الصفحة 20 من 40

وقد قال النبي r: [ اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء] (2) ، وعلى كل فلا شيء في الشفاعة في التعزيرات ولو بعد بلوغها الإمام، ربما كان مرغبًا فيها، ولكن قبول الإمام أو القاضي لتلك الشفاعة لا بد أن يكون مبنيًا على توخي المصلحة للجاني وللمجتمع، فمن كان مدمنًا على المعاصي، ومعتادًا طريقتها، مؤذيًا للناس، فهذا ينبغي أن لا تقال له العثرة ولا تقبل فيه الشفاعة، بل يعاقب بما يزجره وليكون عبرة لأمثاله، أما من كان من أصحاب المروءات الذين قد تقع منهم الهفوة وتحصل الزلة فلا بأس بالعفو عنه وقبول الشفاعة في حقه كما يشير لذلك كلام القاضي عياض الذي نقلناه قريبًا، بل كما دل عليه قول النبي r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، وما ينبغي أن يؤكد عليه دائمًا أن يعلم أن الصفح والعفو وقبول الشفاعة واختيار نوعية العقوبة وقدرها كل هذه الأشياء مبناها على الاجتهاد في اختيار الأصلح مما يكون مرجعه حسنًا ومرده طيبًا ونفعه مترجحًا سواء على الجاني أو على المجتمع، فإن المحاباة والتخير المطلق المتجرد عن النظر والعاري عن الاجتهاد في انتقاء الأجدى في مثل هذه المواطن يعد من أعظم الظلم، وأقبح الأفعال، وهو من خيانة الأمانة التي أنيطت بعنق من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين وربما شمله قول النبي r: [ ما من أمير يلي من أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة] (3) ، قال القاضي عياض في معنى الحديث: [معناه بين في التحذير من غش المسلمين لمن قلده الله تعالى شيئًا من أمرهم، واسترعاه عليهم، ونصبه لمصلحتهم في دينهم أو دنياهم، فإذا خان فيما أؤتمن عليه، فلم ينصح فيما قلده، إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم، والذب عنها لكل متصد لإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، أو ترك حماية حوزتهم، ومجاهدة عدوهم، أوترك سيرة العدل عيهم، فقد غشهم] (4) ، فليتق الله أناس تذهب بهم النفوس كل مذهب، وتتلاعب بهم الأهواء من غير تقييد ولا ضبط، وليعلموا أن أمامهم يومًا عسيرًا، ووقوفا طويلًا لا ينجيهم فيه إلا عدلهم، هذا وقد بينا الخلاف في حكم إقامة عقوبة التعزير بما يغني عن إعادته.

الفرق الثالث:

من الفروق بين التعازير والحدود أن التعازير منها ما هو حق لله تعالى، ومنها ما هو حق للعبد، أما الحدود فكلها حقوق لله عز وجل عند الأئمة وإنما وقع الخلاف في حد القذف، ولهذا التقسيم أثره في وجوب إقامة العقوبة والعفو عنها، فما كان من التعازير حقًا لله تعالى فقد قدمنا الخلاف في حكم إقامته وأن هناك القائلين بوجوب إقامتها وهناك المجوزين للإقامة والإسقاط على حد سواء، أما ما كان حقًا للعبد، فإن المجني عليه كمن وقع عليه الضرب أو السب أو الشتم ونحو ذلك له المطالبة بالعقوبة وله العفو، وإن رفع أمره إلى الحاكم وطالب بمعاقبة الجاني فليس للقاضي أو الحاكم العفو عن الجاني بل يجب عليه معاقبته بما يتناسب وجنايته، قال القرافي -رحمه الله- عند تعداده للفروق بين الحدود والتعزيرات: [أنه - أي التعزير - يتنوع لحق الله تعالى الصرف كالجناية على الصحابة أو الكتاب العزيز، ونحو ذلك وإلى حق العبد الصرف كشتم زيد ونحوه والحدود لا يتنوع منها حد بل الكل حق لله تعالى إلا القذف على خلاف فيه، أما أنه تارة يكون حدًا حقًا لله تعالى، وتارة يكون حقا لآدمي فلا يوجد البتة] (1) ، وتقسيم التعزير إلى ما هو حق لله أو حق للعباد مبني على نوع المعصية أو الجناية التي يرتكبها العبد، فإن كانت تتعلق بشخص معين كسبه أو شتمه أو قذفه بغير الزنا أو ضربه فهذا يعد حقًا للمجني عليه وهو من وقع عليه السب أو الشتم أو الضرب أو نحوها وعليه فإن وجوب إقامة التعزير مبني على مطالبته به، فإن رفع أمره إلى الحاكم أو القاضي وطالب بمعاقبة من جنى عليه وجب على الحاكم إذ ذاك تنفيذ طلبه وعقوبة الجاني وليس له والحالة هذه أن يعفو عنه، أما إن كان الحق حقا لله تعالى وهو ما يتعلق بأمر الدين العامة كترك الصلاة والسرقة من غير حرز أو دون النصاب أو الإفطار في نهار رمضان عمدًا من غير عذر أو التعرض للنساء والمردان أو أكل لحم الخنزير أو الدم أو الميتة من غير ضرورة ونحو ذلك مما يكون ضرره واقعًا على المجتمع عمومًا أو انتهاكًا لما حرمه الله سبحانه فإن حكم إقامة التعزير في هذه الحالة قد بيناه مرارًا، وهذا يقودنا إلى تعداد بعض صور المعاصي والجنايات التي ذكرها الفقهاء مما يستحق صاحبها التعزير لتكون نبراسًا لمن أراد أن يقيس عليها غيرها، والقاعدة العامة: أن كل معصية لا حد فيها ولا كفارة يشرع فيها التعزير اتفاقًا، فيدخل تحت هذا الأصل العام جزئيات من المعاصي لا حصر لها، والمعاصي إما أن تكون فعلًا لمحرم أو تركًا لواجب ولا تخرج عن هذين القسمين، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة، كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة، أو يقذف الناس بغير الزنا، أو يسرق من غير حرز أو شيئًا يسيرًا، أو يخون أمانته كولاة أموال بيت المال، أو الوقوف ومال اليتيم ونحو ذلك إذا خانوا فيها، وكالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو يغش في معاملته كالذين يغشون في الأطعمة والثياب ونحو ذلك، أو يطفف المكيال والميزان، أو يشهد بالزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من أنواع المحرمات] (1) ، وقال الكاساني -رحمه الله-: [أما سبب وجوبه فارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع، سواء كانت الجناية على حق الله تعالى كترك الصلاة والصوم ونحو ذلك، أو على حق العبد بأن آذى مسلمًا بغير حق بفعل أو بقول يحتمل الصدق والكذب بأن قال له: يا خبيث، يا فاسق، يا سارق، يا فاجر، يا كافر، يا آكل الربا، يا شارب الخمر، ونحو ذلك] (2) ، وقول الكاساني [يحتمل الصدق والكذب] احترازًا عما لا يحتمل إلا الكذب كقوله لأخيه: [يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا ثور، ونحو ذلك، فهذا عند الأحناف لا يوجب التعزير، لأن في النوع الأول إنما أوجب التعزير لأنه ألحق العار بالمقذوف، إذ الناس بين مصدق ومكذب، فعزر دفعًا للعار عنه، والقاذف في النوع الثاني ألحق العار بنفسه بقذفه غيره بما لا يتصور، فيرجع عار الكذب إليه لا إلى المقذوف] وهذه الحجة ليست صحيحة ولا عليها دليل قائم معتبر، فمن أين لهم بهذا القيد الذي ذكروه وهو أن التعزير يختص بالألفاظ التي يكون العار فيها لاحقًا بالمقذوف فحسب، ثم لا يسلم أن من يقال له يا كلب أو يا خنزير أو يا حمار لا تلحقه معرة بذلك، بل هذه الألفاظ أشد وأقبح عند كثير من الناس من قولهم يا آكل الربا وما شابهها، ويكفي أنها أذية لمؤمن وما حرمت إلا لما تضمنته من إزراء بالمسلمين واستحقارهم واستنقاصهم، وهذه كلها معاص تستوجب التعزير، فلو تصورت رجلًا فاسقًا بذيئًا في ملأ من الناس وهو ينادي بأعلى صوته على عالم أو أمير أو ذي هيئة قائلًا له: يا حمار يا كلب يا خنزير! فهل هناك عاقل يقول إن هذه ليست أذية لهم أو أن عارها يحار على قائلها فحسب؟!، ولذا فما قاله الأحناف في هذا الموطن مردود بما تقرر شرعًا وما عهد عرفًا من اعتبار مثل هذه الألفاظ في غاية الأذية والفحش والاستخفاف، فعلى قائلها كغيره التعزير والنكال، ثم إن علم أن ما يقوله الشاتم كذب فَلِمَ لا يعاقب على كذبه؟ أو ليس بمعصية تستحق ذلك؟

وقد روي عن علي رضى الله عنه أنه سئل عن قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا خبيث؟ قال: [هن فواحش فيهن تعزير وليس فيهن حد] (1)

هذا وقد استحسن بعض علماء الأحناف تعزيره باعتبارها مشينة في العرف، وفرق بعضهم بين ما إذا كان المقذوف أو المشتوم من الأشراف وبين غيرهم، قال ابن الهمام بعد أن ذكر أقوال علماء الأحناف في المسألة: [فتحصلت ثلاثة: المذهب وهو ظاهر الرواية لا يعزر مطلقًا، ومختار الهندواني يعزر مطلقًا، والمفصل بين كون المخاطب من الأشراف فيعزر قائله أو لا فلا] (2) ، قال ابن فرحون: [مسألة: وفي مفيد الحكام قال أشهب: ويحد القائل لآخر يا حمار، لأنه شبهه بالحمار الذي يركبه في ردفه، وقال ابن القاسم يعزر] (3) ، وقال أيضًا في قول القائل: [يا شارب الخمر، أو يا آكل الربا، أو يا خائن، أو يا ثور، أو يا ابن الحمار، أو يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، فإنه يعزر؛ قاله ابن رشد] (4) ، بل إن بعض الفقهاء جوز التعزير على ترك المستحبات وفعل المكروهات فقد قال ابن فرحون المالكي -رحمه الله-: [فالعقوبة تكون على فعل محرم أو ترك ما هو واجب أو ترك سنة أو فعل مكروه] (1) ، وقال شيخ الإسلام: [وقد يكون التعزير بتركه المستحب كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته] (2) .

ومن هذا الباب معاقبة الصبي وضربه على الصلاة إذا بلغ العاشرة كما في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله r: [ مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع] (3) ، وذلك لأن الصبي ليس مكلفًا حتى يعد تركه للصلاة محرمًا قال شيخ الإسلام:[فأما التعزير بالضرب ونحوه، فلم يرفع عن المميز من الصبيان، بل قال النبي r:"مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليه لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع"، فأمر بضربهم

على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى، وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع، أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته] (4) ، وقال ابن عابدين الحنفي: [مطلب: التعزير قد يكون بدون معصية: وظاهره أن المراد حصر أسباب التعزير فيما ذكر - أي في المعاصي فقط - مع أنه قد يكون بدون معصية كتعزير الصبي المتهم .. وكنفي من خيف منه فتنة بجماله] (5) ، والفروق بين التعازير والحدود أكثر مما ذكرناه هنا، وقد أوصلها القرافي إلى عشرة، وما دام المقصود من سوقها زيادة توضيح حقيقة التعزير وما يلتصق به من بعض الأحكام المهمة فإننا نكتفي بما دوناه منها لحصول الغرض والله تعالى أعلم.

(1) - (تفسير المنار: 6/ 315)

(2) - (أحكام القرآن: 3/ 390)

(1) - (مواهب الجليل: 8/ 436)

(2) - (مجموع الفتاوى: 82/ 107)

(3) - (إحكام الأحكام)

(4) - (تبصرة الحكام: 2/ 200)

(5) - (فتح القدير: 2/ 44)

(1) - (رد المحتار: 6/ 106)

(2) - (مغني المحتاج: 5/ 524)

(3) - (الطرق الحكمية: 314)

(4) - (رد المحتار: 6/ 104)

(5) - (رد المحتار: 6/ 107)

(1) - (تقريرات الرافعي على رد المحتار: 14/ 411)

(2) - (الأحكام السلطانية: 294) .

(3) - (المدخل الفقهي العام: 1/ 42)

(1) - (المدخل الفقهي العام: 2/ 636)

(1) - (الفقه الإسلامي وأدلته: 7/ 5281)

(2) - (مجموع الفتاوى: 20/ 565)

(1) - (التعزير: 406)

(2) - رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن ابن عمر وصححه الشيخ الألباني في الإرواء.

(3) - رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم عن عبد الله بن عمرو.

(1) - (سبل السلام: 4/ 21)

(2) - (فتح الباري: 10/ 554)

(3) - (الأحكام السلطانية: 296)

(1) - (مواهب الجليل: 6/ 321)

(2) - متفق عليه من حديث أبي موسى

(3) - رواه البخاري، ومسلم واللفظ له عن معقل بن يسار

(4) - (شرح النووي على صحيح مسلم: 2/ 166)

(1) - (الفروق: 4/ 325)

(1) - (السياسة الشرعية:1/ 95)

(2) - (بدائع الصنائع: 7/ 64)

(1) - قال الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء: حسن. أخرجه البيهقى (8/ 253) من طريق سعيد بن منصور ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن أصحابه عن علي رضى الله عنه في الرجل يقول للرجل: يا خبيث! يا فاسق! قال: ليس عليه حد معلوم، يعرز الوالي بما رأى". ومن طريق عبيد الله القواريري ثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن شيخ من أهل الكوفة قال: سمعت عليا رضى الله عنه يقول:"إنكم سألتموني عن الرجل يقول للرجل: يا كافر! يا فاسق! يا حمار! وليس فيه حد، وإنما فيه عقوبة من السلطان، فلا تعودوا فتقولوا

(2) - (فتح القدير: 5/ 348)

(3) - (تبصرة الحكام: 2/ 262)

(4) - (تبصرة الحكام: 2/ 301)

(1) - (تبصرة الحكام: 2/ 200)

(2) - (الفتاوى الكبرى: 4/ 401)

(3) - رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: 5868

(4) - (درء تعارض العقل والنقل: 6/ 64)

(5) - (رد المحتار: 6/ 113)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت