الصفحة 7 من 40

بيان معنى الحد لغة وشرعًا

الحد في اللغة: هو الفصل بين الشيئين حتى يتميزا عن بعضهما، كحدود الأرض وحدود الدار وحدود الحرم ونحو ذلك قال في لسان العرب: [الحد: الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر، وجمعه حدود.] ، وقال الجوهري في الصحاح:[الحد: الحاجز بين الشيئين، وحد كل شيء: منتهاه، تقول حددت الدار أحدها حدا والتحديد مثله، ... والحد المنع، ومنه قيل للبواب حداد .. ، ويقال للسجان حداد، لأنه يمنع من الخروج أو لأنه يعالج الحديد من القيود، قال الشاعر:

يقول لي الحداد وهو يقودني ... إلى السجن لا تجزع فما بك من بأس.]

أما عن معنى الحد كما ورد في الكتاب والسنة فقد:

قال ابن منظور:[وحدود الله تعالى الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها، وأمر أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى عنه منها، ومنع من مخالفتها، واحدها حد، وحد القاذفَ ونحوه يحده حدا: أقام عليه ذلك.

الأزهري: فحدود الله عز وجل ضربان: ضرب منها حدود حدها للناس في مطاعمهم ومشاربهم ومناكحهم وغيرها مما أحل وحرم وأمر بالانتهاء عما نهى عنه منها ونهى عن تعديها، والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق وهو قطع يمينه في ربع دينار فصاعدا، وكحد الزاني البكر وهو جلد مائة وتغريب عام، وكحد المحصن إذا زنى وهو الرجم، وكحد القاذف وهو ثمانون جلدة، سميت حدودا لأنها تحد أي تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، وسميت الأولى حدودا لأنها نهايات نهى الله عن تعديها.

قال ابن الأثير وفي الحديث ذكر الحد والحدود في غير موضع؛ وهي محارم الله وعقوباته التي قرنها بالذنوب، وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة ومنه قوله تعالى:]تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، ومنه ما لا يتعدى كالمواريث المعنية وتزويج الأربع، ومنه قوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [، ومنها الحديث: إني أصبت حدا فأقمه علي، أي أصبت ذنبا أوجب عليَّ حدا أي عقوبة، وفي حديث أبي العالية: إن اللمم ما بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة، يريد بحد الدنيا ما تجب فيه الحدود المكتوبة كالسرقة والزنا والقذف، ويريد بحد الآخرة ما أوعد الله تعالى عليه العذاب كالقتل وعقوق الوالدين وأكل الربا] (1) .

وقد ورد لفظ الحدود في كتاب الله تعالى كثيرًا وكذا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومداره على هذين المعنيين أي الفصل بين الشيئين، والمانع من التعدي إلى شيء آخر، فكل من ارتكب معصية فقد تعدى حدا من حدود الله ويكون قدر التعدي بحسب عظم تلك المعصية، وكذلك بالنسبة للعقوبات المقدرة سميت حدودًا لأن كل من زنى أو قذف أو سرق أو قطع الطريق أو شرب الخمر فقد استحق أن تقام عليه العقوبة التي تمنعه من العود إلى تلك المعصية، ولينزجر غيره من الاقتداء به فيها، فبين الحق والباطل حد يفصل بينهما ويميز أحدهما عن الآخر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه] (2)

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: [وأصل الحد ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ما يميزها، وحد الشيء وصفه المحيط به المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدًا لكونها تمنعه المعاودة، أو لكونها مقدرة من الشرع، وللإشارة إلى المنع سمي البواب حدادًا، قال الراغب: وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، وعلى فعلٍ فيه شيء مقدر، ومنه قوله تعالى:] وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [، وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدودًا، فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه] (3) ، فمن ذلك قوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [ (البقرة: 187) ، وقوله سبحانه:] الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَاخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [ (البقرة: 229) ، وقوله عز من قائل:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ [ (النساء: 13) ، وقوله:] الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ (التوبة:97) ، وقوله سبحانه:] ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ [ (المجادلة: 4) ، وقوله تبارك وتعالى:] لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ (الطلاق:1) ، وقال سبحانه:] وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [ (النساء:14) ، ومن السنة قوله r: [ لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله] (1) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: [أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] (2) ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: [مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن هم تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا] (3) ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره] (4) .

قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: [العدوان: فالعدوان هو تعدي حدود الله التي قال فيها:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [، فنهى عن تعديها في آية وعن قربانها في آية، وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة، فبالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها] (5) ،

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وقد جاء في كتاب الله تعالى في موضع:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، والحدود هنا نهايات المحرم وأولها، فلا يجوز قربان شيء من المحرم، وفي موضع:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [، والحدود هنا نهايات الحلال فلا يجوز تعدي الحلال] (1) .

تعريف الحد في اصطلاح الفقهاء:

فكما علمنا فإن معنى الحد في الشرع قد اشتمل على المعاني السابقة، إلا أن الفقهاء قد قصروه على بعض تلك المسميات فصار في عرفهم جاريًا عليها ومحصورًا فيها.

فالحد في اصطلاح الفقهاء: عقوبة مقدرة في الشرع لأجل حق الله تعالى: قال العلامة الكاساني الحنفي-رحمه الله-: [وفي الشرع عبارة عن: عقوبة مقدرة واجبة حقًا لله تعالى عز شأنه، بخلاف التعزير فإنه ليس بمقدر، قد يكون بالضرب وقد يكون بالحبس وقد يكون بغيرهما، وبخلاف القصاص فإنه وإن كان عقوبة مقدرة لكنه يجب حقًا للعبد حتى يجري فيه العفو والصلح، سمي هذا النوع من العقوبة حدًا لأنه يمنع صاحبه إذا لم يكن متلفًا وغيرَه بالمشاهدة، ويمنع من يشاهد ذلك ويعاينه إذا لم يكن متلفًا لأنه يتصور حلول تلك العقوبة بنفسه لو باشر تلك الجناية فيمنعه ذلك من المباشرة] (2) ، وقال العلامة التهانوي-رحمه الله- في تعريف الحد عند الفقهاء: [عقوبة مقدرة تجب حقًا لله تعالى، فلا يسمى القصاص حدًا لأنه حق العبد ولا التعزير لعدم التقدير، والمراد بالعقوبة هاهنا ما يكون بالضرب أو القتل أو القطع، فخرج عنه الكفارات، فإن فيها معنى العبادة والعقوبة، وكذا الخراج فإنه مؤنة فيها عقوبة، هذا هو المشهور، وفي غير المشهور: عقوبة مقدرة شرعا، فيسمى القصاص حدًا، لكن الحد على هذا على قسمين: قسم يصح فيه العفو، وقسم لا يقبل فيه العفو، والحد على الأول لا يقبل الإسقاط بعد ثبوت سببه عند الحاكم] (3) ، وبنحو هذا عرفه أهل المذاهب، وكلمتهم تتفق على أن العقوبات المقدرة شرعًا تسمى حدودًا، وإذا أطلقت كلمة حدود في كلامهم فإنها تنصرف لهذا المعنى دون سواه، فصار معنى الحد في عرف الفقهاء واصطلاحهم هو ما ذكرناه فقط، وقد وردت عدة أحاديث صحيحة بتسمية العقوبات المقدرة حدودًا على وجه العموم، كما جاء تنصيصا على بعض العقوبات بعينها.

فمن الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: [أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] (1) ، ففي هذا الحديث قسم النبي صلى الله عليه وسلم العقوبات إلى قسمين، وجعل لكل قسم حكما خاصا به:

القسم الأول: وهو الحدود، والمقصود بها هنا العقوبات التي جاءت مبينة في الشرع من حيث الصفة والقدر كحد القذف والزنى وقطع الطريق والسرقة.

القسم الثاني: وهو ما يرجع في اختياره وصفًا وقدرًا إلى اجتهاد الإمام ونظره، وهو ما يعرف بالتعزير وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله، وفرَّق بين الأمرين بأن الحدود المقدرة لا تقبل الإقالة بأي حال من الأحوال وتحرم فيها الشفاعة بعد بلوغها الإمام، والناس فيها سواسية، أما التعزير فينظر فيه إلى مرتكبه وحاله فقد يقام على شخص ويعفى فيه عن شخص آخر،

ويبين ذلك قول النبي r: [ من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره] (2) ، فهذا يبين أن الحدود لا شفاعة فيها بعد بلوغها الحاكم وهو موضع اتفاق من الفقهاء، وقد روى البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب] (3) ، ولا شك أن المقصود بالحدود في هذه الأحاديث العقوبات المقدرة، وذلك لأن عقوبة التعزير تجوز فيها الشفاعة والعفو كما سيأتي وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على ذلك، ويزيد ذلك بيانًا حديث المرأة المخزومية التي سرقت لما كلَّم أسامة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ إنما أهلك بني إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها] (4) ، وهذا الحديث نص على أن قطع اليد - وهو عقوبة مقدرة - يسمى حدًا، وهو مبين للأحاديث التي قبله الناهية عن الشفاعة في الحدود، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: [فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام: مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [ويقال في الثاني:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [وأما تسمية العقوبة المقدرة حدًا فهو عرف حادث] (1) ، والأولى والأظهر أن يقال أما قصر الفقهاء معنى الحد على العقوبات المقدرة فهو عرف حادث لأنه وكما رأينا فإن إطلاق الحد على هذا النوع منها جاء كثيرًا في لسان الشارع، فتسمية العقوبة المقدرة حدًا ليس أمرًا حادثًا وإنما الحادث هو قصر الاسم عليها وحصره فيها ونفيه عما سواها، وهذا ما يدل عليه كلام ابن القيم -رحمه الله- حيث يقول: [الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود: عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك. فإنه يراد منه هذه العقوبات تارة، ويراد منه نفس الجناية تارة كقوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [وقوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة] (2) .

وبالجملة فيمكن القول بأن لفظ الحدود يأتي في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة على معان:

الأول: العقوبات المقدرة بالشرع كعقوبة الزنا والقذف والسرقة، فمما دل على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: [أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: [تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب] في أحاديث أخرى ذكرت بعضها قبلُ، ومن أقوال الصحابة رضي الله عنهم قول عبد الرحمن بن عوف: [إن أخف الحدود ثمانون] (3) ، وعن علي رضي الله عنه قال: [ما كنت لأقيم حدًا على أحد فيموت وأجد في نفسي منه شيئا إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه] (4) .

الثاني: ما يحتمل أن يكون قصد به العقوبات المقدرة وغير المقدرة معًا فيكون لمطلق العقوبة، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: [من أصاب حدًا فجعل الله له عقوبته في الدنيا فالله أعدل من أن يثني على عبده العقوبة في الآخرة، ومن أصاب حدًا فستره عليه وعفا عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه] (1) ، وكقوله صلى الله عليه وسلم: [من أصاب ذنبًا فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته] (2) ، وإن كان قوله: [حد ذلك الذنب] يشعر بأن له حدًا أو عقوبة معهودة معروفة، وهذا لا يكون إلا في الحدود المقدرة.

الثالث: أن يراد به عين المعصية التي يحد عليها، كما في قول الرجل الذي جاء النبيَّ صلى الله عليه وسلم: [أصبت حدًا فأقمه علي] (3) ، وبوب عليه البخاري - رحمه الله - بقوله: باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟، وكحديث عمران بن حصين: [أن امرأة من جهينة أتت نبي الله صلى الله عليه سلم وهي حبلى من الزنى فقالت: [يا نبي الله أصبت حدًا فأقمه علي فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليَّها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها ففعل] (4) ، فإنها أرادت ارتكاب موجب الحد، وهو من باب تسمية السبب باسم المسبَّب.

الرابع: أن يطلق ويراد منه كل ما نهى عنه الشارع الحكيم، كما في قوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، أو يقصد بها ما يفصل بين الحلال والحرام، كما في قوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [أي لا تتجاوزوا ما شرعت لكم إلى غيره، قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- ذاكرًا بعضًا من هذه المعاني التي يرد لها لفظ الحدود وملخصًا لها تلخيصًا جيدًا وذلك في شرحه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: [إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها] (5) ، قال: [وأما حدود الله التي نهى عن اعتدائها فالمراد بها جملة ما أذن في فعله، سواء كان على طريق الوجوب أو الندب أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال تعالى:] ِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ (البقرة: 229) ، والمراد: من أمسك بعد أن طلق بغير معروف أو سرح بغير إحسان أو أخذ مما أعطى المرأة شيئا على غير وجه الفدية التي أذن الله فيها، وقال تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [- إلى قوله:] وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [ (النساء 13 - 14) ، والمراد: من تجاوز ما فرضه الله للورثة ففضَّل وارثا وزاد على حقه أو نقصه منه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: [إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث] ، وروى النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي r قال: [ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتيِّ الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا وداع يدعوا من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق: واعظ الله في قلب كل مسلم] خرجه الإمام أحمد وهذا لفظه، والنسائي في تفسيره، والترمذي وحسنه، فضرب النبي r مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم، وهو الطريق السهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو - مع هذا - مستقيم لا عوج فيه، فيقتضي ذلك قربه وسهولته وعلى جنبتي الصراط يمنة ويسرة سوران وهما حدود الله، وكما أن السور يمنع من كان داخله من تعديه ومجاوزته، فكذلك الإسلام يمنع من دخله من الخروج عن حدوده ومجاوزتها وليس وراء ما حد الله من المأذون فيه إلا ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده وذم من لا يعرف حد الحلال من الحرام كما قال تعالى:] الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ [ (التوبة: 97) ، وقد تقدم حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حفظ حدودي ولمن لم يعمل به: تعدى حدودي، والمراد: أن من لم يجاوز ما أذن له فيه إلى ما نهى عنه فقد حفظ حدود الله، ومن تعدى ذلك فقد تعدى حدود الله، وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المحارم، وحينئذ فيقال لا تقربوا حدود الله، كما قال تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، والمراد النهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى - وهو تسمية المحارم حدودا - قول النبي r: [ مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها كمثل قوم اقتسموا سفينة ... ] الحديث المشهور، وأراد بالقائم على حدود الله المنكر للمحرمات الناهي عنها، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي r قال: [إني آخذ بِحُجَزِكم أقول: اتقوا النار اتقوا الحدود قالها ثلاثا] خرجه الطبراني والبزار، وأراد بالحدود محارم الله ومعاصيه، ومنه قول الرجل الذي قال للنبي r: فإني أصبت حدًا فأقمه علي.

وقد تسمى العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم المغلظة حدودًا، كما يقال: حد الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر، ومنه قول النبي r لأسامة: [أتشفع في حد من حدود الله] ، يعني في القطع في السرقة، وهذا هو المعروف من أسماء الحدود في اصطلاح الفقهاء أهـ] (1)

وخلاصة القول في معنى الحد أنه يأتي في ألفاظ الشارع ويراد به عدة معان منها العقوبات المقدرة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح، وورد بهذا المعنى كثيرًا في كلام الصحابة ومن تبعهم، أما حصر هذا اللفظ في العقوبات المقدرة وقصره عليها، وحمل ألفاظ الشارع كلها على هذا المعنى فليس بصحيح، بل ينظر إلى كل لفظ وسياقه الذي جرى فيه، والقرائن التي تحف به، والوقائع التي ارتبط بها، فإن من أكبر الخطأ تقييد ألفاظ الشارع وحملها على اصطلاحات حادثة أقصى ما يقال فيها إنها بعض أفراد المعنى وليست كله، وفي هذا يقول بكر أبو زيد معلقًا على كلام لابن القيم في هذا المعنى: [وإن هذا الموقف من ابن القيم -رحمه الله- تعالى- هو من فقه الكتاب والسنة فهذا العموم للفظ"الحد"في لسان الشارع تؤيده النصوص التي ساقها -رحمه الله- تعالى، وقصر الحد على العقوبة المقدرة للجنايات يحتاج إلى دليل يفيد القصر، وبعد التحري لم أر دليلا على هذا القصر، وإنما هو محض اصطلاح دعاهم إليه - والله أعلم - أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها لأهميتها وتميزها بأحكام خاصة بها تقريبا للأذهان، وتيسيرا على الطالبين ولا مشاحة في الاصطلاح .. فابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف الحد، ولكن يعارض بكل شدة أن يقضى بالاصطلاح الحادث على نصوص الشرع فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها، ولا شك أن هذا من الغلط على نصوص الكتاب والسنة] (1) ، وفي هذا البحث إذ نتحدث عن إقامة الحدود في دار الحرب، فإن المقصود بالحدود فيه هو العقوبات المقدرة المعروفة والتي جرى عليها عرف الفقهاء واصطلاحهم، وسيأتي الكلام على العقوبات غير المقدرة (التعزيرات) ، وإنما أطلت الكلام على معنى الحدود في الكتاب والسنة لما سينبني عليها من بعض الترجيحات في الجزء المتعلق بالتعزير.

(1) - (لسان العرب: 3/ 140)

(2) - رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

(3) - (فتح الباري: 12/ 85)

(1) - متفق عليه عن أبي بردة بن نيار.

(2) - رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي عن عائشة رضي الله عنها.

(3) - رواه أحمد، والبخاري، والترمذي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

(4) - رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي وغيرهم عن عبد الله بن عمر، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: 6196

(5) - (زاد المهاجر:1/ 14)

(1) - (بيان تلبيس الجهمية: 2/ 118)

(2) - (بدائع الصنائع: 7/ 33)

(3) - (موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون: 623)

(1) - رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم عن عائشة، وقد سبق قريبًا.

(2) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وغيرهم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد مر قريبًا.

(3) - ورواه أيضًا أبو داود، والنسائي، والطبراني في الأوسط، والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي ر ضي الله عنهم، وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: 2954.

(4) - متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها.

(1) - (مجموع الفتاوى: 28/ 348) .

(2) - (إعلام الموقعين: 2/ 48) .

(3) - رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم.

(4) - متفق عليه.

(1) - أخرجه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي عن علي بن أبي طالب، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع: 5423

(2) - رواه أحمد، والحاكم، والبيهقي وغيرهم عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع: 6039

(3) - رواه متفق عليه عن أنس رضي الله عنه.

(4) - رواه أحمد، ومسلم وغيرهما عن عمران بن حصين رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت