تتفق الحدود والتعازير في أنها عقوبات شرعت لأجل ردع الجناة وزجرهم عن ارتكاب الموبقات ومنعهم من التعدي على الحرمات، وهذا الانزجار كما يحصل للجاني المتعدي لحدود الله فإنه ينبه من قد يستجيب لداعية نفسه وهواه، فيوقفه ما يرى من عاقبة فعله ومآل إثمه عن اقتحام المظالم واقتراف المآثم، وهذا المعنى ألمحت إليه بعض الآيات والواردة في الحدود، كما قال الله تعالى:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ (المائدة: 38) ، قال الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى:] جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ [: [هذا تعليل للحد، أي: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملها وكسبهما السيئ، ونكالا وعبرة لغيرهما .. فالنكال هنا ما ينكل الناس ويمنعهم أن يسرقوا] (1) ، ومثل ذلك قوله سبحانه:] الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [ (النور: 2) ، قال ابن العربي -رحمه الله-: [المسألة الثامنة: قوله تعالى] وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [وفقه ذلك أن الحد يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر لأجله ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده] (2) .غير أنه رغم اتفاق الحدود والتعازير في هذه القاعدة العامة الكلية إلا أن بينها فروقًا متعددة نص الفقهاء عليها وسنذكر - إن شاء الله - المهم منها مع ما يتعلق بها ويلاصقها من بعض الأحكام الشرعية:
الفرق الأول:
أن الحدود عقوبات مقدرة كمًا ووصفًا ونوعًا ومنصوصٌ عليها من قِبَل الشارع الحكيم أما التعازير فأمرها مفوض إلى الإمام في هذه الأمور، وهذا هو أهم الفروق بين الحد والتعزير، وذلك أن الحدود جاءت مقدرة في كمِّها ومبينة في صفتها وقدرها فلا يجوز النقص عنها أو الزيادة عليها، ويستوي فيها الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحضري والبدوي، والرجل والمرأة، مع ملاحظة ما يتعلق بكل واحد من هؤلاء من تفريعات الأحكام التي جاءت مبينة وموضحة في الشريعة، أما العقوبة في التعزير فإنها تختلف حسب الجناية والجاني والمجني عليه ويشير إلى هذا المعنى والتفريق قول النبي r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، فإن الجناية أو المعصية (العثرة) التي ترتبت عليها العقوبة التعزيرية تنقسم إلى قسمين:
الأولى: جناية جاءت عقوبتها محددة ومبينة في الشرع - وهي ما اصطلح الفقهاء على تسميتها بالحد - فهذه العقوبة لا يجوز العفو عنها من قبل الإمام أو من ينوب عنه كما لا يجوز له الزيادة عليها أو النقصان منها.
الثانية: جناية لم ينص الشارع على عقوبة محددة لها، بل أرجع أمرها إلى اجتهاد الأئمة - وهي ما يسميه الفقهاء بالتعازير - فهذه تختلف في جنسها ووصفها وقدرها بحسب ما يراه الإمام بعد اجتهاده في اختيار الأصلح، ولهذا فإن الحديث فرق بين ذوي الهيئات وغيرهم في هذا النوع من العقوبة فحض على إقالة عثرة ذوي الهيئات، أما في الحدود فإن الشريف ذا الهيئة يستوي فيها هو والوضيع والفاسق في وجوب إقامة الحد عليه عند ارتكب موجبه، ويتعلق بهذا الفرق أمران يلزم بيانهما والتنبيه عليهما:
الأول: وقد ذكرناه قبلا ونعيده هنا لأهميته وهو أن على الإمام أو القاضي أو من يوكل إليه أمر التعزير بذل قصارى جهده واستفراغ بالغ وسعه في معرفة ما يلابس القضية التي سيعزر فيها، ولا بد له من الاطلاع على التفاصيل والجزئيات التي لها تأثير في اختيار نوعية العقوبة وقدرها، فعليه أن يعرف ما هي"الجناية أو المعصية أو الهفوة أو الزلة"التي سيعاقب عليها، وعليه أن يتعرف أيضًا على صفة من وقعت منه تلك الزلة أو الجناية وهل هو من ذوي المروءات وأصحاب الهيئات الذين تغتفر في حقهم الزلة وتقال العثرة، أم ممن استمرءوا المعاصي وألفوا الاعتداء فيحتاج إلى من يكفه ويردعه عنها، كما أنه لا بد من أن يعتبر حال المجني عليه وقدره ومنزلته ومكانته، فليس من اعتدى على عالم وآذاه بسب أو شتم أو ضرب أو غيرها كمن اعتدى على آحاد الناس بشيء من أنواع الأذية، وعلى هذا فليقس، وإنما تعين النظر في هذه الأمور (الجناية والجاني والمجني عليه) لأن الجناية تعظم بحسب الزمان والمكان والإسرار والإعلان والهفوة والإدمان، فلا بد من ملاحظة كل هذه الأمور واعتبارها حتى يكون الحكم عدلا والقول فصلا، قال الحطاب المالكي -رحمه الله-: [قال ابن ناجي في شرح المدونة في كتاب القذف:"الأدب يتغلظ بالزمان والمكان، فمن عصى الله في الكعبة أخص ممن عصاه في الحرم، ومن عصاه في الحرم أخص ممن عصاه في مكة، ومن عصاه في مكة أخص ممن عصاه خارجها"] (1) ، وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [ومنها عقوبات غير مقدرة قد تُسمَّى"التعزير"وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبير الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته] (2) ، وقد مر معنا نقل القرافي -رحمه الله- الإجماع على وجوب اتباع المصلحة عند اختيار العقوبة، وحرمة التخير بمجرد التشهي والهوى وأن هذا يعد فسوقًا، قال ابن دقيق العيد - -رحمه الله-: [وليس التخيير فيه - أي التعزير - ولا في شيء مما يفوض إلى الولاة تخيير تشه بل لا بد عليهم من الاجتهاد] (3) ، هذا وسنذكر فيما بعد بعض أنواع العقوبات التعزيرية التي تشرع العقوبة بها.
الثاني: يتفرع عما قبله ويستخلص منه وهو إذ تبين لنا أن الإمام عليه اختيار العقوبة المناسبة لكل جناية وأن عليه الاجتهاد في معرفة الأصلح والأجدى منها، فإن هذا مما يبين عدم صحة تقنين العقوبات التعزيرية، بمعنى عدم جواز جعل لائحة عقوبات ثابتة بحيث يوضع بإزاء كل جناية عقوبة تسري على كل مرتكب لتلك الجناية، وذلك لما ذكرنا، ولأن العقوبات التعزيرية تصبح في هذه الحالة مشابهة للحدود من جهة تحديد صفتها وقدرها، ولخروجها بذلك عن حيز التعزير من حيث أن النظر والاجتهاد في اختيار الأنسب لكل حادثة بعينها قد جُمِّد وأوقف، وكذلك فإن عقوبة التعزير لا ترتبط بالجناية ونوعيتها فقط بل تتعلق بالجاني واعتبار حاله، وكذا بالنظر إلى المجني عليه، واعتبار الصفات والأحوال التي تؤثر في اختيار نوع وقدر العقوبة بالنظر إلى الجناة والمجني عليهم لا تكاد تحصى، ومن هنا نعلم أنه لا يلزم من اتحاد الجناية اتحاد العقوبة مطلقًا، وقد بين ذلك شيخ الإسلام فيما نقلناه عنه قريبًا، ومثل ذلك ما قاله العلامة ابن فرحون -رحمه الله-: [ومنها ما هو غير مقدر وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف الجرائم وكبرها وصغرها، وبحسب حال المجرم في نفسه وبحسب حال القائل والمقول فيه] (4) ، وقال ابن نجيم الحنفي: [وصرح السرخسي بأنه ليس في التعزير شيء مقدر، بل هو مفوض إلى رأي القاضي لأن المقصود منه الزجر وأحوال الناس مختلفة فيه] (5) ، وقال الزيلعي: [وليس في التعزير شيء مقدر، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام على ما تقتضي جنايتهم، فإن العقوبة فيه تختلف باختلاف الجناية، فينبغي أن يبلغ غاية التعزير في الكبيرة، كما إذا أصاب من الأجنبية كل محرم سوى الجماع، أو جمع السارق المتاع في الدار ولم يخرجه، وكذا ينظر في أحوالهم، فإن من الناس من ينزجر باليسير ومنهم من لا ينزجر إلا بالكثير] (1) ، وقال الشربيني الشافعي: ["يجتهد الإمام في جنسه وقدره"لأنه غير مقدر شرعا موكل إلى رأيه يجتهد في سلوك الأصلح لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس وباختلاف المعاصي] (2) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: [والعقوبات - كما تقدم - منها ما هو مقدر، ومنها ما هو غير مقدر، وتختلف مقاديرها وأجناسها وصفاتها باختلاف أحوال الجرائم وكبرها وصغرها وبحسب حال المذنب في نفسه] (3) ، وكذلك فإن تقدير العقوبات التعزيرية وعدم تفويضها إلى القضاة والحكام لم يكن معهودًا عند السلف الذين هم خير القرون، بل كانوا يجتهدون في اختيار العقوبة، وينظرون في مناسبتها للجناية، ويعتبرون كل حالة بانفرادها كما هو معروف من سيرتهم وسياساتهم، غير أنه ورد في كلام بعض علماء الأحناف ما يشير إلى عدم تفويض عقوبة التعزير للحاكم مطلقًا، فقد قال في الدر المختار: [وجعله - أي التعزير- في الدرر على مراتب أربع، وكله مبني على عدم تفويضه للحاكم] ، قال ابن عابدين قوله: ["على مراتب أربع"تعزير أشراف الأشراف، وهم العلماء والعلوية بالإعلام، بأن يقول له القاضي بلغني أنك تفعل كذا فينزجر به، وتعزير الأشراف، وهم نحو الدهاقين بالإعلام والجر إلى باب القاضي والخصومة في ذلك، وتعزير الأوساط وهم السوقة بالجر والحبس، وتعزير الأخساء بهذا كله وبالضرب] (4) ، إلا أن ابن عابدين تعقب صاحب الدر المختار وصاحب البحر في فهمهما عدم التفويض للحاكم من قول صاحب الدرر:"وهو على مراتب أربع"، فقال بعد كلام طويل له بهذا الخصوص: [فقد ثبت بما قلنا عدم مخالفة ما في الدرر للقول بتفويضه للقاضي، وأن المعتبر حال الجناية والجاني خلافًا لما فهمه في البحر كما قدمناه، فاغتنم هذا التحرير المفرد] (5) ، ولبعض علماء الأحناف أيضًا كلام يدل على جواز تحديد عقوبات التعزير في الأزمنة التي يقل فيها العلم وينعدم القضاة المجتهدون العارفون بأمور الدين والدنيا، فقد قال الشيخ عبد القادر الرافعي في: [قول الشارح:"بل هو مفوض إلى رأي القاضي وعليه مشايخنا إلخ"لكن قال المقدسي في شرح منظومة الكنز، والذي ينبغي أن يعول عليه الأول، يعني عدم التفويض إلى رأي القاضي في هذا الزمن لغلبة جهل القضاة، وعدم الرأي دينًا ودنيا، ويؤيد هذا الأمر ما قدمنا أن مرادهم بقولهم: الرأي إلى القاضي في كذا القاضي المجتهد بمعرفة الأحكام لا مطلقًا، خذ هذا الكلام فإنه دقيق وبالقبول حقيق أهـ] (1) ، كما أن لبعض علماء الشافعية كلامًا يفهم منه الجنوح على تحديد بعض العقوبات التعزيرية وربطها بجناياتها، قال الماوردي -رحمه الله-: [وقال أبو عبد الله الزبيري: تعزير كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه .. فإن كان الذنب في التعزير بالزنا روعي منه ما كان، فإن أصابها بأن نال منها ما دون الفرج ضربوهما أعلى التعزير وهو خمسة وسبعون سوطًا، وإن وجدوهما في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاملين للجماع ضربوهما ستين سوطًا، وإن وجدوهما غير متباشرين ضربوهما أربعين سوطًا، وإن وجدوهما خاليين في بيت عليهما ثيابهما ضربوهما ثلاثين سوطًا، وإن وجدوهما في طريق يكلمها وتكلمه ضربوهما عشرين سوطًا، وإن وجدوه يتبعها ولم يقفوا على ذلك يحققوا، وإن وجدوه يشير إليها وتشير إليه بغير كلام ضربوهما عشرة أسواط - ثم ذكر أنواعًا من هذا القبيل - قال الماوردي عقبه: وهذا الترتيب وإن كان مستحسنًا في الظاهر فقد تجرد الاستحسان فيه عن دليل يتقدر به] (2) .
هذا وقد ذهب بعض العصريين إلى القول بجواز تقنين العقوبات التفويضية، قال مصطفى أحمد الزرقاء: [تركت الشريعة عقوبات معظم الجرائم (سوى خمسة منها) دون تحديد، لأن العقوبات فيها يجب أن تختلف باختلاف الظروف، فللسلطة الحاكمة تقنين العقوبات على هذا الأساس، وللقاضي عند عدم التقنين أن يقدر العقوبة بحسب الظروف الزمانية والمكانية والشخصية، وهذه العقوبات التي لم تحدها الشريعة بل تركتها مفوضة للحكام تسمى التعزير] (3) والذي يظهر من كلامه في موضع آخر من كتابه المذكور أن معنى"التفويض"الذي جعلته الشريعة من حق ولاة الأمور في اختيار هذه العقوبة يدخل فيه اجتهاد الحاكم في تقنين العقوبات بحسب جناياتها، بمعنى أن الشريعة كما فوضت له اختيار العقوبة المناسبة لجنايتها حالا، فكذا خولت له اختيار العقوبة الملائمة لجنايتها مآلا، فهو - بحسب هذا الفهم - لم يخرج عن إطار التفويض العام الذي أوكلته له الشريعة، وبمعنى أوضح: من المعلوم أن الشريعة لم ترد بالتنصيص على عقوبات مخصوصة محددة في أكثر المعاصي بل تركت الأمر وما يراه الإمام أو القاضي بالاجتهاد من المناسبة بين المعصية وعقوبتها، وهو هنا لم يقصر اجتهاد الإمام ويحصر نظره في كل معصية واقعة بعينها بحيث يبحث في ملابسات هذه المعصية التي حصلت، وإنما جعل من معاني التفويض أن يجتهد الإمام ويبذل وسعه في اختيار العقوبات الملائمة للمعاصي المتوقعة والمتصورة والمفترضة، فتلك العقوبات التي يصوغها القاضي ويقننها باجتهاده لم تنص عليها الشريعة بعينها تحديدًا، وإنما استخرجها الإمام أو القاضي ومن مثلهم بالاجتهاد والنظر اعتمادا على ما خولته الشريعة لهم من أحقية اختيار العقوبات، وفي هذا يقول:[تقنين العقوبات اليوم يدخل في نظام التعزير الإسلامي: وإذا كانت عقوبة التعزير في الإسلام مفوضة لآراء الحكام دون تقدير، فإن هذا لا ينافي ولا يمنع تقدير العقوبات وتحديدها بقانون لمختلف أنواع الجرائم، ضبطًا للأحكام وجريًا مع الدواعي الزمنية، كما يحصل في قوانين العقوبات في العصر الحاضر، لأن هذا التحديد داخل في ذلك التفويض.
فقانون العقوبات لدينا اليوم تدخل معظم أحكامه في نطاق التعزير المشروع بالنظر الإسلامي، سوى ما فيه من إهمال للحدود وإخلال بالقصاص في بعض مواطنه وإن وضع حدين أدنى وأعلى في قوانين الجزاء الحديثة لعقوبة كل جريمة هو اعتماد من السلطات المقننة على نظر الحكام، وتفويض إليهم بمقدار لم تجد تلك السلطات مندوحة عنه.
ولكن الشرع الإسلامي جعل هذا التفويض أساسًا بنطاق أوسع، وترك التحديد للسلطات الزمنية تتصرف في كل زمان ومكان بحسبها، فيكون تحديد العقوبات في التقنين الجزائي إنما هو تنفيذ من أولياء الأمر للنظرية الإسلامية فيه، واستعمال منهم لسلطتهم الشرعية في هذا التحديد ولكن بصورة مسبقة قبل وقوع الجرائم ليكون المجرم على بينة من نوع العقوبة ومقدارها قبل إقدامه، ومن البديهي أن هذا التنسيق في التحديد داخل في الصلاحيات والسلطة المفوضة شرعًا إلى أولياء الأمور في هذا الشأن] (1) ، ونظير هذا ما قاله الدكتور وهبة الزحيلي: [ومع ذلك فلا بأس بتقنين العقوبات واعتماد الدولة نظامًا محددًا للجرائم والعقوبات التعزيرية، فإن أصل التفويض في تقدير التعزير هو للإمام أي رئيس الدولة إذا كان مجتهدًا وتصدى للقضاء، فإذا ناب عنه قضاة متخصصون تقيدوا بما يقيدهم به من أنظمة وقواعد] (1) ، وليس ما ذكراه بصحيح، وهو تكلُّفٌ في اعتبار الحالة التي ذكراها من نوع التفويض المقصود فليس هذا إلا تحجيرًا وإبطالًا له، فإن المقصود بالتفويض في كلام الفقهاء -كما هو مصرّح وموضّح في كتبهم- أن للإمام أو القاضي اختيار العقوبة المناسبة والنظر في كل حالة من الحالات التي يريد أن يعاقب عليها حالًا لا مآلًا، وهذا يقتضي أن يتعرف على عين الجناية التي سيختار لها عقوبة التعزير، وينظر في حال عين الجاني وصفته وهل هو من ذوي الهيئات وأصحاب المروءات أم من الفسقة المدمنين على المعاصي الآلفين لاقترافها، وعليه أن ينظر أيضًا إلى المجني عليه إن كانت الجناية لحق آدمي، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [فإن التعزير عقاب غير مقدر الجنس ولا الصفة ولا القدر، والمرجع فيه إلى اجتهاد الوالي] (2) ، وهكذا فإننا نرى اعتبار هذه الأمور في اختيار العقوبة تجعل من العسير التنصيص على كل حالة من الحالات، لا سيما وأن الأمور المؤثرة والمعتبرة في إقامة العقوبة التعزيرية أو العفو عنها وفي تشديدها أو تخفيفها وفي تعجيلها أو تأجيلها لا تكاد تنتهي، ويصعب حصرها، وهي مجال واسع ومؤثر في اجتهاد القاضي، ومن هنا فإن التقنين - وإن أراد به البعض سد النقص العلمي الذي يكون لدى طائفة من القضاة - إلا أنه في المقابل كثيرًا ما يؤدي إلى إجحاف وظلم في حق الجاني أو المجني عليه أو في حق المجتمع، وبهذا فإن تلك المفسدة تدرأ بمفسدة أعظم منها، فإذا انضم إلى ذلك أن هذا لم يكن معهودًا عند السلف الأولين، ولا من جاء بعدهم من العلماء الراسخين، ولا هو مما دلت عليه الشريعة، حيث اتفقوا على أن أهم ما يخالف فيه التعزير الحد كونه عقوبة تفويضية غير مقدرة، كان ذلك أدعى لترك هذا السبيل، وهو دافع للتمسك بالمعنى الصحيح للتفويض والالتزام به والبعد عن المحدثات، غير أنه يمكن أن يستدل لأن يجعل الإمام حدًا أقصى في الضرب لا يتحاوزه القضاة والولاة بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن حميد الأعرج عن يحيى بن عبد الله بن صيفي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ولا يبلغ بنكال فوق عشرين سوطًا، وليس هذا من التقنين المنصوص المحدد المتعلق بكل جناية بعينها في شيء، وإنما وضع عمر رضي الله عنه لأبي موسى حدًا أقصى من الضرب، وترك المجال له في اختيار القدر المناسب مما هو دونه، كما أنه لم يلزمه باختيار عقوبة الضرب في كل جناية، ولم ينص له على نوع معين منها بحيث لا يتحول معها إلى غيرها من ضروب العقوبات، وعليه فإن اجتهاد أبي موسى في اختيار مطلق العقوبات التعزيرية لم يقع عليه تقييد ولا إلزام، كما أن نظره فيما دون العشرين من الضرب - إن هو اختاره - ليس بمحجر عليه فيه والله تعالى أعلم.
وممن ذهب إلى جواز تقنين العقوبات التعزيرية من المعاصرين الدكتور عبد العزيز عامر حيث يقول: [أرى أن تعيين العقوبة أو العقوبات في كل جريمة مقدمًا، وجعل تطبيقها أو الاختيار فيما بينها وجوبيًا لولي الأمر على القضاة أو جوازيًا لهم، على أن يراعى في ذلك توسيع سلطتهم حتى يعطوا لكل حالة دواءها الملائم في سهولة ويسر، وعلى أن يجري تعديل هذه العقوبات كلما وجدت في التعديل مصلحة أو دل عليه العمل] (1) وذكر في ذلك حججًا هي في غالبها من جنس ما ذكر أعلاه فلا نرى الإطلالة بذكرها ومناقشتها.
الفرق الثاني:
أن الحدود إذا بلغت القاضي وثبتت عنده ثبوتًا شرعيًا ببينة أو إقرار وجب عليه إقامتها وليس له العفو أو الصفح أو قبول الشفاعة فيها، ويتعين تنفيذها على القوي والضعيف والوضيع والشريف والذكر والأنثى، لقول النبي r: [ من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره] (2) ، ولقول النبي r: [ تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب] (3) ، أما في التعازير فعلى القاضي أن ينظر في حال الجاني فإذا رأى المصلحة في عدم معاقبته - لأن انزجاره قد حصل أو يمكن أن يحصل بدونها مثلا - فله أن يعفو عنه ويتجاوز عن هفوته - إن كانت حقًا لله -، كما أن الشفاعة تقبل فيها إن كانت المصلحة في ذلك، قال العلامة الصنعاني بعد أن ذكر جملة من الأحاديث بشأن النهي عن الشفاعة في الحدود بعد بلوغها السلطان:[وهذه الأحاديث متعاضدة على تحريم الشفاعة بعد البلوغ إلى الإمام،
وأنه يجب على الإمام إقامة الحد، وادعى ابن عبد البر الإجماع على ذلك، ومثله في البحر، ونقل الخطابي عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذية الناس وغيره، فقال:"لا يشفع في الأول مطلقًا، وفي الثاني تحسن الشفاعة قبل الرفع، وفي حديث عن عائشة"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود"ما يدل على جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك] (1) ، وقال الحافظ ابن حجر: [قال عياض: ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود، وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه ولا سيما ممن وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف، قال: وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك] (2) وقال المارودي وهو يعدد الفروق بين التعازير والحدود: [والوجه الثاني: أن الحد وإن لم يجز العفو عنه ولا الشفاعة فيه فيجوز في التعزير العفو عنه وتسوغ الشفاعة فيه، فإن تفرد التعزير بحق السلطنة وحكم التقويم ولم يتعلق به حق لآدمي جاز لولي الأمر أن يراعي الأصلح في العفو أو التعزير وجاز أن يشفع فيه من سأل العفو عن الذنب، روي عن النبي r أنه قال:"اشفعوا إلي ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء] (3) ، وقال الحطاب المالكي: ["مسألة"ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيها إذا كان الحق لآدمي، فإن تجرد عن حق الآدمي وانفرد به حق السلطنة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح في العفو والتعزير وله التشفيع فيه انتهى، وقال القاضي عياض في الإكمال في شرح قوله:"لتشفعوا ولتؤجروا": والشفاعة لأصحاب الحوائج والرغبات عند السلطان وغيره مشروعة محمودة مأجور عليها صاحبها بشهادة هذا الحديث وشهادة كتاب الله بقوله:] من يشفع شفاعة حسنة [الآية على أحد التأويلين، وفيه أن معونة المسلم في كل حال لفعل أو قول فيها أجر وفي عمومه الشفاعة للمذنبين وهي جائزة فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو إذا رأى ذلك، كما له العفو عنه ابتداء وهذا فيمن كانت منه الفلتة والزلة وفي أهل الستر والعفاف، أو من طمع بوقوعه عند السلطان والعفو عنه من العقوبة أن تكون له توبة، وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطلهم فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم ولا ترك السلطان عقوبتهم لينزجروا عن ذلك، وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم وقد جاء الوعيد في الشفاعة في الحدود انتهى] (1) .