفاسد الحقيقية التي قد تترتب على ذلك والله تعالى أعلم.

(1) - (المبسوط: 5/ 100)

(2) - (بدائع الصنائع: 7/ 195)

(1) - (الرد على سير الأوزاعي: 180)

(2) - (السير الكبير: 148)

(3) - (الفتاوى الهندية: 2/ 149)

(1) - (بدائع الصنائع: 7/ 195)

(2) - (المبسوط: 5/ 99)

(3) - فقد قال فيه الإمام ابن حجر -رحمه الله-: [حديث:"لا تقام الحدود في دار الحرب"لم أجده، وروى الشافعي في اختلاف العراقيين عن زيد بن ثابت بهذا موقوف] ، والحديث موقوف على زيد بن ثابت، ومع ذلك فإن فيه راويًا لم يسم، ففي الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف قال: [أخبرنا بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال:"لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"] ، ومثل هذا لا يصح ولا يصلح الاحتجاج به، ومن هذه الطريق أخرجه البيهقي أيضًا في (السنن الكبرى 13/ 415) فقال: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي قال: قال أبو يوسف حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال:"لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو"] ، ولهذا نعى الشافعي على أبي يوسف اعتماده على هذا الأثر قائلا: [وهو يعيب أن يحتج بحديث غير ثابت، ويقول حدثنا شيخ ومن هذا الشيخ؟! ويقول مكحول عن زيد بن ثابت، ومكحول لم ير زيد بن ثابت] (السنن الكبرى للبيهقي 13/ 416) ، بل قال فيه ابن الهمام الحنفي: [لا يعلم له وجود] ، وقال الزيلعي: [الحديث الخامس قال عليه الصلاة والسلام:"لا تقام الحدود في دار الحرب"قلت: غريب] (نصب الراية 3/ 343) ، ولهذا لا يستقيم قول من قال من الأحناف إن الحديث مرسل [والمراسيل عندنا حجة كالمسند] (البناية 6/ 261) ، وذلك لأنه موقوف على زيد بن ثابت وليس مرسلًا، مع جهالة أحد رواته وهو شيخ أبي يوسف الذي لم يسمه، زيادة على أن مكحولًا لم ير زيد بن ثابت، فالحديث من حيث ثبوته لا يصلح للاحتجاج لما ذهبوا إليه لِمَا عُلِمَ من ضعفه.

(1) - (شرح الهداية على العناية: 5/ 46)

(2) - (البناية: 6/ 261)

(3) - (البدائع: 7/ 195)

(1) - (الحدود والتعزيرات عند ابن القيم: 62 - 63)

(2) - وقد أخرج نحو هذا الأثر سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن عياش عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر كتب إلى الناس: [أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية رجلا من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا، لئلا تحمله حمية الشيطان فيلحق بالكفار] ، وابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير قال: [كتب عمر بن الخطاب ألا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع على الدرب، لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار] ، ورواه أيضًا عبد الرزاق قال: [إن عمر بن الخطاب كتب أن لا يحد أمير الجيش ولا أمير سرية رجلا من المسلمين حتى يطلع الدرب قافلا فإني أخشى أن تحمله الحمية على أن يلحق بالمشركين]

(1) - وهذا الأثر ذكره محمد بن الحسن الشيباني في السير الكبير عن عطية بن قيس الكلابي أن رسول الله r قال ثم ذكره، وعطية هو أبو يحي مات سنة 121 هـ روى عن معاوية وغيره، ولا يعرف هذا الأثر في شيء من كتب الحديث المعتمدة ولا يعرف له إسناد، وهو أشبه بكلام الفقهاء وتقسيماتهم من كلام النبي r ، ومع ذلك فقد قال عنه السرخسي في شرحه (للسير الكبير5/ 109) : [فهو الأصل لعلمائنا - رحمهم الله تعالى - في اعتبار المواضع التي يرتكب فيها السبب الموجب للحد] ، فلا موجب لإطالة الكلام على دلالة الأثر مع ظهور بطلانه وبُعدِ ثبوته.

(1) - (المبسوط: 5/ 100)

(2) - (البناية شرح الهداية: 6/ 261 - 262)

(3) - (البدائع: 7/ 195)

(1) - (الحدود والتعزيرات: 65)

(1) - (حاشية ابن عابدين: 4/ 175)

(1) - (المدونة الكبرى: 16/ 291)

(2) - (المدونة الكبرى: 16/ 304)

(3) - (الجامع لأحكام القرآن: 6/ 171)

(4) - (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: 2/ 486)

(5) - (الذخيرة: 3/ 411)

(1) - (جواهر الإكليل: 1/ 359)

(1) - (الأم: 4/ 374 - 375)

(2) - (الأم: 4/ 288)

(3) - (الحاوي الكبير: 18/ 241 - 242)

(1) - (الأم: 8/ 480)

(2) - والحديث باشتماله على موضع الشاهد وهو قوله [وأقيموا حدود الله في السفر والحضر] رواه أيضًا الإمام أحمد، والطبراني في مسند الشاميين، وقال عنه الإمام ابن كثير في التفسير: هذا حديث حسن عظيم ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، والمقدسي في الأحاديث المختارة، ورواه كذلك أبو داود في المراسيل، كلهم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، والحديث صححه الشيخ الألباني في (الصحيحة4/ 620) ، وللحديث ألفاظ أخر مشابهة إلا أن فيها [وجاهدوا في سبيل الله تعالى القريب والبعيد، في الحضر والسفر ... وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد]

(3) - والقصة ذكرها ابن حجر فقال: [وأخرجه يعقوب بن سفيان مطولا من هذ الوجه فقال ... فذكرها] (الإصابة2/ 926) ، والوجه الذي أشار إليه ابن حجر هو ما ذكره البخاري -رحمه الله- في (التاريخ الكبير 4/ 338) من غير التفصيل الذي ذكره البيهقي فقال: [حدثني أحمد بن أبي رجاء نا سلمة عن بن المبارك عن كهمس بن الحسن عن هارون بن الأصم قال: جاءني كتاب عمر وقد توفي ضرار بن الأزور فقال يعني خالد بن الوليد: ما كان الله ليخزي ضرار بن الأزور] ، وقال ابن حجر أيضًا: [جاء كتاب عمر بسبب ما فعله ضرار وقد مات ضرار، فقال خالد بن الوليد: ما كان الله ليخزي ضرارا، وشرح هذه القصة أورده يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند له: أن خالدا بعث ضرارا في سرية فأغاروا على حي، فاخذوا امرأة جميلة، فسأل ضرار أصحابه أن يخصوه بها ففعلوا، فوطئها ثم ندم فقدم على خالد فقال له: قد طيبتها لك فقال لا حتى تكتب إلى عمر، فجاء كتاب عمر أن ارجمه فمات ضرار قبل الكتاب] (تعجيل المنفعة 1/ 196)

(1) - (التحقيق في أحاديث الخلاف: 2/ 333)

(2) - (الأم: 4/ 375)

(1) - (المغني: 13/ 174)

(2) - (إعلام الموقعين:3/ 7)

(1) - (الحدود والتعزيرات: 66)

(2) - (المغني: 13/ 173)

(3) - (الحاوي الكبير: 18/ 242)

(1) - (المحلى: 13/ 18)

(2) - (المحلى: 12/ 25)

(3) أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي عن بسر بن أرطاة، وهذا لفظ الترمذي ونحوه عند أحمد، والطبراني في الكبير، والدارمي، وقال الترمذي بعد أن ذكره: [هذا الحديث غريب، وقد روى غيرُ ابن لهيعة بهذا الإسناد نحو هذا، ويقال بسر بن أبي أرطاة أيضًا، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي لا يرون أن يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه، كذلك قال الأوزاعي] ، ولفظ أبي داود والنسائي في"السفر"بدل لفظ"الغزو"، ورواية الترمذي تبين أن المقصود بالسفر المذكور في الحديث هو سفر الغزو، أو يكون الحديث شاملا لنوعي السفر الغزوِ وغيرِه، وقصة الحديث تشهد لهذا كما في أبي داود عن جنادة بن أبي أمية قال: [كنا مع بسر بن أبي أرطاة في البحر فأتي بسارق يقال له مِصْدرٌ قد سرق بُخْتِيَّةً، فقال: سمعت رسول الله r يقول:"لا تقطع الأيدي في السفر، ولولا ذلك لقطعته"] ، إلا أن هذا يحتمل أنهم كانوا في سفر غزو أو غيره، وبالاعتبار الأول بوب عليه أبو داود مع أن لفظ روايته في السفر فقال: [باب السارق يسرق في الغزو أيقطع؟] ، وقد بينت رواية الإمام أحمد والطبراني في المعجم الكبير أن السفر المذكور في رواية أبي داود كان سفر غزو فعندهما عن جنادة بن أبي أمية أنه قال على المنبر"بِرُوذس"حين جلد الرجلين اللذين سرقا غنائم الناس فقال: [إنه لم يمنعني من قطعهما إلا أن بسر بن أرطاة وجد رجلا سرق في الغزو، ويقال له مِصْدرٌ فجلده ولم يقطع يده، وقال:"نهانا رسول الله r عن القطع في الغزو"] ، بل وبينت رواية أحمد التي تحكي قصة الحديث أنهم كانوا مع بسر في سفر غزو فعن جنادة بن أبي أمية قال كنت عند بسر بن أرطاة فأتي بمصدر قد سرق بختية فقال: [ولولا أني سمعت رسول الله r نهانا عن القطع في الغزو لقطعتك فجلد ثم خلى سبيله] ، والحديث قال عنه الإمام الشوكاني -رحمه الله-: [حديث بسر بن أبي أرطاة سكت عنه أبو داود، وقال الترمذي: غريب، ورجال إسناده عند أبي داود ثقات إلى بسر، وفي إسناد الترمذي ابن لهيعة، وفي إسناد النسائي بقية بن الوليد، واختلف في صحبة بسر المذكور] (نيل الأوطار 7/ 137) ، وقال الحافظ بن حجر عن إسناد أبي داود: قوي مصري، وقال الحافظ الذهبي: [الحديث جيد لا يرد بمثل هذا] (فيض القدير 6/ 513) وقد صححه الشيخ الألباني في (المشكاة 3601) وفي تخريجاته للسنن الثلاثة وصحيح الجامع، كما أطال الشيخ بكر أبو زيد في كتابه الحدود والتعزيرات في تخريج الحديث وخلص إلى صحته ونقل هناك من صححه من الأئمة فليراجع، إلا أن الإمام ابن حزم قد حكم على الحديث بالوضع فقال في رده على الأحناف: [ثم زادوا .. فاحتجوا في ذلك بخبر ساقط موضوع: أن النبي r قال:"لا تقطع الأيدي في السفر"] (المحلى 12/ 27) ، ولا شك أن هذه مجازفة من الإمام ابن حزم --رحمه الله-- فالحديث مهما قيل فيه فلن يعدو الضعف على أقصى تقدير أما الوضع فلا، كيف وقد جاء بأسانيد عدة وصححه جمعٌ من الأئمة الأثبات.

والذي يبدو - والله أعلم - أن حجج المصححين للحديث أقوى وأبين وأولى بالأخذ فعلى قولهم سنسير.

(1) - (تحفة الأحوذي: 5/ 11)

(1) - (فيض القدير: 6/ 513)

(2) - (المحرر: 2/ 166)

(3) - (الإنصاف: 10/ 169)

(4) - (المبدع: 9/ 59)

(1) - (إعلام الموقعين: 3/ 5)

(2) - (إعلام الموقعين: 3/ 7)

(3) - (عون المعبود: 12/ 54)

(1) - (الرد على سير الأوزاعي: 1/ 80)

(2) - (فيض القدير: 6/ 513)

(3) - (المغني: 13/ 174)

(4) - (نيل الأوطار: 7/ 138)

(1) - رواه سعيد بن منصور، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير قال: [كتب عمر بن الخطاب ألا يجلدن أمير جيش ولا سرية أحدا الحد حتى يطلع على الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار] ، ورواه أيضًا عبد الرزاق عن ابن جريج قال: [أخبرني بعض أهل العلم أن عمر بن الخطاب كتب: أن لا يحد أمير الجيش ولا أمير سرية رجلا من المسلمين حتى يطلع الدرب قافلا، فإني أخشى أن تحمله الحمية على أن يلحق بالمشركين] ، فهذه الآثار المروية عن عمر رضي الله عنه فيما يظهر تتقوى ببعضها، وقد مر ذكرها من قبل.

(1) - رواه بهذا اللفظ سعيد بن منصور في سننه، ونحوه عند ابن أبي شيبة مختصرًا، كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.

(2) - رواه عبد الرزاق، ولفظ القصة عند سعيد بن منصور: عن علقمة قال كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، قال حذيفة: أتحدون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم، فبلغه فقال: لأشربن وإن كانت محرمة، ولأشربن على رغم من رغم، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وإسناده عند جميعهم صحيح على شرط الشيخين.

(3) - (الحدود والتعزيرات: 56)

(1) - والأثر كما هو واضح ضعيف، وساقه عبد الرزاق تحت باب: هل يقام الحد على المسلم في بلاد العدو.

(2) - رواه سعيد بن منصور، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة، فقال الحافظ ابن حجر: [وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن سيرين: كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون ... فذكر القصة] (الإصابة4/ 2351) ، وقوله بهرجتني، قال ابن الأثير: [أي أهدَرتني بإسقاط الحد عني] (النهاية في غريب الحديث1/ 168)

(1) - (إعلام الموقعين: 3/ 7)

(1) - (إعلام الموقعين: 3/ 9) .

(2) - (الحدود والتعزيرات) .

(3) - (الحدود والتعزيرات: 68) .

(4) - (حجة الله البالغة:2/ 427) .

(1) - (إعلام الموقعين: 2/ 98)

(1) - (فتح الباري: 13/ 182)

(2) - (المحلى: 10/ 368)

(3) - (منهاج السنة النبوية: 5/ 518)

(1) - (منهاج السنة النبوية: 4/ 487)

(1) - وهذا اللفظ ذكره الإمام ابن عبد البر في (الاستيعاب 4/ 311) ، وكذا الحافظ في الإصابة، وهي عند عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: [كان أبو محجن لا يزال يجلد في الخمر إلى أن قال: فدعا به - أي بأبي محجن - وحل عنه قيوده وقال لا نجلدك في الخمر أبدًا قال أبو محجن وأنا والله لا تدخل في رأسي أبدًا إنما كنت آنف أن أدعها من أجل جلدك قال فلم يشربها بعد ذلك] (المصنف 9/ 244)

(1) - (الفتح: 7/ 306)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت