الصفحة 22 من 40

القول الثالث: أن العقوبات كانت جائزة في أول الإسلام ثم نسخت بالإجماع، قال محمد بن رشد بعد أن ذكر وجه قول مالك وقول ابن القاسم في مسألة اللبن والزعفران والمسك المغشوشات: [وقول ابن القاسم في أنه لا يتصدق من ذلك إلا على الغاش بالشيء اليسير أحسن من قول مالك، لأن الصدقة بذلك من العقوبات في الأموال، والعقوبات في الأموال أمر كان في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في مانع الزكاة"إنما آخذها منه وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا"وما روي عنه في"حريسة الجبل أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال"وما روي عنه من"أن من أخذ يصيد في حرم المدينة شيئًا فلمن أخذ سلبه"ومن مثل هذا كثير، ثم نسخ ذلك كله بالإجماع على أن ذلك لا يجب، وعادت العقوبات في الأبدان، فكان قول ابن القسم أولى بالصواب استحسانًا، والقياس أن لا يتصدق من ذلك بقليل ولا كثير] (4) ، وقد بحث هذه المسألة الشيخ التسولي من المتأخرين وناقش القائلين بالنسخ وادعاء الإجماع على ذلك، ونقل فتاوى لبعض العلماء منهم"البرزلي"جوزوا فيها العقوبات المالية عند تعذر غيرها من العقوبات في أيام الهرج وانعدام الأئمة ذوي السلطان، وقال بعد بحث مطول في ذلك: [وقد تحصل من هذا كله: أن ما شرع الله فيه حدًا معلومًا كالزنى، والسرقة، والحرابة، والقذف، ونحوها - لا يجوز فيه العقوبة بالمال اتفاقًا، لما فيه من تبديل الحدود المعينة من الشارع سبحانه لقوله:] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ .. الظَّالِمُونَ".. الْفَاسِقُونَ" [، اللهم إلا أن يتعذر إقامتها فيعاقب بالمال حينئذ ارتكابًا لأخف الضررين، ودفعًا لأثقل المفسدتين ما أمكن، ولا يسقط الحد إن زال العذر على ما مر عن هؤلاء الشيوخ، وأما ما فيه الأدب والتعزير بالاجتهاد - كما مر في الفصل الثاني - فقيل: يعاقب بالمال مطلقًا، وهو ما يفهم من حديث التنفيل، وبه قال الشافعي واختاره النووي وابن القيم، وقيل: لا عقاب به مطلقًا وهو ما لابن رشد ومن معه، وقيل: لا يعاقب به - أيضًا - إلا مع التعذر - أيضًا - وهو ظاهر إطلاق هؤلاء الشيوخ المتأخرين] (1) .

ونختم الكلام على مذهب المالكية في المسألة بنقل يلخص مجمل الأقوال في المذهب: [قوله:"وتصدق بما غش"أي جوازًا لا وجوبًا ... لما يذكره المصنف آخرًا من قوله:"ولو كثر"فإن هذا قول مالك، والتصدق عنده جائز لا واجب، وما ذكره المصنف من التصدق هو المشهور، وقيل يراق اللبن ونحوه من المائعات، وتحرق الملاحف والثياب الرديئة النسخ، قاله ابن العطار، وأفتى به ابن عتاب، وقيل: إنها تقطع خرقًا خرقًا وتعطى للمساكين، وقيل: لا يحل الأدب بمال امرئ مسلم، فلا يتصدق به عليه، ولا يراق اللبن ونحوه، ولا تحرق الثياب، ولا تقطع الثياب ويتصدق بها، وإنما يؤدب الغاش بالضرب، حكى هذه الأقوال ابن سهل، قال ابن ناجي: واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في نفس المغشوش هل يجوز الأدب فيه أم لا؟، وأما لو زنى رجل مثلًا فلا قائل فيما علمت أنه يؤدب بالمال، وإنما يؤدب بالحد، وما يفعله الولاة من أخذ المال فلا شك في عدم جوازه، وقال الوانشريسي: أما العقوبة بالمال فقد نص العلماء على أنها لا تجوز، وفتوى البرزلي بتحليل المغرم لم يزل الشيوخ يعدونها من الخطأ] (2) .

وتلخيص الأقوال في المذهب هي على النحو التالي:

القول الأول: أن العقوبات المالية على وجه الأخذ لا تجوز بالإجماع

القول الثاني: يجوز على وجه الإتلاف في نحو لبن مغشوش أو زعفران، وكذا يجوز التصدق به إن كان الغاش هو البائع نفسه، وهناك من يفرق بين ما إذا كان كثيرًا فلا يجوِّز إراقته ولا التصدق به، وبين ما إذا كان قليلًا فيجوِّز ذلك، وثمة من لا يفرق بين قليل وكثير.

القول الثالث: أن التعزير بالمال كان جائزًا في أول الإسلام ثم نسخ، وخلاصته أنه غير جائز في المذهب.

القول الرابع: أن التعزير بالمال لا يجوز شرعًا لا على وجه الأخذ ولا التصدق ولا الإتلاف، وإنما العقوبات على الأبدان فقط لا على الأموال. وهو في معنى سابقه.

القول الخامس: أن الجناية إن كانت متعلقة بالمال جازت العقوبة به وإن لم تتعلق به لم يجز.

القول السادس: وهو أن العقوبات المالية تجوز حيث يتعذر غيرها من العقوبات بحيث لا يمكن أن ينزجر الجاني إلا بها ولا يمكن للإمام أو القاضي أن يعاقبه بغيرها أصلًا لعجزه وهو ضمن الأقوال التي ذكرها التسولي.

مذهب الشافعية:

نص الإمام الشافعي -رحمه الله- على أن العقوبة بالمال لا تجوز، وقد ذكر بعض العلماء أن مذهبه القديم القول بجوازها، ثم استقر قوله الأخير على منعها وفي هذه يقول -رحمه الله-: [لا تضعف الغرامة على أحد في شيء، إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال، وإنما تركنا تضعيف الغرامة من قِبَل أن رسول الله r قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها فإنما يضمنونه بقيمة لا بقيمتين] (1) ، فجعل الإمام الشافعي -رحمه الله- قضاء النبي r في قصة ناقة البراء رضي الله عنه ناسخًا للعقوبات المالية، وقال السيوطي: [وقال الشافعي في القديم: من منع زكاة ماله أخذت وأخذ شطر ماله عقوبة على منعه، واستدل بهذا الحديث - أي حديث آخذوها وشطر ماله - وقال في الجديد: لا يؤخذ إلا الزكاة لا غير، وجعل هذا الحديث منسوخًا وقال كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال ثم نسخت] (2) قال الشوكاني -رحمه الله-: [وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك القضية أضعف الغرامة، ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخًا البتة] (3) ، كما أن النووي -رحمه الله- وهو من أئمة الشافعية لم يسلم للقائلين بالنسخ معللًا ذلك بأن العقوبات المالية لم يثبت العمل بها أصلًا في أول الإسلام، ولو ثبت ذلك لكان الجهل بالتاريخ كافيًا في نفي دعوى النسخ، كما نقل عنه ذلك الحافظ فقال: [وقال البيهقي وغيره حديث بهز هذا منسوخ، وتعقبه النووي: بأن الذي ادعوا من كون العقوبة كانت بالأموال في الأموال في أول الإسلام ليس بثابت، ولا معروف ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ] (1) ، وعلى كل فإن مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله- الذي استقر عليه هو منع العقوبات المالية، وأن ما كان منها جائزًا فهو منسوخ، إلا أن شيخ الإسلام -رحمه الله- ذكر أن هناك قولًا للشافعي بجواز العقوبات المالية فقال: [فصل: والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول وإن تنازعوا في تفصيل ذلك] (2) ، ولعله قول الشافعي في القديم والله أعلم، وقد جوز بعض الشافعية كسر دنان الخمر، وسوغوا للإمام أن يريق اللبن المغشوش، وأن يحرق الطعام المحتكر عقوبة وزجرًا إن رأى المصلحة في ذلك فقال العلامة ابن الأخوة: ["فصل": وأما التعزير في الأموال فجائز عند مالك -رحمه الله-، وهو قول قديم عند الشافعي رضي الله عنه، بدليل أنه أوجب على من وطئ زوجته الحائض في إقبال الدم دينارًا، وفي إدباره نصف دينار رواه ابن عباس، وفي من غل الزكاة تؤخذ منه ويؤخذ شطر ماله عقوبة له، واستدل بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي r قال:"في كل أربعين من الإبل السائبة بنت لبون، من أعطاها مرتجزًا فله أجرها، ومن منعها فأنا آخذها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ليس لآل محمد فيها شيء"، وقد روي أن سعد بن أبي وقاص أخذ سلب رجل قتل صيدًا بالمدينة وقال: سمعت رسول الله r يقول:"من رأى رجلًا يصطاد بالمدينة فله سلبه"، والمراد هاهنا بالسلب الثياب فحسب، وهذا ما أورده الإمام، وقد روي أنهم كلموا سعدًا في هذا السلب فقال ما كنت أرد طعمة أطعمنيها رسول الله r ، وروي أن عمر أراق لبنًا مغشوشًا، وعن علي - كرم الله وجهه - أنه أحرق طعامًا محتكرًا بالنار، قال الغزالي للوالي أن يفعل ذلك إذا رأى المصلحة فيه، وأقول: وله أن يكسر الظروف التي فيها الخمور زجرًا، وقد فعل ذلك في زمن رسول الله r تأكيدًا للزجر، ولم يثبت نسخه ولكن كانت الحاجة إلى الزجر والفطام شديدة، وإذا رأى الوالي باجتهاد مثل تلك الحاجة جاز له مثل ذلك، فإن كان هذا منوطًا بنوع اجتهاد دقيق لم يكن ذلك لآحاد الرعية، فإن قلت: هل للسلطان زجر الناس عن المعاصي بإتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي فيها يشربون ويعصون وإحراق أموالهم التي يتوصلون بها إلى المعاصي؟ فاعلم أن ذلك لورود الشرع به لم يكن خارجًا عن سنن المصالح، ولكنا لا نبتدع المصالح بل نتبع فيها، وكسر ظروف الخمر قد ثبت عند شدة الحاجة فلا يكون نسخًا، بل الحكم يزول بزوال العلة ويعود بعودها] (1) ، وقد علق الدكتور محمد فتحي الدريني على قول ابن الأخوة فقال: [وأما قوله:"فلا يكون نسخًا، بل الحكم يزول بزوال العلة، ويعود بعودها"فإشارة إلى تغير الحكم بتغير الظرف والمصلحة التي اقتضت ذلك - وهي أساس العقاب التعزيري بتفويض من الشارع نفسه - فشدة الحاجة مثلا - وهي قرينة على تأصل الجريمة في المجتمع واستشرائها - كشيوع شرب الخمر وإصرار شاربيها على معصيتهم، اقتضت تغليظ العقوبة لتؤتي ثمرتها في مثل هذا الوضع، وذلك بكسر دنان الخمر وأوعيتها فضلًا عن إراقتها وإتلافها ولولا ذلك لما تحقق الغرض منها حتى إذا زال السبب وتبدلت هذه الظروف العامة تبدل الحكم تبعًا لذلك إلى ما هو أخف، إذ يحصل المقصود به دون داع إلى التشديد في العقوبة، إذا الضرورة تقدر بقدرها، بل هو محرم .. وهذا التبدل ليس نسخًا للحكم السابق، وإنما هو نتيجة لقانون التلازم المنطقي بين الحكم وعلته طردًا وعكسًا، إذ يدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا لأن النسخ معناه إبطال العمل بالحكم المنسوخ مطلقًا، وإنهاء أمد العمل به من قبل الشارع، وهذا ليس كذلك، إذ يعود العمل بالحكم السابق إذا عادت علته إلى الوجود] (2) .

مذهب الحنابلة:

نص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وكذا ابن القيم على أن التعزير بالمال جائز في مواضع مخصوصة من مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- كما هو الحال في مذهب الإمام مالك -رحمه الله-، إلا أن ما ذكره ابن قدامة في المغني أنه لا يجوز التعزير بأخذ المال فقال: [فصل: والتعزير يكون بالضرب، والحبس، والتوبيخ، ولا يجوز قطع شيء منه ولا جرحه ولا أخذ ماله لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به، ولأن الواجب أدب والتأديب لا يكون بالإتلاف] (3) ، إلا أن شيخ الإسلام -رحمه الله- حمل كلام ابن قدامة على ما يفعله الحكام الظلمة من أخذ أموال الناس بالباطل كما عند البهوتي: [وقال - أي ابن تيمية: التعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا، وقول الموفق أبي محمد المقدسي لا يجوز أخذ ماله إشارة منه إلى ما يفعله الحكام الظلمة] (1) ، ولكن قول ابن قدامة: [لأن الشرع لم يرد بشيء من ذلك عن أحد يقتدى به] ، يفهم منه أن أصل العقوبة المالية غير مشروع، إلا إن قيل إن كلامه الأخير يرجع إلى منع القطع والجرح دون أخذ المال لقوله عقبه معللًا: [والتأديب لا يكون بالإتلاف] ، وأخذ المال ليس إتلافًا له والله تعالى أعلم.

والذي يظهر أن المواضع التي جاءت فيها عن النبي r عقوبات مالية مخصوصة، وليس ثمة ناسخ لها ولا إجماع بيّن على تركها فإن الإمام أحمد -رحمه الله- يقول بها ويذهب إليها، سواء سميت تعزيرًا أم لم تسم، وعلى هذا فإن الإمام ابن قدامة -رحمه الله- رغم أنه نص على أن التعزير لا يكون بأخذ المال فإنه نقل عن الإمام أحمد أخذه ببعض الأحاديث التي تضمنت عقوبات مالية منصوصة ومقدرة فقال -رحمه الله-: [فصل: وإن سرق من التمر المعلق، فعليه غرامة مثليه، وبه قال إسحاق للخبر المذكور، قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه .. إلى أن قال ردًا على مخالفيهم: ولنا قول النبي r ، وهو حجة لا تجوز مخالفته إلا بمعارضة مثله أو أقوى منه، وهذا الذي اعتذر به هذا القائل دعوى النسخ بالاحتمال من غير دليل عليه وهو فاسد بالإجماع] (2) ، والخبر المشار إليه في كلام ابن قدامة هو قول النبي r: [ من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ... الحديث] (3) ، ونظيره من منع زكاته ولم يكن ممتنعًا، ففي رواية عن أحمد وعن بعض أصحابه تؤخذ منه ومعها شطر ماله للحديث المروي في ذلك قال المرداوي: [قوله: فإن غيب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت منه من غير زيادة، وهذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وقال أبو بكر في زاد المسافر: يأخذها وشطر ماله، وقدمه الحلواني في التبصرة، وذكره المجد رواية، قال أبو بكر أيضًا: يأخذ شطر ماله الزكوي، وقال إبراهيم الحربي: يؤخذ من خيار ماله زيادة القيمة بشطرها من غير زيادة عدد ولا سن، قال المجد: وهذا تكلف ضعيف، وعنه تؤخذ منه ومثلها، ذكرها ابن عقيل، وقاله أبو بكر أيضًا في زاد المسافر، وقال ابن عقيل في موضع من كلامه: إذا منع الزكاة فرأى الإمام التغليظ عليه بأخذ زيادة عليها اختلفت الرواية في ذلك] (1) ، ومثل هذا إحراق متاع الغال من الغنيمة، قال الخرقي -رحمه الله-: [مسألة: ومن غل من الغنيمة حرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، قال ابن قدامة -رحمه الله-:"الغال هو الذي يكتم ما يأخذه من الغنيمة، فلا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة، فحكمه أن يحرق رحله كله، وبهذا قال الحسن وفقهاء الشام، منهم مكحول، و الأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر] (2) ، وقد نص بعض علماء الحنابلة على أن هذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما الأمر فيه معلق على المصلحة وما يراه الإمام منها، وأنه من باب التعزير، قال العلامة ابن مفلح -رحمه الله-: [والغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا السلاح والمصحف والحيوان، والغال من الغنيمة وهو من كتم ما غنمه أو بعضه، فيجب أن يحرق رحله كله، قاله الحسن وجماعة، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده"أن النبي r وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال"رواه أبو داود، ولحديث عمر بن الخطاب أن النبي r أمر بذلك رواه سعيد والأثرم، واختار جماعة أن ذلك من باب التعزير لا الحد الواجب، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة، قال في الفروع: وهو أظهر] (3) وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [فصل: والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، والشافعي في قول وإن تنازعوا في تفصيل ذلك] (4) ، فالذي يظهر أن ثمة مواضع في المذهب يعد فيها الخلاف لفظيًا ومواضع يكون فيها حقيقيًا، أما عن الموضع الأول فكما في تغريم من سرق التمر المعلق، فالظاهر من كلام ابن قدامة أنه لا يعد هذا من باب التعزير ولهذا لم يسمه به، ومثله تحريق متاع الغال، أما شيخ الإسلام وابن القيم فإنهما يستدلان بمثلها على جواز التعزير بالمال، فهو عندهم قسم من أقسامه كما سيأتي عنهما، فهم وإن اتفقوا في الحكم إلا أنهم اختلفوا في الاسم، أما الموضع الثاني فهو إنشاء عقوبة مالية على معصية من غير أن ينص عليها دليل بعينها، فالظاهر من كلام ابن قدامة وغيره من علماء المذهب منع مثل هذا الضرب من العقوبات، والذي ينص عليه شيخ الإسلام في مواضع من كتبه وتبعه فيه ابن القيم جوازه، فالخلاف فيه حقيقي."

ولهذا فإن ابن القيم -رحمه الله- قسم العقوبات المالية إلى قسمين:

القسم الأول: منضبط وهو ما لا يتغير بحسب حال الشخص، وإنما هو حكم ثابت ومستقر ومحدد، سواء منه ما كان حقًا لله تعالى أو ما كان حقًا للعبد، وأغلب هذا القسم قد جاءت فيه أدلة جزئية تفصيلية تبين قدره والجناية التي تتسبب فيه.

القسم الثاني: وهو ما يدخله الاجتهاد من الحكام بحسب المصلحة، وهو قابل لدخول الزيادة والنقص فيه، قال الإمام ابن القيم-رحمه الله-:[وهذا الجنس من العقوبات - أي المالية - نوعان: نوع منضبط، ونوع غير مضبوط.

فالمضبوط: ما قابل المتلَف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق الآدمي كإتلاف ماله، وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله:]لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ[، ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبَّر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصى له ببطلان وصيته، ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها.

وأما النوع الثاني غير المقدر: فهذا الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح، ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمر عام وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود، ولهذا اختلف الفقهاء فيه هل حكمه منسوخ أم ثابت؟ إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة] (1)

قول شيخ الإسلام وابن القيم في المسألة:

ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- إلى أن التعزير بالعقوبات المالية مشروع، وأن السنة قد دلت على ذلك، كما أن أفعال الصحابة رضي الله عنهم كثيرة ومتعددة فيها، واستبعدا القول بالنسخ، وردا على من ادعاه أو حكاه، وساقا في ذلك جملة من أقضية النبي r مما اعتبراها عقوبة مالية على بعض المخالفات، قال شيخ الإسلام: [ومن ذلك أن أهل المدينة يرون العقوبات المالية مشروعة، حيث مضت بها سنة رسول الله r ، وسنة خلفائه الراشدين، كما أن العقوبات البدنية مشروعة، حيث مضت بها السنة، وقد أنكر العقوبات المالية من أنكرها من أهل الكوفة ومن اتبعهم، وادعوا أنها منسوخة، ومن أين يأتون على نسخها بحجة؟ وهذا يفعلونه كثيرًا إذا رأوا حديثًا صحيحًا يخالف قولهم، وأما علماء أهل المدينة وعلماء الحديث فرأوا السنن والآثار قد جاءت بالعقوبات المالية كما جاءت بالعقوبات البدنية، مثل كسر دنان الخمر، وشق ظروفها، وتحريق حانوت الخمار، كما صنع موسى بالعجل، وصنع النبي r بالأصنام، وكما أمر عليه السلام عبد الله بن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين، وكما أمرهم عليه السلام بكسر القدور التي فيها لحم الحمر ثم أذن لهم في غسلها، وكما ضعف القود على من سرق من غير الحرز، وفي حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب غرم الضالة المكتومة وضعف ثمن دية الذمي المقتول عمدًا] (1) ، ولشيخ الإسلام -رحمه الله- في المسألة كلام طويل يقرر فيه جوازها، ويدعم القول به بسنة النبي r وأقضية خلفائه من بعده وبأقوال بعض أرباب المذاهب وتابعيهم، كما رد فيه على القائلين بالنسخ قال -رحمه الله-:[فصل: والتعزير بالعقوبات المالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك، كما دلت عليه سنة رسول الله r في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمرو بحرق الثوبين المعصفرين وقال له: أغسلهما، قال: لا بل أحرقهما، وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر، ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نزيفها ونغسلها؟ فقال افعلوا فدل ذلك على جواز الأمرين، لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة، ومثل هدمه لمسجد الضرار، ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ ألهًا، ومثل تضعيفه r الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل ما روي من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير، ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام , وتحريق عمر بن الخطاب لكتب الأوائل , وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة وأمره أن يحرقه عليه فذهب فحرقه عليه، وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العلم بذلك ونظائرها متعددة.

ومن قال إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهما، ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان فقد قال قولًا بلا دليل، ولم يجيء عن النبي r شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أَخْذُ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ، وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث، ومذهب مالك وأحمد وغيرهما أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما، والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة، إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها لبعض النصوص توهمه ترك العمل إجماع، والإجماع دليل على النسخ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلًا على أنه منسوخ، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذا حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحًا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعًا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء] (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت