بما أن الدار يحكم عليها باعتبار الأحكام التي تعلوها، ولمن تكون القوة والغلبة فيها، فلا يوجد ما يمنع من تحول دار الإسلام إلى دار كفر بهذا الاعتبار، وذلك إذا تغلب الكافرون عليها وأجروا فيها أحكامهم وكانت القوة والغلبة لهم، وقد اختلف العلماء في تحول دار الإسلام إلى دار كفر، فذهب بعض الشافعية إلى أن دار الإسلام لا يمكن أن تصير دار كفر وحرب بأي حال من الأحوال، حتى ولو تغلب عليها الكفرة وأجروا فيها أحكامهم، وأجلوا المسلمين عنها، مستدلين بقول النبي r: [ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه] (1)
قال الشربيني الشافعي: [ولو غلب الكفار على بلدة يسكنها المسلمون كطرسوس لا تصير دار حرب] (2) ،، وقال الإمام النووي رحمه الله عند كلامه عن حكم اللقيط معددًا أقسام دار الإسلام:[فاللقيط يوجد في دار الإسلام أو دار الكفر، الحال الأول: دار الإسلام وهي ثلاثة أضرب:
أحدها: دار يسكنها المسلمون فاللقيط الموجود فيها مسلم وإن كان فيها أهل ذمة تغليبًا للإسلام.
الثاني: دار فتحها المسلمون وأقروها في يد الكفار بجزية فقد ملكوها أو صالحوهم ولم يملكوها، فاللقيط فيها مسلم إن كان فيها مسلم واحد فأكثر، وإلا فكافر على الصحيح.
الثالث: دار كان المسلمون يسكنونها ثم جلوا عنها وغلب عليها الكفار ... ] (3) فكما ترى فقد عد الدار التي حكمها الإسلام يوما وسكنها المسلمون ثم تغلب عليها الكفار من أقسام دار الإسلام ولهذا قال بعدها معلقًا: [وأما عد الأصحاب الضرب الثالث دار إسلام فقد يوجد في كلامهم ما يقتضي أن الاستيلاء القديم يكفي لاستمرار الحكم، ورأيت لبعض المتأخرين تنزيل ما ذكروه على ما إذا كانوا لا يمنعون المسلمين منها فإن منعوهم فهي دار كفر] ، وقال الرملي الأنصاري عند كلامه على حكم اللقيط يوجد في دار الإسلام: [إذا وجد صغير لقيط بدار الإسلام ولو كان فيها أهل ذمة كدار فتحها المسلمون ثم أقروها بيد كفار صلحا أو بعد ملكها بجزية، أو دار غلبهم عليها الكفار وسكنوها] (1) ، وهذا لا يختلف عن المنقول قبله، إلا أن هذا ليس قول الشافعية كلهم، بل نقل ابن قدامة عن الشافعي نفسه خلاف هذا حيث قال: [فصل ومتى ارتد أهل بلد وجرت فيه أحكامهم صاروا دار حرب في اغتنام أموالهم وسبي ذراريهم الحادثين بعد الردة - إلى أن قال - وبهذا قال الشافعي] (2) ، إلا إن كان مقصود ابن قدامة هو موافقة الإمام الشافعي لهم فيما ذكره من الأحكام لا في الاسم، بمعنى أنه وإن كان معهم في إجراء أحكام دار الحرب على دماء أهلها المرتدين وأموالهم وأبنائهم إلا أنه لا يسمي الدار (دار حرب) وهذا محتمل في كلام ابن قدامة وليس بظاهر والله تعالى أعلم، وقال الماوردي -رحمه الله- عند كلامه عن حكم اللقيط في دار الحرب: [أما دار الشرك فعلى ثلاثة أضرب أيضًا ... والضرب الثالث: كان من بلاد الإسلام التي غلب عليها المشركون حتى صارت دار شرك كطرسوس وإنطاكية، وما جرى مجرى ذلك من الثغور المملوكة على المسلمين] (3) فقد نص على أن طرسوس التي تغلب عليها الكافرون أصبحت بغلبتهم دار كفر خلافًا لما نقلناه سابقًا عن بعض الشافعية، ونشير هنا إلى أن القائلين بأن دار الإسلام لا يمكن أن تتحول بحال إلى دار كفر يوجد في أقوالهم نوع تناقض، فمما ذكروه في هذا الصدد أن المسلم المقيم في دار الكفر وله قوة وشوكة يستطيع بها أن يمنع نفسه ويقيم شعائر دينه لا يجوز له أن يهاجر إلى دار الإسلام معللين ذلك بأن انتقاله إلى دار الإسلام يجعل الموضع الذي كان يقيم فيه دارَ كفر قال الإمام النووي: [قال صاحب الحاوي فإن كان يرجو ظهور الإسلام هناك بمقامه فالأفضل أن يقيم، قال: وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب فيحرم ذلك، ثم إن قدر على قتال الكفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه وإلا فلا والله أعلم] (4) .
فكيف يصير مكانه دار حرب وهم يجعلون الموطن الذي صار دار إسلام لا يمكن أن يتحول إلى دار حرب مطلقًا؟ ولكن يمكن أن يقال إن الماوردي يرى انقلاب دار الإسلام دارَ حرب كما نقلته عنه قريبًا في حق طرسوس وعليه فلا يلزمه التناقض، إلا أن الشربيني - وهو من القائلين بعدم تغير صفة الدار - قد نقل كلام الماوردي هذا وأقره وجعله استثناء عن استحباب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام فقال: [تنبيه: محل استحبابها - أي الهجرة - ما لم يرجُ ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجاه فالأفضل أن يقيم، ولو قدر على الامتناع بدار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها، لأن موضعه دار إسلام فلو هاجر لصار دار حرب فيحرم ذلك] (1) .
إلا أن بعض علماء الشافعية تنبه لهذا الأمر وشعر باحتمال تطرق التناقض لهذا التقرير فتحاشى ذلك وجعل لها تخريجًا وسماها دار إسلام صورة لا حكمًا، قال العلامة ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:["تنبيه"يؤخذ من قولهم: لأن محله دار إسلام أن كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام، وحينئذ الظاهر أنه يتعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به الخبر الصحيح:"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"، فقولهم لصار دار حرب المراد به صيرورته كذلك"صورة لا حكما"وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب، ولا أظن أصحابنا يسمحون بذلك ... ثم رأيت الرافعي وغيره ذكروا نقلًا عن الأصحاب أن دار الإسلام ثلاثة أقسام: قسم يسكنه المسلمون، وقسم فتحوه وأقروا أهله عليه بجزية ملكوه أو لا، وقسم كانوا يسكنونه ثم غلب عليه الكفار.
قال الرافعي وعدهم القسم الثاني يبين أنه يكفي في كونها دار إسلام كونها تحت استيلاء الإمام وإن لم يكن فيها مسلم قال: وأما عدهم الثالث فقد يوجد في كلامهم ما يشعر بأن الاستيلاء القديم يكفي لاستمرار الحكم، ورأيت لبعض المتأخرين أن محله إذا لم يمنعوا المسلمين منها وإلا فهي دار كفر انتهى.
وما ذكره عن بعض المتأخرين بعيد نقلًا ومدركًا كما هو واضح، وحينئذ فكلامهم صريح فيما ذكرته أن ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا] (2) ، وقال الرملي -رحمه الله-:[واعلم أنه يؤخذ من قولهم: لأن محله دار الإسلام أن كل محل قدر أهله فيه على الامتناع من الحربيين صار دار إسلام، وحينئذ فيتجه تعذر عوده دار كفر وإن استولوا عليه كما صرح به في خبر:"الإسلام يعلو ولا يعلى عليه".
فقولهم لصار دار حرب المراد به صيرورته كذلك"صورة لا حكمًا"، وإلا لزم أن ما استولوا عليه من دار الإسلام يصير دار حرب وهو بعيد] (1) وقال العجلي أيضًا: [وقوله فيحرم أن يصيره باعتزاله عنه دار حرب أي:"صورة لا حكما"إذ ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا] (2)
وقد نقلنا من قبل مذهب أبي حنيفة وصاحبيه في ذلك، وقلنا إن أبا حنيفة - -رحمه الله- - لا يحكم على الدار بأنها دار كفر ما لم تتوفر فيها شروط ثلاثة، أولها: علو أحكام الكفر عليها، ثانيها: أن تلتصق بدار الحرب من كل جهة، ثالثها: أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمي آمنا بأمنه الأول، أما صاحباه فيجعلان الدار دار كفر بمجرد علو أحكام الكفر وغلبة الكافرين عليها وقد قال السرخسي الحنفي مبينا وجه كلا القولين: [وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إذا أظهروا أحكام الشرك فيها - أي في الدار التي غلبوا عليها - فقد صارت دارهم دار حرب لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، فكل موضع ظهر فيه حكم الشرك فالقوة في ذلك الموضع للمشركين فكانت دار حرب، وكل موضع كان الظاهر فيه حكم الإسلام فالقوة فيه للمسلمين، ولكن أبو حنيفة -رحمه الله- تعالى يعتبر تمام القهر والقوة، لأن هذه البلدة كانت من دار الإسلام محرزة للمسلمين، فلا يبطل ذلك الإحراز إلا بتمام القهر من المشركين، وذلك باستجماع الشرائط الثلاث، لأنها إذا لم تكن متصلة بالشرك فأهلها مقهورون بإحاطة المسلمين بهم من جانب، فكذلك إن بقي فيها مسلم أو ذمي آمن، فذلك دليل عدم تمام القهر منهم، ثم ما بقي شيء من آثار الأصل فالحكم له دون العارض كالمحلة إذا بقي فيها واحد من أصحاب الخطة فالحكم له دون السكان والمشترين، وهذه الدار كانت دار إسلام في الأصل، فإذا بقي فيها مسلم أو ذمي فقد بقي أثر من آثار الأصل فبقي ذلك الحكم] (3)
وقال الكاساني: [وجه قولهما إن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام والنار دار البوار، لوجود السلامة في الجنة والبوار في النار، وظهور الإسلام والكفر بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله أعلم، وجه قول أبي حنيفة -رحمه الله- أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف، ومعناه: أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق والخوف للكفرة على الإطلاق فهي دار الإسلام، وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار الكفر، والأحكام مبنية على الأمان والخوف لا على الإسلام والكفر، فكان اعتبار الأمان والخوف أولى، فما لم تقع الحاجة للمسلمين إلى الاستئمان بقي الأمن الثابت فيها على الإطلاق فلا تصير دار الكفر، وكذا الأمن الثابت على الإطلاق لا يزول إلا بالمتاخمة لدار الحرب، فتوقف صيرورتها دار الحرب على وجودهما، مع أن إضافة الدار إلى الإسلام احتمل أن يكون لما قلتم واحتمل أن يكون لما قلنا وهو ثبوت الأمن فيها على الإطلاق للمسلمين وإنما يثبت للكفرة بعارض الذمة والاستئمان، فإن كانت الإضافة لما قلتم تصير دار الكفر بما قلتم، وإن كانت الإضافة لما قلنا لا تصير دار الكفر إلا بما قلنا، فلا تصير ما به دار الإسلام بيقين دار الكفر بالشك والاحتمال، على الأصل المعهود أن الثابت بيقين لا يزول بالشك والاحتمال، بخلاف دار الكفر حيث تصير دار الإسلام لظهور أحكام الإسلام فيها لأن هناك الترجيح لجانب الإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام:"الإسلام يعلو ولا يعلى"فزال الشك، على أن الإضافة إن كانت باعتبار ظهور الأحكام لكن لا تظهر أحكام الكفر إلا عند وجود هذين الشرطين، أعني المتاخمة وزوال الأمان الأول، لأنها لا تظهر إلا بالمنعة، ولا منعة إلا بهما، والله سبحانه وتعالى أعلم] (1) ، وعلى مقتضى ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة أفتى ابن عابدين بأن جبل الدروز في سوريا، والذي كان تحت سيطرتهم، وتجري فيه أحكامهم وتحكم قضاتهم، أفتى - رغم ذلك كله - بأنه دار إسلام، لما فقد أحد الشروط الثلاثة وهو اتصاله بدار الكفر قال - -رحمه الله- - في ذلك: [قلت: وبهذا ظهر أن ما في الشام من جبل تيم الله المسمى بجبل الدروز وبعض البلاد التابعة، كلها دار إسلام، لأنها وإن كانت لها حكام دروز أو نصارى، ولهم قضاة على دينهم، وبعضهم يعلنون بشتم الإسلام والمسلمين، لكنهم تحت حكم ولاة أمورنا، وبلاد الإسلام محيطة ببلادهم من كل جانب، وإذا أراد ولي الأمر تنفيذ أحكامنا فيهم نفذها] (1)
هذا وقد ذهب بعض العلماء إلى أن دار الإسلام لا تصير دار كفر وإن غلب عليها الكفار وأجروا أحكامهم ما دام فيها مسلمون وتقام فيها شعائر الإسلام كصلاة الجماعة والجمعة ونحوها، قال الدسوقي: [لأن بلاد الإسلام لا تصير دار حرب بأخذ الكفار لها بالقهر ما دامت شعائر الإسلام قائمة فيها] (2) ، ونظير هذا ما أجاب به الإمام الرملي عندما سئل عن"أراغون"وهي في الأندلس وقد تغلب عليها النصارى، وأقروا المسلمين فيها، وضربوا عليهم خراج الأرض يؤخذ منهم بقدر ما يستخرجونه منها، ولم يظلموا في أموالهم ولا في أنفسهم، ويقيمون الصلوات في المساجد، ويظهرون شعائر الإسلام جهرةً، ويقيمون شريعة الله علنا فهل تجب عليهم الهجرة أم لا؟ فأجاب الإمام الرملي: [بأنه لا تجب الهجرة على هؤلاء المسلمين من وطنهم، لقدرتهم على إظهار دينهم به، ولأنه صلى الله عليه وسلم بعث عثمان يوم الحديبية إلى مكة لقدرته على إظهار دينه بها، بل لا تجوز الهجرة منه، لأنه يرجى بإقامتهم به إسلام غيرهم، ولأنه دار إسلام، فلو هاجروا منه صار دار حرب] (3)
فجملة الأقوال في تحول دار الإسلام إلى دار الكفر هي:
الأول: أن الدار تصير دار كفر بمجرد تغلب الكفار عليها وإجراء أحكامهم على أهلها.
الثاني: أن دار الإسلام لا يمكن أن تنقلب دار كفر بأي حال من الأحوال حتى ولو أخذها الكفار وأجلوا عنها المسلمين وأقاموا فيها أحكامهم.
الثالث: أن دار الإسلام إذا أخذها الكفار وتغلبوا عليها وكان السلطان لهم ولكن بقي فيها مسلمون يقيمون شعائر دينهم فإنها لا تزال في هذه الحالة دار إسلام ولا تصير دار كفر.
الرابع: أن دار الإسلام إنما تصير دار حرب بتوفر شروط ثلاثة وقد ذكرناها مرارًا وهو قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله تعالى.
والذي ينبغي أن يقال هو أن العبرة بالمسميات والحقائق لا بمجرد الأسماء والصور، فكما أن الدار التي كانت بأيدي الكافرين، وتجري عليها أحكامهم، ولهم فيها القوة والمنعة الشوكة، إذا غلب عليها أهل الإسلام، وجرت عليها أحكامه، فإنها تصير بذلك دار إسلام بالاسم والحقيقة ولو بقي فيها كفار ذميون، فكذلك دار الإسلام التي تحكم بشرائعه وله فيها القوة والغلبة والسلطان، إذا تبدل حالها وغلب عليها الكافرون أيا كان جنسهم وملتهم، وأجروا عليها أحكامهم فإنها تصير بذلك دار كفر ولا يبقى معنى في التشبث بوصفها دار إسلام مع هذه الحال، لأنها لا تختلف في شيء عن دار الكفر التي لم يفتحها المسلمون أصلا اللهم إلا في تعين إرجاعها إلى الحكم الإسلامي، وفرضية مقاتلة غاصبيها، أو في كون غالب سكانها من المسلمين وإن لم يكن هذا دائما، فالأندلس وهي ما تسمى اليوم بأسبانيا، قد فتحها المسلمون بسيوفهم وسقط فيها آلاف الشهداء، وتخرج منها الكثير من أفذاذ العلماء، واستنارت بنور الإسلام وهديه أحقابًا طويلة، ونعمت بحكمه قرونًا مديدة، ثم دارت الدائرة على المسلمين، وتغلب عليها النصارى الصليبيون، فاستأصلوا منها الإسلام والمسلمين ولم يبقوا فيها أحدًا ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومنذ سقوطها وإلى اليوم هي تحت حكمهم وسلطانهم وليس بينها وبين بلدان النصارى الأخرى مثل بريطانيا وأمريكا وغيرها من الفروق إلا المعالم الإسلامية التي صارت مزارًا للسياح ومرتعًا للسفاح، فهل مع مثل هذه الحال والصفة يقال إن الأندلس ما زالت دار إسلام سواء في الصورة أو الحكم، لا شك في بُعْدِ هذا القول وضعفه، والحاصل أنه وكما أن دار الكفر تنقلب إلى دار إسلام - وهذا موضع اتفاق - بظهور أحكامه عليها فكذلك دار الإسلام تنقلب إلى دار كفر إذا غلبت عليها أحكامه، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [فإن كون الأرض دار كفر، أو دار إسلام، أو إيمان، أو دار سلم، أو حرب، أو دار طاعة، أو معصية، أو دار المؤمنين، أو الفاسقين، أوصاف عارضة لا لازمة، فقد تنتقل من وصف إلى وصف، كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم وكذلك بالعكس] (1) ، ومن هذا ما حدث عند تغلب العبيديين على مصر حيث قال فيها شيخ الإسلام - -رحمه الله-: [ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان، حتى قالت فيها العلماء إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب] (2) .
أما عن الشروط التي نقلت عن الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- حتى تصير الدار دار كفر فقد ردها ابن قدامة بقوله: [ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم فكانت دار حرب كما لو اجتمع فيها هذه الخصال أو دار الكفرة الأصليين] (1)
وبهذا يتبين أن القدر الحقيقي الذي تصير به الدار دار كفر هو علو أحكام الكافرين وجريانها عليها، حتى ولو كان أكثر سكانها من المسلمين، تماما كما لو ضربت الجزية على قوم من الكافرين وصارت أحكام الإسلام هي المهيمنة والجارية، فإن الدار بذلك تصبح دار إسلام دون النظر إلى سكانها، أما اشتراط كون الدار التي يحكم عليها بأنها دار كفر لا بد أن تكون منفصلة عن دار الإسلام، فلا يظهر بالتأمل أن له تأثيرا حقيقيا، إذ ما معنى قربها أو بعدها من دار الإسلام إذا كانت الأحكام الجارية والمسيطرة والغالبة هي أحكام الكفار، وأي تأثير لهذا القرب مادام المسلمون تحت سلطانهم وقهرهم وتحكمهم قوانينهم، ومما يدل على ذلك أن الله سبحانه قد ذكر الهجرة في كتابه وحث عليها وبين ما أعده للمهاجرين، وتوعد الباقين بين أظهر الكافرين مع قدرتهم على الخروج، وعلق الوعيد على أمر واحد وهو عدم القدرة على إظهار الدين، ومعلوم أن العجز عن إقامة الدين وإظهار شعائره إنما يوجد حين تكون الغلبة للكافرين، لأن الضعف يقابله القوة كما قال سبحانه:] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا[ (النساء97 - 99) ، فلما احتج هؤلاء الذين لحقهم الوعيد بالاستضعاف ظنا منهم أنه عذر لهم في ترك الهجرة التي هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وردت عليهم الملائكة حجتهم بأن أرض الله واسعة فيمكن إزالة هذا الاستضعاف بالهجرة والخروج، علمنا من ذلك أن مدار الأمر ومناط الحكم وتعليقه إنما هو في القدرة على إزالة الاستضعاف الناتج عن قوة الكافرين وغلبتهم، ومعلوم أن تمام القوة والتمكين والاستطاعة لا يمكن إلا حيث تكون للمسلمين دولة وشوكة وسلطان يقيمون بها أحكام الله تعالى، كما أن تمام تمكن الكافرين وبلوغهم الغاية في القهر والإذلال للمسلمين لا يتحقق إلا حينما تكون لهم القوة والشوكة والسلطان والذي يتمثل في دولة يحكمونها، ومن المعلوم أن الهجرة هي جزء من الأحكام الناشئة عن تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار كفر.
قال الشيخ أبو المنذر الساعدي - فك الله أسره - في بيان أن بعض الأدلة على أن مناط الحكم على الدار إنما هو الغلبة والأحكام الجارية:
[1 - كانت الحبشة دار كفر، مع أن المسلمين فيها آمنون مظهرون لشعائرهم، ومثلها اليوم كثير من بلاد الغرب النصرانية، حيث يسمح فيها للمسلمين بإظهار شعائرهم ويأمنون فيها على أنفسهم، ومع هذا لا يقول أحد بأن الحبشة أو أمريكا أو بريطانيا دار إسلام، وذلك لأن ظهور الشعائر فيها ليست بقوة المسلمين، وإنما بإذن الكفار.
2 -كانت المدينة في ابتداء الهجرة دار حرب آمنة، ولم تصبح دار إسلام إلا بعد أن استقر النبي r فيها، ولذلك لما ذكر الحافظ رحمه الله نوعي الهجرة قال: [الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي r بالمدينة، وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين] (1)
3 -كانت مكة دار حرب إلى أن فتحت، مع أنها كانت وقت صلح الحديبية آمنة للمسلمين يقيمون فيها شعائرهم ولا يتعرض لهم أحد.
4 -كانت خيبر دار إسلام مع أن سكانها يهود، لكن الغلبة وظهور الكلمة كانت للمسلمين.] (2)