إذا تبين هذا ونظرنا في حال أغلب ديار المسلمين اليوم وما يعلوها من أحكام الكفر والجاهلية من القوانين الوضعية، وعلمنا أنها قد فرضت على المسلمين فرضًا وأقيمت فوقهم قسرًا وأجريت عليهم قهرًا، وألزموا بالتحاكم إليها إلزامًا، وقدمت فيها على أحكام الشرع الحنيف، وصارت هي الغالبة المسيطرة على الديار، حتى أصبح من العسير أن يأخذ المسلم حقه وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، ذلك لأن المحاكم التي تحكم بشرع الله صارت منعدمة فيها، وإن وجد منها شيء فهو في جوانب محددة مقيدة لا تتجاوزها أو تتعداها وهي ما يسمونها بالأحوال الشخصية، هذا مع ما داخلها من التشويه والتلبيس والمزج بشيء من لوثة تلك القوانين الوضعية والنظم الطاغوتية، حيث وضعت في قوالب وسكك لا يمكنها الخروج منها والانفكاك عنها فهي تابعة وليست متبوعة، ومحكومة وليست حاكمة، ولهذا كانت مسألة الحكم بما أنزل الله وما يتصل بها من أحكام من أكثر القضايا - إن لم تكن أكثرها على الإطلاق - بحثا ومناقشة وتناولا لها في الكتب والرسائل والبحوث والفتاوى والمحاضرات، زد على ذلك كله أن المسلمين الملتزمين بدينهم الحق لم يعودوا آمنين في هذه الديار، بل هم مطاردون مضيق عليهم عرضة في كل حين للاضطهاد والتنكيل والتشريد على أيدي حكام هذه البلدان، لا لشيء إلا لأنهم رجعوا للحق ودعوا إليه، ولا أظن أن أحدا يماري أو ينكر مثل هذه الحقائق التي أصبحت اليوم أبين من الشمس في رابعة النهار ليس دونها حجاب، وإلا فما بال سجون هؤلاء الطواغيت قد غصت بالشباب المسلمين المستمسكين بالهدى والحق بينما أعداء الله ورسوله من الملحدين والعلمانيين واليهود والنصارى يعربدون ويفسدون عقائد المسلمين ويهدمون دينهم ويعبثون بأخلاقهم، ويشاقون الله ورسوله على مرأى من الناس، ولهم في ذلك كله من هؤلاء الطغاة كامل الحماية وتمام التقدير والتبجيل والاحترام والحفاوة وتوفير سبل العيش في أرقى مستوياته، إذا تبين هذا وعلمنا أن مناط الحكم على الديار - ألا وهو اعتبار الأحكام التي تعلوها وتهيمن عليها- قد وجد فيها وغدا واضحا جليا وسمة بارزة مميزة لها استطعنا أن نحكم على هذه الديار التي صفتها ما ذكرنا بأنها ديار حرب وكفر وردة، وإن كان صوت الأذان يرفع فوق مآذنها أو الجماعات تقام في مساجدها، أو العيدين تصلى في مصلياتها أو المنابر تهتز بالخطب فوقها، أو أن أكثر سكانها من المسلمين، فكل هذا لا يغير من الحكم شيئا، لأنه ليس مناطا للحكم، ولا مداره عليه، فإن المساجد اليوم في كثير من الدول الغربية النصرانية، ومثل ذلك المراكز والهيئات الإسلامية، ونسبة المسلمين في تلك البلاد عالية وإن لم يكونوا الأكثر، بل أغلب هذه الدول أصبحت أأمن للمسلم من كثير من الدول التي افتتحها المسلمون وكانت يوما ما دار إسلام، ومع ذلك فإن ديارهم ديار كفر وحرب، وكما ذكرنا من قبل ونبهنا عليه ونعيده هنا لأهميته أن هذا الحكم إنما هو للديار فقط، وهو صفة لها وليس لساكنيها، ولا تلازم بين الحكم على الدار بأنها دار كفر وبين الحكم على أهلها بأنهم كفار، فالمسلم تبقى حرمة نفسه وماله ودمه وعرضه أينما وجد وحيثما حل، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، فإنه كما حكم بعض الناس على بعض هذه الديار بأنها ديار إسلام وجعلوا حكامها ولاة أمور يجب السمع والطاعة لهم ونتج عن ذلك أحكام منحرفة زائغة، وفي المقابل هناك من يفهم من القول بأن هذه البلاد أصبحت ديار كفر أن أهلها صاروا بذلك كفارا مرتدين ورتبوا على ذلك أحكاما واستخلصوا نتائج هي أشد ضلالا وأكثر زيغًا من القول الأول، والحق وسط بين هذين القولين، فلا الديار التي غلبت عليها أحكام المرتدين ونظمهم وقوانينهم يحكم عليها بأنها ديار إسلام بمجرد أن أكثر أهلها مسلمون، ولا سكانها يستحقون الحكم عليهم بالكفر والردة بناء على أن الديار التي يقطنونها هي كذلك، وقد نقلنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عندما سئل عن ماردين، وكلامه ينطبق تماما على هذه الديار من حيث التفصيل، وذلك بغض النظر عن جعلها قسما ثالثا كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية في ماردين، أو جعلها ديار كفر كما هو قول الجمهور وهو الراجح إن شاء الله.
ولعل أبرز الصور التي تنطبق على هذه البلدان من حيث الحكم والوصف ومن حيث اعتبار حال أهلها وإبقاؤهم على حكم الإسلام رغم تسلط المرتدين عليها هو ما جرى من غلبة العبيديين على مصر وإجراء أحكامهم الكفرية على أهلها، مع إقامتهم لكثير من شعائر الإسلام الظاهرة كالجمع والعيدين والصلوات الخمس والأذان و إن مزجوا كثيرا من هذه العبادات ببدعهم، ومع ذلك فقد أفتى العلماء بأن دارهم قد صارت دار كفر وردة، ولم ويستلزم من ذلك أن يكون جميع من فيها كفارا بمجرد ذلك، وقد نقلنا ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى في ذلك، ومن المعلوم أن صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- لما تغلب على مصر وأزال دولة العبيديين عنها وأعاد الحكم لأهل السنة لم يستتب سكانها ولم يحكم عليهم بالكفر والردة باعتبار سابق بقائهم تحت حكم المرتدين، بل أنقذهم من ظلم أولئك المارقين الزنادقة وأرجع الدولة إلى حوزة المسلمين.
قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: [قال القاضي عياض: أجمع العلماء بالقيروان أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة] (1) .
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: [قصة بني عبيد القداح: فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة، فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب، ومن ذرية فاطمة، وتزيَّ بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب وصار له دولة كبيرة من المغرب ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام، وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم، فأجمع أهل العلم: أنهم كفار وأن دارهم دار حرب مع إظهار شعائر الإسلام، وفي مصر من العلماء والعباد أناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من الكفر، مع ذلك: أجمع العلماء على ما ذكرنا، حتى إن بعض أهل العلم المعروفين بالصلاح قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى المحاربين، ورميت بالتسعة بني عبيد ولما كان زمن السلطان محمود بن زنكي أرسل إليهم جيشا عظيما بقيادة صلاح الدين، فأخذوا مصر من أيديهم، ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين] (1) ، فهذا النص بيِّنٌ فيما ذكرنا من عدم التلازم بين الحكم على الدار بأنها دار كفر وردة بسبب ما يعلوها من أحكام الكافرين ولأجل تغلبهم عليها، وبين بقاء إسلام سكانها المحكومين بتلك القوانين والمقهورين بسلطان الكافرين، فالحكم على الدار لا يعني إطلاقا الحكم على السكان، وذلك كأهل الذمة الذين لا يكونون مسلمين مع إقامتهم في دولة الإسلام وجريان أحكامه عليهم، وقد أشار الشيخ محمد أبو زهرة إلى ثمرة الخلاف بين الجمهور وأبي حنيفة في صيرورة دار الإسلام دار كفر بقوله:[لعل ثمرة الخلاف بين الرأيين تظهر في عصرنا هذا، فإنه على تطبيق رأي أبي حنيفة: تكون الأقاليم الإسلامية من أقصى المغرب إلى سهول تركستان وباكستان ديارا إسلامية، لأنها إن كان سكانها لا يطبقون أحكام الإسلام، يعيشون بأمان الإسلام الأول وبذلك تكون الديار ديارا إسلامية.
وبتطبيق رأي أبي يوسف ومحمد ومن معهما من الفقهاء تكون الأقاليم الإسلامية لا تُعد دار إسلام بل دار حرب، لأنها لا تظهر فيها أحكام الإسلام ولا تطبق] (2) .
وننقل هنا كلامًا جيدًا للدكتور عبد الله بن أحمد القادري حول واقع كثير من البلدان الإسلامية في هذا العصر وتوضيح مناط الحكم على الديار، وأن الحكم عليها بأنها دار حرب وكفر لا يلزم منها أن يكون أهلها كذلك كفارا فقال بعد كلام طويل له حول حقيقة دار الإسلام ودار الكفر:[ولكن يجب أن يبين هنا ما تصير به البلاد الإسلامية دار كفر والباحث يميل إلى تلك القاعدة وهي:"أن أي بلد كانت فيه القوة والسلطان للكفار الذين يطبقون أحكام الكفر ويقصون أحكام الإسلام من حياة الناس السياسية والاجتماعية والعسكرية ولا يستطيع المسلمون أن يطبقوا من أحكام الإسلام إلا ما أذن به ذوو السلطان الكفرة مما لا تعلو به كلمة الله ولا تسقط به راية الكفر فإن ذلك البلد الذي تحققت فيه هذه الأمور هو دار كفر وليس دار إسلام"ولو كان أغلب سكانه مسلمين، ولو كان حكام الكفر ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، لأن العبرة في دار الإسلام بظهور أحكام الله فيها وكون كلمة الله هي العليا، والعبرة في دار الكفر بظهور أحكام الكفر وكون مناهج الحياة فيها هي مناهج كفر لا مناهج إسلام.
ولا يهولن القارئ إن هذه القاعدة تنطبق على بلدان أغلب سكانها مسلمون يقيمون شعائر دينهم التي أذن لهم بإقامتها حكامهم المحاربون لله ولرسوله وللمؤمنين، فإن العبرة ليست بكثرة من ينتسب إلى الإسلام وإنما هي بمن يطبق أحكامه ويظهرها وينصرها، ويظهر ذلك بعكس هذه المسألة، وهو أن يغلب المسلمون على بلد أغلب سكانه كفار فيقيمون في ذلك البلد أحكام الإسلام وهم أقل من سكانه فإنه يكون دار إسلام وليس دار كفر، فكذلك إذا استولت شرذمة من الكفار على بلد أغلب سكانه مسلمون فأقامت تلك الشرذمة في هذا البلد أحكام الكفر فإنه يصير بلاد كفر وليس بلاد إسلام ومن أوضح الأمثلة على ذلك ألبانيا التي لا زالت أسماء بعض حكامها أسماء مسلمين وأغلب سكانها مسلمون ولكن الزمرة الحاكمة فيها اشتطت في تطبيق أحكام أعظم كفر وجد على ظهر الأرض وهو الإلحاد الماركسي، وإذا كانت ألبانيا أصبحت دار كفر بذلك فما الفرق بينها وبين بلدان أخرى في غير أوروبا تسير في نفس هذا السبيل ويعلن للملأ حكامها بأنهم لينينيون ماركسيون أو علمانيون لا يعترفون بحكم الله في جزئية من الجزئيات وقد يخدعون المسلمين بالإذن لهم بتطبيق بعض الأحكام التي لا يرون من تطبيقها ضررا على حكمهم الكافر.
ولا يلزم من إطلاق اسم دار الكفر على تلك الديار كفر جميع سكانها فقد يكون منهم المسلم المغلوب على أمره ومنهم الكافر الغالب ولا عبرة بقلة أو بكثرة وقد تكون البلاد بلاد إسلام فيستولي عليها الكفار ويطبقون فيها أحكام الكفر فتنقلب دار كفر كما أن بعض الديار تكون دار كفر فيستولي عليها المسلمون ويطبقون فيها أحكام الإسلام فتنقلب دار إٍسلام وهكذا ... والدليل الواضح من الواقع وهو أن الكفرة الذين يطبقون أحكام الكفر ويستميتون في إبقائها وتثبيتها لو دعاهم داع إلى الإسلام وإظهار أحكامه بدلا من الكفر لما استجابوا له بل إنهم لينصبون له العداء ويستعدون لحربه كما يفعل الكفار في بلاد الكفر الأصلية] (1) .
والآن وبعد أن عرفنا حكم هذه الديار التي ألغت شريعة الرحمن وأقامت شريعة الشيطان وسلطت على الناس أنظمة الكفر والظلم، وألزمتهم بالحكم بها والتحاكم إليها، وأجبرتهم على التخلي عن أحكام الله تعالى، ومنعتهم من إقامتها فيما بينهم، آن الأوان أن نشرع في الكلام على إقامة الحد في دار الحرب والذي نقصد به أصالة هو إقامتها في البلدان المذكورة وبالله نستعين.
(1) - رواه الدار قطني والبيهقي عن عائد بن عمرو، وحسنه الشيخ الألباني في الإرواء: 1268، وصحيح الجامع: 2778
(2) - (مغني المحتاج: 2/ 362) ، ومثل ذلك في (حاشية البجيرمي الشافعي: 3/ 189) وفيها أيضًا: ["قوله دار حرب"أي صورة لا حكمًا، إذ ما حكم بأنه دار إسلام لا يصير بعد ذلك دار كفر مطلقًا] (4/ 266) .
(3) - (روضة الطالبين: 5/ 433)
(1) - (شرح كتاب غاية البيان: 1/ 307)
(2) - (المغني: 9/ 25)
(3) - (الحاوي الكبير: 9/ 481)
(4) - (روضة الطالبين: 10/ 282)
(1) - (مغني المحتاج: 4/ 289)
(2) - (تحفة المحتاج: 9)
(1) - (نهاية المحتاج: 8)
(2) - (حاشية الجمل: 5)
(3) - (المبسوط: 10/ 114)
(1) - (بدائع الصنائع: 7/ 130)
(1) - (حاشية ابن عابدين: 4/ 174)
(2) - (حاشية الدسوقي: 2/ 188)
(3) - (فتاوى الرملي بهامش الفتاوى الكبرى للهيتمي: 4/ 52 - 54 نقلا عن كتاب اختلاف الدارين للدكتور إسماعيل لطفي 26 - 63)
(1) - (مجموع الفتاوى: 27/ 45) ، وله نظير هذا الكلام في مواطن متعددة من مجموع الفتاوى.
(2) - (مجموع الفتاوى: 35/ 139)
(1) - (المغني: 12/ 284)
(1) - (فتح الباري:1/ 16)
(2) - (وبل الغمامة في بيان أحكام الإمامة:77) ، وهو كتاب كان الشيخ قد شرع في كتابته أوائل عام 2001 م، وبسبب ظروف التنقل والمطاردات وكثرة الأشغال لم يستطع إكماله حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمر، فانقطع عن الكتابة فيه زمنًا مع احتفاظه بنسخة يتنقل بها من بلد إلى بلد، إلى أن قدر الله ووقع في الأسر، وبقي بعض الأخوة الفضلاء محتفظًا بمسودة للكتاب مع عدم اكتماله، وقد كتب له أخونا الفاضل الشيخ عطية الله - وفقه الله- مقدمة طيبة، نسأل الله أن ييسر طباعته وإخراجه.
(1) - (سير أعلام النبلاء 15/ 151)
(1) - (مختصر السيرة: 49)
(2) - (الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي: 343)
(1) - (الجهاد في سبيل الله: 1/ 604 - 605)