الصفحة 2 من 40

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: فالمتأمل في شريعة الله سبحانه وتعالى التي ختم بها الرسالات، وجعلها مهيمنة على ما سبقها من الأديان، وناسخة للشرائع كافة، يرى فيها من العدل، والحِكَم، والمصالح، والشمول ما لا يمكن الإحاطة به ذِكرًا ولا الإتيان عليه وصفًا، ذلك أنها جمعت خيري الدنيا والآخرة، فتضمنت كل ما يرجوه ويسعى إليه بنو آدم من المصالح العاجلة والآجلة، وحذرت من سائر المكروهات، والمفاسد، والمضار التي يتخوفون منها ويحذرونها، وكيف لا تكون كذلك وهي منزلة من حكيم خبير عالم الغيب والشهادة:] صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [ (البقرة: 138) ،] أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ (الملك: 14) ، و قال سبحانه:] وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ (النحل: 89 - 90) ، وقال سبحانه عن كتابه العظيم المشتمل على أبواب الخير كلها والمحذر من مزالق الشر جميعها:] إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [ (الإسراء: 9) ، وقال عز وجل:] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [ (الكهف: 1: 2) فدين الإسلام يرفع المستمسك به إلى أعلى درجات الصفاء، والنقاء، والطهر ظاهرًا وباطنًا، فهو تزكية للنفوس، وطهارة للقلوب، واستقامة في الأخلاق، وتناسقٌ في العبادات، وعدلٌ في الأحكام، وإحكام في العقائد، يستوي في ذلك كله المجتمعات والأفراد، فكلما ازداد نصيب المرء أو المجتمع من التمسك بدينه، والتشبث بعقائده، والالتزام بآدابه وهديه، كلما تضاعف قسطه ونال خلاقه من نقاء السريرة، ونفاذ البصيرة، وجلاء القلب، وصحة الفهم، وعلو المكانة، وقرار العيش، وازداد بذلك قربًا من ربه، وصار توفيقه وتسديده للخيرات وصالح الأعمال رفيق دربه، وكان نصيبه من الاطمئنان والسكينة والاستقرار بحسب ذلك، ونال معية خالقه ومولاه، كما قال سبحانه:] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [ (محمد: 17) ، وكما قال عز وجل:] وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [ (مريم:76) ، وقال عز وجل:] وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ (العنكبوت: 69) ، وقال سبحانه:] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ (النحل: 97) ، وقال عز وجل:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ (البقرة: 153) ، وقال سبحانه:] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [ (الفتح: 18) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: [ إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه] ( [1] ) .

ولهذا كان مجتمع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - المجتمع القدوة، فهو أنقى وأرقى المجتمعات، وأزكاها، وأوسطها، وأقربها، وأحبها إلى الله تعالى، وما ذلك إلا لأنهم كانوا بالحق مستمسكين، وللهدى داعين، وعليه صابرين، وعن حياضه منافحين، فطهرت قلوبهم، وزكت نفوسهم، وخلصت أعمالهم، وأقاموا على الشرع أمور حياتهم، فبذلك نالوا رضى الله تعالى، وفازوا بدار كرامته، كما قال تعالى ذاكرًا فضلهم ومنوهًا بمكانتهم:] وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ (التوبة: 100) ، فذلك المجتمع التقي النقي الذي استحق هذه الشهادة الربانية والتزكية الإلهية هو معيار المجتمعات وميزانها، فبه تقاس، وبطريقتهم تساس، وبكفته توزن، وإلى منزلته ينبغي أن يكون السعي الدؤوب والعمل المتواصل للدنو منها والتشبه بها، وإن كان بلوغ تلك المرتبة العلية مطلب بعيد المنال، ولكن التشبه بالكرام منقبة، واقتفاء آثارهم والتخلق بأخلاقهم في ذاته علو مرتبة، ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه] [2]

هذا وبالتمعن في آيات الله تعالى والتدبر في الأحاديث النبوية الشريفة نلاحظ أن هناك طريقتين أو مسلكين للحفاظ على بقاء الفرد المسلم ومجتمعه نقيًا زكيًا خاليًا من شوائب الفساد ونائيًا عن أدران المعاصي.

فأول المسلكين: يتمثل في تكوين وتنمية الوازع الإيماني في القلوب، وغرس الخشية والخوف من الله عز وجل، والتحذير من مآلات الذنوب، وبيان ما في المعاصي من الأضرار والفتن والعواقب التي لا تقتصر - إن شاعت وانتشرت - على مرتكبها فحسب بل تتعدى إلى غيره وتصيب من سواه، كما قال سبحانه:] وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ (الأنفال: 25) ، وكما قال r: [ إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده] [3] ، وذلك أن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وأما مع ظهورها، وفشوها، وإعلانها، والمجاهرة بها فإن سوءها يعم الصالح والطالح، وتشمل الخاصة والعامة، وتحيط بالقوي والضعيف، لأن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أو ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده.

ومما يدخل في المسلك الأول الذي نحن بصدده إظهار قبح وبشاعة تلك الموبقات، وتنفير النفوس منها بشتى الأساليب، حتى تجتنبها برضى واستسلام وانقياد طوعي، وهذا المسلك أو الطريق قد دلت عليه آيات عدة وبأوجه متنوعة، فتارةً يكون بالتحذير العام الشامل لكل المعاصي والمنكرات، وطورًا بالتنصيص على معاصٍ وموبقات بعينها كالزنى، وقذف المحصنات الغافلات، ونكاح زوجات الآباء، وأكل أموال اليتامي ظلمًا، وقتل المؤمن عمدًا ونحوها، فمن ذلك قوله سبحانه:] وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا [ (الفرقان: 68 - 69) ، وكقوله عز وجل:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [ (النساء: 13 - 14) ، وكقوله سبحانه منفرًا من قتل الأولاد وفاحشة الزنا بعد النهي عنهما:] وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا * وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا [ (الإسراء: 31 - 32) ، وكقوله سبحانه:] وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [ (النساء: 93) ، وكقوله عز وجل:] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ[ (النور: 23 - 25) .

والتخويف من عذاب الله تعالى وعقابه وغضبه وبيان ما في المعاصي والذنوب من القبائح والترهيب من سوء عاقبة العصاة هو الأسلوب الأكثر في الكتاب والسنة، وذلك لأن القلوب إذا لم يكن لها رقيب من نفسها وواعظ من داخلها - وإن ضعف حينًا - فإن طريق الردع الحسي والعقوبة الجسدية لا يمكنها أن تكون بمجردها كافية في تطهير المجتمع، وتنظيفه من الآثار السيئة والمدمرة التي تصيبه من جراء انتشار البغي والظلم والفحشاء.

وأما المسلك الثاني: فهو الرادع الحسي المتمثل في العقوبات التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، حتى يقف من ضعف وازعه الإيماني، وغلبته نفسه، وقادته شهوته، واتبع هواه، يقف عند حدود الله تعالى، وذلك لأن الإنسان بطبعه تعتريه أحوال يضعف فيها حينًا ويقوى حينًا، إذ هو قد خلق ضعيفًا جهولًا ظلومًا، فحتى لا يسترسل في الموبقات، ويتمادى في السيئات، وتغلبه وتسيطر عليه النفس الأمارة وقرينها بالسوء دون أن يجد ما يردعه ويقصره على الحق قصرًا، ولكي يكون عبرة لآخرين؛ شرعت هذه العقوبات، فإن ترك المجرمين يعيثون فسادًا من غير أن يزجروا بما يستحقونه يغري الآخرين بالتشبه بهم وسلوك طريقهم، فيصير المجتمع بأكمله مجتمع فساد ومقت، مصطبغًا بالمعاصي وملطخًا بدنس الموبقات، وهذا الأسلوب أو الطريق جاء منصوصًا عليه في آيات متعددة كما قال سبحانه:]الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [ (النور: 2) ، وكما قال عز وجل:] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ (المائدة: 38) وكما قال سبحانه:] إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ (المائدة: 33) ، وكما نرى فإن المسلكين الذين أشرنا إليهما قد يجتمعان في آية واحدة كما في آية الحرابة، وأما الأحاديث التي تضمنت هاتين الطريقتين فلا تكاد تحصى ولولا خشية الإطالة لسردنا منها جملة تؤكد هذه الحقيقة وتقررها بجلاء، قال الشيخ محمود شلتوت: [إن الإسلام لم يقف في الزجر عن اقتراف الجريمة عند حد الترهيب بغضب الله وعذاب الآخرة، والحكم بطرد المجرم من رحمة الله ونعيمه، علمًا منه بأن لذة العاجلة التي يتخيلها المجرم في جريمته، ويقضي بها حاجة شهوته وغضبه، كثيرًا ما تغطي عليه ألم الآجلة، وتحول بينه وبين التفكير في سوء العاقبة، لهذا لم يقف الإسلام عند العقوبة الأخروية، بل وضع عقوبات دنيوية لتكون سيفًا مسلطًا على رؤوس من تضعف عقيدتهم في هذا الترهيب الأخروي، أو يغفلون بدواعي التنافس في الحياة عن استحضاره والتأثر به، وإذا كانت الطبيعة البشرية مبنية على تحكم الرغبات والشهوات - وبخاصة إذا ما خفّت دواعي السيطرة الروحية من القلوب - فإنا ولا بد واجدون في أبناء هذه الطبيعة من تضعف عقيدتهم في الترهيب الأخروي، أو يغفلون عن تقديره والنظر إليه، وكان من مقتضيات الحكمة في السلامة من تعارض الرغبات والشهوات، وضعف المعنى الروحي في مقاومة الشر اتخاذ علاج ناجع لكبح هذه النفوس صيانة للجماعة من شيوع الفساد وتفشي جراثيم الإجرام فشرع الإسلام العقوبة الدنيوية بنوعيها - النصية والتفويضية -] [4]

والمقصود هنا أن ضبط سير المجتمعات على الحق، ومنع استفحال الأمراض والأدواء التي تصيب الصالحين والمفسدين بسبب شيوع الفساد، وإيقاف جماح النفوس الضعيفة الشهوانية عند حدها، يكون باتباع مسلك القرآن الذي أنزله الله علاجًا للقلوب، وشفاء للنفوس وقوامًا للجماعات كما قال عز وجل:] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا [ (الإسراء: 82) ، وذلك إنما يكون بالجمع بين تقوية الوازع (الديني الإيماني) وتنميته في النفوس، والترهيب من عواقب السيئات والتحذير من عذاب الله الأليم الذي يرتقب أهلها، وتكوين واعظ في داخل القلوب يردها إذا شردت، ويذكرها إن نسيت، ويقويها إذا ضعفت، وبين إنزال العقوبات الشرعية الرادعة (الحدود والتعازير) بضوابطها على المتجاوزين حدود الله تعالى تطهيرًا وكفارة لهم أولًا وردعًا لهم ولمن عساه أن يتشبه بهم ويسلك مسلكهم من ذوي النفوس المريضة ثانيًا، ولهذا قال الله سبحانه في عقوبة الزنا:] َلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ[ (النور: 2) ، وقال في عقوبة السرقة

:]جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللّهِ[ (المائدة: 38) .

وهذه العقوبات الزاجرة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية هي كغيرها من العبادات، تقام بآدابها، وقواعدها، وضوابطها الشرعية، دون إفراط أو تفريط، ومن غير تهاون ولا بغي، ومن دون غلو ولا تهوين، وهي من تقوى الله التي أمر المؤمنون أن يأتوا منها ما استطاعوا، فتقوى الله سبحانه كلمة جامعة لأداء كل ما أمر به من أوجه الخير والصلاح والبر واجتناب ما نهى عنه من الشرور والفساد والمضار.

وإقامة هذه العقوبات يعد من أعظم أبواب الأمر بالمعروف الذي نالت به هذه الأمة وسام التزكية الإلهي، وحظيت معه بشرف الخيرية على الأمم السالفة كما في قوله تعالى:]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [ (آل عمران: 110) ، وفيها من الرحمة، والرأفة بالخلق، وحفظ مصالحهم الدينية والدنيوية؛ ما لا ينكره إلا مكابر ولا يجحده إلا جاهل، وتعطيلها أو التهاون في إقامتها يعتبر من كبائر وعظائم المنكرات التي يترتب عليها من المفاسد والمهالك والاضطراب ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: [فإن إقامة الحد من العبادات كالجهاد في سبيل الله، فينبغي أن يعرف أن إقامة الحدود رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديدًا في إقامة الحد لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا شفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، فإنه لو كف عن تأديب ولده كما تشير به الأم رقة ورأفة لفسد الولد، وإنما يؤدبه رحمة به وإصلاحًا لحاله، مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، والحجم، وقطع العروق بالفصاد، ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة فهكذا شرعت الحدود] [5]

وعليه فإن هذا البحث يشتمل على حكم إقامة الحدود في دار الحرب، وعن بعض الأحكام المهمة المتعلقة بالعقوبات التعزيرية، وما يتبع ذلك من الضوابط التي يجب التزامها والسير عليها، معتمدين في ذلك على كتاب الله تعالى وسنة النبي r مستأنسين بأقوال العلماء المستبصرين محاولين - بجهد متواضع - جعل هذه الأحكام مرتبطة بالواقع ارتباطًا مباشرًا، كي لا تبقى عبارات مسطرة على الأوراق، وذلك حتى نساهم قدر المستطاع في إحياء أحكام الله تعالى وإرجاعها إلى واقع المسلمين غضة طرية، بعد أن صارت في كثير من الأزمنة والأمكنة لا تعدو أن تكون مجرد مسائل فقهية تبحث بطرق لا صلة لها بواقع المسلمين، وبعد أن غدت الأمور في أيدي أعداء هذه الأمة من اليهود، والنصارى، وأذنابهم المرتدين، وبعد أن علت قوانينهم ونظمهم فوق رقاب المسلمين، وبسطت نفوذها عليهم، وزحزحت أحكام الشرع الحنيف عن ديارهم حتى عاد المتحدث عن مثل هذه الأحكام المنسية والداعي إليها غريبًا طريدًا بين أهله وفي بلده والله المستعان وعليه وحده التكلان.

[1] - رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] - متفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[3] - رواه أبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه، والنسائي، وابن حبان في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفي رواية لأبي داود: سمعت rيقول: [ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب] . وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في صحيح سنن أبي داود وغيره من كتبه.

[4] - (الإسلام عقيدة وشريعة 303)

[5] - (مجموع الفتاوى 28/ 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت