الصفحة 23 من 40

وقال ابن القيم في المسألة: [وأما تغريم المال - وهو العقوبة المالية - فشرعها في مواضع: منها تحريق متاع الغال من الغنيمة، ومنها حرمان سهمه، ومنها إضعاف الغرم على سارق الثمار المعلقة، ومنها إضعافه على كاتم الضالة الملتقطة، ومنها أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومنها عزمه r على تحريق دور من لا يصلي في الجماعة لولا ما منعه من إنفاذه ما عزم عليه من كون الذرية والنساء فيها، فتتعدى العقوبة إلى غير الجاني وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل، ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قتله، حيث شفع فيه هذا المسيء وأمر الأمير بإعطائه فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر] (1) ، بل قد حكى -رحمه الله- الإجماع على جواز العقوبات المالية فقال: [فقول عمر وعلي والصحابة ومالك وأحمد أولى بالصواب، بل هو إجماع الصحابة، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدًا ولم ينكره منهم منكر، وعمر يفعله بحضرتهم وهم يقرونه، ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئًا قالوا: منسوخ ومتروك العمل به] (2) ، وقد ذكر صورًا كثيرة من ذلك في كتابه الطرق الحكمية رأينا أن نكتفي بما نقلناه خشية الإطالة.

هذا وقد قسم شيخ الإسلام -رحمه الله- العقوبات المالية إلى ثلاثة أقسام، إتلاف، وتغيير، وتمليك، قال -رحمه الله-: [وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك] (3) ، ثم قال:[فالأول - أي الإتلاف - المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها مثل الأصنام المعبودة من دون الله لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها .. وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء ... وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل.

وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود عن عبد الله بن عمر عن النبي r: أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت، ومثل تغيير الصورة المجسمة وغير المجسمة إذا لم تكن موطوءة.

وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن عن النبي r فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤيه إلى الجرين أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين .. وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة؛ أنه يضعف غرمها وبذلك قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره] (4)

وقال أيضًا: [والتعزير بالمال سائغ إتلافًا وأخذًا وهو جار على أصل أحمد، لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها، وقول الشيخ أبي محمد ولا يجوز أخذ مال المعزر، فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة] (1) ، وقال أيضًا عند كلامه عن مسألة المال الذي يجهل مستحقه: [فأما إتلافها فإفساد، والله لا يحب الفساد، وهو إضاعة لها، والنبي r قد نهى عن إضاعة المال، وإن كان في مذهب أحمد ومالك: تجوز العقوبات المالية تارة بالأخذ، وتارة بالإتلاف كما يقوله أحمد في متاع الفساد، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر، ومحل الخمار وغير ذلك، فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانًا كالعقوبة بإتلاف بعض النفوس أحيانًا، وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك، كما في إتلاف النفس والطرف، وكما أن قتل النفس يحرم إلا بنفس أو فساد كما قال تعالى:] أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء [فكذلك إتلاف المال إنما يباح قصاصًا أو لإفساد مالكه، كما أبحنا من إتلاف البناء والغراس الذي لأهل الحرب مثل ما يفعلون بنا بغير خلاف، وجوزنا لإفساد مالكه ما جوزنا] . (2)

رأي الإمام الشوكاني -رحمه الله-:

تكلم الإمام الشوكاني عن حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله r يقول: [في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى، لا يحل لآل محمد منها شيء] (3) ، وبين أن بعض العلماء قد استدل بالحديث على جواز العقوبات المالية مضيفًا إليها أدلة أخرى من السنة وبعض ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم من الأقضية، وجلها ما نقلناه آنفا عن شيخ الإسلام وابن القيم، ثم أورد الإمام الشوكاني بعض أجوبة من يمنع العقوبات المالية ويقول بنسخها، وأجاب عن بعض إشكالاتهم وإيراداتهم بإيجاز شديد، والذي يفهم من خلاصة كلامه أنه يقول بجواز العقوبات المالية مع الاقتصار على المواضع المعينة التي وردت بها السنة وعدم تجاوزها، معللًا ذلك بأن الأصل القطعي المتفق عليه في مال المسلم هو الحرمة لورود أدلة صريحة من الكتاب والسنة على ذلك، وهذا الحكم كان من أواخر الأحكام التي بينها النبي r في حجة الوداع، فما ورد من السنة الصحيحة قولًا أو فعلًا بخلاف هذا الأصل فهو مقصور على محله ومحصور فيه لأنها مستثناة من ذلك الأصل القطعي، أما عن أقضية الصحابة رضي الله عنهم الواردة في ذلك، فإن الإمام الشوكاني لا يعتبر أفعالهم حجة أصلًا، فكيف إذا جاءت بخلاف الدليل أو الأصل المتفق عليه كما هو الحال هنا، وفي هذا يقول بعد أن ساق جملة من حجج القائلين بالعقوبات المالية: [وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا وسنة بتحريم مال الغير، قال الله تعالى:] لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً [،] وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [، وقال r في خطبة حجة الوداع:"إنما دمائكم وأموالكم وأعراضكم"الحديث .. ، وقال:"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه"، وأما تحريق عليٍّ طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد، كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير، وأما المروي عن عمر من ذلك، فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضًا قول صحابي، لا ينتهض للاحتجاج به، ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة] (1) ، وقال أيضًا: [قد تقرر بالأدلة الثابتة في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة عصمة مال المسلم، وتحريم أكله بالباطل، وأنه لا يحل إلا بطيبة من نفسه، وأن أصل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم الحرمة، فالواجب العمل على هذا الأصل، والثبوت عليه، وعدم الخروج عنه إلا بدليل ناهض يصلح للنقل، فما ورد على وجه الصحة مما فيه العقوبة بأخذ المال أو إفساده كان مقصورًا على محله لا يتعداه، كما هو شأن ما ورد على خلاف القياس، فضلًا عن خلاف ما هو قطعي من قطعيات الشريعة، هذا على فرض أنها لم تنسخ العقوبة بالمال، وأنها ثابتة في تلك المواضع التي كان ورودها فيها، وأما إذا كانت منسوخة فقد انقطع عرق مفسدتها، وانهدمت ذريعتها، وبطل حكمها، وأراحنا الله من الاشتغال بها، فإن هذه المسألة صارت ذريعة يتوصل بها إلى نهب أموال الرعايا، ويصولون بها على من أنكر عليهم، وقد تكررت مني الأبحاث فيها، وأفردتها برسالة مستقلة، فاشدد يديك على ما ذكرناه ولا تقبل إلا حجة صحيحة ثابتة عمن تقوم به الحجة، فإنه لا حجة فيما ورد عن بعض الصحابة، ولا يجوز العمل به فيما لم يرد فيه دليل، فكيف والدليل القطعي قائم بعصمة مال المسلم] (2) .

ولا يبعد كلام الإمام الصنعاني مما نقلناه هنا، فقد قال في شرحه لحديث بهز بن حكيم السابق: [إلا أن حديث بهز هذا لو صح فلا يدل إلا على هذه العقوبة بخصوصها، في مانع الزكاة لا غيره، وهذا الشطر المأخوذ يكون زكاة كله، أي حكمه حكمها أخذًا ومصرفًا، لا يلحق بالزكاة غيرها في ذلك، لأنه ألحق بالقياس، ولا نص على علته، وغير النص من أدلة العلة لا يفيد ظنًا يعمل به، سيما وقد تقررت حرمة مال المسلم بالأدلة القطعية كحرمة دمه، لا يحل أخذ شيء منه إلا بدليل قاطع، ولا دليل، بل هذا الوارد في حديث بهز آحادي لا يفيد إلا الظن، فكيف يؤخذ به ويقدم على القطعي، ولقد استرسل أهل الأمر في هذه الأعصار في أخذ الأموال في العقوبة استرسالًا ينكره العقل والشرع، وصارت تناط الولايات بجهال لا يعرفون من الشرع شيئًا ولا من الأمر، فليس همهم إلا قبض المال من كل من لهم عليه ولاية، ويسمونه أدبًا وتأديبًا، ويصرفونه في حاجاتهم وأقواتهم، وكسب الأوطان وعمارة المساكن في الأوطان، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومنهم من يضيع حد السرقة أو شرب المسكر ويقبض عليه مالًا، ومنهم من يجمع بينهما فيقيم الحد ويقبض المال، وكل ذلك محرم ضرورة دينية، لكنه شاب عليه الكبير وشب عليه الصغير] (1) .

القول الراجح:

وبعد هذه الرحلة الطويلة مع أقوال العلماء في المسألة، ومعرفة أدلتهم التي بنوا عليها مذاهبهم، آن الأوان لبيان ما يظهر لي رجحانه منها مستعينًا بالله وحده في ذلك، وعليه فيمكن حصر أقوال العلماء على العموم دون الخوض في جزئيات التفاصيل التي ذكرتها في ثلاثة أقوال رئيسة تعد أساسًا ومرتكزًا تدور حولها باقي الأقوال:

القول الأول: قول من يمنع العقوبات المالية، وأن ما كان منها جائزًا فهو في أول الإسلام ثم نسخ الحكم واستقر الأمر على المنع، وهو قول كثير من أصحاب المذاهب خاصة المتأخرين منهم.

القول الثاني: أن العقوبات المالية جائزة أخذًا وإتلافًا وتغييرًا، وأن القول بالنسخ مردود وليس ثمة ما يدعمه، وأقضية الصحابة المتكررة والمتنوعة بعد وفاة النبي r أظهر شيء على عدم النسخ، خاصة مع عدم نقل من أنكرها من الصحابة مع شهرتها وكثرتها بينهم، وقد ذهب الإمام أحمد -رحمه الله- إلى الأخذ بكثير مما صح عن النبي r وأصحابه من بعده في ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم.

القول الثالث: على القول بأن العقوبات المالية ليست منسوخة، فيجب الاقتصار على المواضع المحددة التي ورد فيها دليل جزئي يتعلق بخصوصها من سنة النبي r ، وأن أقضية الصحابة ولو كثرت فإنها لا يلتفت إلى الاحتجاج بها على تجويز أخذ أموال الناس مع وجود الأدلة القطعية من الكتاب والسنة والتي تنص على حرمتها كدمائهم، وهذا قول الإمام الشوكاني وظاهر قول الإمام الصنعاني.

فهذه هي أهم الأقوال في مسألة التعزير بالمال وهذا على وجه العموم، وجل الأقوال التفصيلية الأخرى لا تكاد تبعد عن هذه الثلاثة فعموم حكمها يشملها بشكل أو بآخر، والذي يترجح من هذه الأقوال هو الثاني، وذلك لكثرة الأدلة التي ساقها أصحاب هذا القول في تضاعيف كلامهم، وبدعمهم لانتفاء النسخ بمطالبة المدعي ببينة ما ادعاه، وبما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في أقضية متعددة وحوادث متنوعة وفي أزمنة متفاوتة مما يمنع منعًا شبه قطعي وجود دليل ناسخ من كتاب أو سنة وغيابه عنهم طوال عصرهم، لا سيما والمعهود عنهم كما هو منقول في قضايا كثيرة تحريهم لموافقة السنة وبحثهم عما ورد عن النبي r كلما أرادوا أن يقدموا على أمر من الأمور، وهذا متكرر من عمر ومشهور عنه، وهم أعلم الناس بحرمة أموال المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأورعهم في أخذ شيء منها بالباطل، كما أنهم قد شهدوا خطية الوداع التي قال فيها النبي r: [ إن دمائكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم ... الحديث] ، فإن كان هذا الحديث مانعًا للعقوبات المالية ومحرمًا لها لما تجرأ الصحابة رضي الله عنهم على مخالفته، ولئن ذهل عنه بعضهم فلن يغيب عنهم كلهم، هذا مع ما عهد عنهم من عدم سكوتهم على المنكر وتقديمهم ما أمر الله به ورسوله r على قول من خالفه كائنًا من كان، أما ما ذهب إليه الشوكاني من قوله إن الحجة فيما جاء عن الله ورسوله فهو صحيح بلا شك ولا أحد يجرؤ أن يخالف في ذلك، ولكن ما قام به الصحابة رضي الله عنهم يدل على ما جاء عن الله ورسوله ويفسر معناه، خاصة مع انتفاء المنازع والمخالف منهم مع قيام المقتضي، فإن الحجة آنذاك تكون في إجماعهم وهو حجة شرعية بلا تردد، ولم يدَّعِ أحد أن ما اختلف فيه الصحابة مما جاء عنهم يعتبر مخصصًا لأدلة الكتاب والسنة، وإنما مبين لكيفية فهم النصوص الشرعية الأخرى الواردة في المسألة، ومن ذلك قضية التغريم بالمال فعملهم يعد مؤكدًا على استمرار العمل بها، وموضحًا لاتساع علتها وصحة القياس عليها، ولهذا فإن كثيرًا -بل أكثر- ما ورد عنهم من أقضية تضمنت تعزيرًا بالمال إنما جاء في بعض الوقائع التي لم يحدث مثلها في زمن المصطفى r ، وليس هذا ابتداعًا منهم وإحداثًا - فحاشاهم - ولكنه كشف منهم لحدود التعامل مع النصوص المجيزة للتعزير وأيضاح لجواز قياس الطارئ على الوارد.

وكنت قد نقلت عن ابن القيم -رحمه الله- أن كثرة ما نقل عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك يدل على إجماعهم، فإن ثبت هذا فلا قول مع ثبوته: [فقول عمر، وعلي، والصحابة، ومالك، وأحمد، أولى بالصواب، بل هو إجماع الصحابة، فإن ذلك اشتهر عنهم في قضايا متعددة جدًا ولم ينكره منهم منكر، وعمر يفعله بحضرتهم وهم يقرونه، ويساعدونه عليه، ويصوبونه في فعله، والمتأخرون كلما استبعدوا شيئًا قالوا: منسوخ ومتروك العمل به] (1) .

وأما استدلال الإمام الشوكاني -رحمه الله- بقوله تعالى] وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ [، فهذا احتجاج لا يتناول موضع النزاع أصلًا بل هو احتجاج به، فإن المخالف لا يسلم أن هذا من أكل الأموال بالباطل، إذ كيف يجيزه الشرع ويكون باطلًا، ولو تم التسليم لِما قاله لما احتاج أحد إلى الاحتجاج بما ورد في السنة، والنزع إلى العمومات في الاحتجاج مع قيام أدلة جزئية تفصيلية ليس بجيد ويؤدي إلى ضرب الأدلة بعضها ببعض وفي الرد على هذا الاستدلال بهذه الآية على نظير المسألة قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [أما قوله تعالى:] لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [فلا يتناول محل النزاع، فإن هذا أكل بإباحة الشارع، فكيف يكون باطلًا، وليس هذا من باب تخصيص العام في شيء، بل هذه الصورة لم تدخل في الآية، كما لم يدخل فيها أكل الوالد مال ولده، وأيضًا فلأنه إنما يدل على تحريم الأكل بالباطل الذي لم يأذن فيه الشارع ولا المالك، فإذا وجد الإذن الشرعي أو الإذن من المالك لم يكن باطلًا، ومعلوم أن إذن الشرع أقوى من إذن المالك، فما أذن فيه الشرع أحلُّ مما أذن فيه المالك، ولهذا كانت الغنائم من أحل المكاسب وأطيبها، ومال الولد بالنسبة إلى الأب من أطيب المكاسب وإن لم يأذن له الولد، وأيضًا فإنه من المستحيل أن يأذن النبي r فيما حرمه الله ومنع منه، فعلم أن الآية لا تتناول محل النزاع أصلًا] (1) ، وقال في السياق نفسه رادًا على من استدل بحديث:"إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام": [وهذا هو بعينه الجواب عن قوله: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، فإن التحريم يتناول ما لم يقع فيه الإذن من الشارع ولا من المالك، وأما ما أذن فيه منهما أو من أحدهما فليس بحرام، ولهذا ينتزع منه الشقص المشفوع فيه بغير رضاه لإذن الشارع، وينتزع منه ما تدعو إليه ضرورة من طعام أو شراب إما مجانًا على أحد القولين أو بالمعاوضة على القول الآخر، ويكره على إخراج ماله لأداء ما عليه من الحقوق وغير ذلك، وهذه الصور وأمثالها ليست مستثناة من هذه النصوص، بل النصوص لم تتناولها ولا أريدت بها قطعًا] (2) .

وهنا أرى أنه لا بد من نقل بعض الأدلة من السنة وما لحقها من أقضية الصحابة رضي الله عنهم فيما يتعلق بوقوع صور التعزير الثلاثة المذكورة [الأخذ، والإتلاف، والتغيير] هذا مع أنها قد نقلت في ثنايا كلام القائلين بجواز هذه الأنواع الثلاثة:

أولًا: التعزير بالأخذ:

الأول: عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله r قال: [في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون ولا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرًا؛ قال بن العلاء، مؤتجرًا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا عز وجل ليس لآل محمد منها شيء] (3) ، قال الدكتور محمد فتحي الدُرَيني: [ووجه الاستدلال أن الرسول rقد أوجب عقوبة أخذ المال على من امتنع عن أداء الزكاة، فقد فرض عليه أن يؤخذ منه حق الزكاة قهرًا لقوله r:"فإنا آخذوها"، وأن يؤخذ شطر ماله عقوبة لقوله r:"عزمة من عزمات ربنا"والعزائم الفرائض، وهو غرامة زائدة على أصل الواجب - كما ترى - وهي عقوبة على معصية الامتناع عن أداء الواجب، أو إخفاء المال، أو الخروج على نظام الدولة] (4) ، ولكن يشكل على الاستدلال بالحديث وبهذا التفسير أن قوله r: [ عزمة من عزمات ربنا] يدل على أن الأخذ متحتم وواجب، كما يدل على أن قدره في هذا الموضع محدد وهو شطر مال المانع لزكاته [فإنا آخذوها وشطر ماله] ، ومعلوم أن التعزير - حسب اصطلاح الفقهاء - أمره راجع إلى اجتهاد الإمام نوعًا وقدرًا وصفة، وهو ما يجعل هذا الحديث خارجًا عن هذه القاعدة، إذ على القول بهذا الحديث والأخذ به فيجب على الإمام أو نائبه أن يلتزمه في هذه المعصية، فلا يجوز له أن يترك أخذ شطر المال، كما أنه لا يجوز له التنازل عن القدر المسمى في الحديث أو الزيادة عليه، ولهذا فقد عد الإمام ابن حجر -رحمه الله- الأخذ بمقتضى هذا الحديث من المخالفات النادرة التي لا اعتبار لها فقال: [ويؤيده إطباق فقهاء الأمصار على ترك العمل، به فدل على أن له معارضًا راجحًا، وقول من قال بمقتضاه يعد في ندرة المخالف]

ولكن يمكن أن يجاب عن هذا الحديث وما شابهه بما نقلته عن الإمام ابن القيم -رحمه الله- وملخصه أن من العقوبات المالية ما هو مقدر ومضبوط قدرًا ونوعًا، وموطنه حيث جاءت الأحاديث ناصة على العقوبة المالية ومبينة قدرها، وعندها لا يعد تأثير الأسماء كبيرًا، فسواء سمي هذا النوع من العقوبات بالتعازير أم أخرج عن هذا الاسم فذلك ليس بضائر ما دام أصل إيقاع العقوبة قد جوِّز.

وكذلك يمكن أن يقال إن قول النبي r: [ عزمة من عزمات ربنا] ، ليس راجعًا إلى الشطر المأخوذ عقوبة، فيكون بها متحتمًا، وإنما إلى المال المفروض شرعًا والذي منع صاحبه دفعه ابتداء وهو الزكاة، فيكون المعنى أن الزكاة عزمة مفروضة أوجبها الله تعالى فلا يجوز إبطالها وليس لأحد منعها، ولهذا قال ابن الأثير رحمه الله: [ومنه الحديث"الزكاةُ عَزْمةٌ من عَزَماتِ الله تعالى"أي حقٌّ من حُقُوقهِ، وواجبٌ من واجباته] (1)

الثاني: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله r أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: [من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئًا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة] (2) ، وقد قدمنا أن الإمام أحمد وإسحاق قد أخذا بموجب هذا الحديث، ووجه الاستدلال به كسابقه، قال الدكتور محمد فتحي الدريني: [ووجه الاستدلال به ظاهر، وهو أن من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق، أو سرق من الجرين ما لا يقطع فيه، فعليه غرامة مثلي ما سرق أو أخرج من الثمر المعلق، وقد عبر الحديث عن ذلك صراحة بلفظ الغرامة، والأصل رد عين المسروق أو مثله أو قيمته حسب الأحوال، إذا هلك أو استهلك، فكان التغريم بالمثل الزائد عن مقدار الواجب عقوبة مالية، فضلًا عن العقوبة البدنية، لقوله r:"فعليه غرامة مثليه والعقوبة"فقد جمع الحديث الشريف بين عقوبة المال وعقوبة البدن لمعصية السرقة فيما لا قطع فيه، وإلزام الشارع العقوبة صريح، لقوله عليه السلام:"فعليه غرامة مثليه"لأن هذا التعبير بلفظ (على) يفيد الوجوب والإلزام، وقد ذكرنا أن العقوبة حكم لا يثبت إلا من قبل الشارع وبإلزامه، قالوا: وليس لهذه العقوبة المزدوجة من سبب آخر غير ما نص عليه في الحديث الشريف، وهو معصية إخراج غير ما يأكل من الثمر المعلق، وليس أمرًا تعبديًا خالصًا، وهذا ثابت بالسنة، فكان دليلًا على ثبوت أصل مشروعية أخذ المال من الجاني وهو ما نذهب إليه] (1)

الثالث: عن أبي هريرة عن النبي r قال: [في ضالة الإبل المكتومة غرامتها ومثلها معها] (2) ، قال العلامة أبو عبيد بن سلام- رحمه الله- في بيان معنى الحديث: [في حديثه عليه السلام في الضالة إذا كتمها قال: فيها قرينتها مثلها إن أدّاها بعد ما كتمها أو وُجِدتْ عنده فعليه مثلها، قال أبو عبيد: قوله:"فيها قرينتها مثلها، يقول: إن وجد رجل ضالة وهي من الحيوان خاصة، كأنه يعني الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والحمير، يقول: فكان ينبغي له أن لا يؤويها، فإنه لا يؤوي الضالة إلا ضالٌّ، وقال:"ضالة المسلم حرق النار"، فإن لم ينشدها حتى توجد عنده أخذها صاحبها، وأخذ أيضًا منه مثلَها، وهذا عندي على وجه العقوبة والتأديب له، وهذا مثل قوله في منع الصدقة: إنا آخذوها وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا ... لا أعرف للحديث وجهًا غير هذا، قال أبو عبيد: وليس الحكام اليوم على هذا، إنما يلزمونه القيمة] (3) "

ومع أن أدلة السنة المقررة لمثل هذا النوع من العقوبات التعزيرية كثيرة فإننا نكتفي بما ذكرناه، وننقل بعض أقضية الصحابة رضوان الله عليهم فيما يتعلق بجواز العقوبة المالية على وجه الأخذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت