الصفحة 24 من 40

أ - ... عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: [أصاب غلمان لحاطب بن أبي بلتعة بالعالية ناقة لرجل من مزينة، فانتحروها واعترفوا بها، فأرسل إليه عمر فذكر ذلك له، وقال: هؤلاء أعبدك قد سرقوا، انتحروا ناقة رجل من مزينة، واعترفوا بها، فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم أرسل بعدما ذهب فدعاه، وقال: لولا أني أظن أنكم تُجِيعونَهم حتى إن أحدهم أتى ما حرم الله عز وجل لقطعت أيديَهم، ولكن - والله - لئن تركتهم لأُغَرِّمنَّك فيهم غرامة تُوجعُك، فقال: كم ثمنها؟ للمُزَنيِّ قال: كنت أمنعها من أربعمائة، قال: فأعطه ثمانمائة] (1) ، وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن من استهلك شيئًا فليس عليه إلا قيمته أو مثله فقال فيما نقله عنه الزرقاني: [أجمع العلماء أنه لا يغرم من استهلك شيئًا إلا مثله أو قيمته] (2) ، وكلام ابن عبد البر يمكن أن يحمل على أصل ما يجب عليه ضمانه وتعويضه، أما على جهة العقوبة المقابلة لتفريط أو معصية كما في قصة حاطب فأنى للإجماع أن يُسلَّم أو يَسْلَم وهذا عمر رضي الله عنه يحكم بتضعيف الغرامة على حاطب رضي الله عنه، وهي قضية كثيرًا ما عدوا ما هو دونها من قبيل الإجماع السكوتي، وقد رد الإمام ابن حزم على من ادعى الإجماع لإبطال مدلول الأحاديث التي ذكرناها آنفًا، واحتج بفعل عمر هذا فقال -مع تعنيف في كلامه رحمه الله-: [فإن ادعوا في ترك هذه الأحكام الأربعة إجماعًا كذبوا، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد حكم بها بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، لا يعرف منهم له مخالف، ولا يدرى منهم عليه منكر، فأضعف قيمة الناقة المنتحرة للمزني على رقيق حاطب التي سرقوها وانتحروها ... ثم ساق أثر عمر بسنده] (3) ، كما ناقش الإمام الشافعيُ -رحمه الله- الإمامً مالكًا في قوله [وليس على هذا العمل عندنا ... إلخ] فقال: [فهذا حديث ثابت عن عمر يقضي به بالمدينة بين المهاجرين والأنصار، فإن خالفه غيره لازمٌ لنا، فتدعون لقول عمر السنة والآثار لأن حكمه عندكم حكمٌ مشهورٌ ظاهر لا يكون إلا عن مشورة من أصحاب رسول الله، فإذا حكم كان حكمُه عندكم قولهَم أو قول الأكثر منهم، فإن كان كما تقولون فقد حكم بين أصحاب النبي r بقوله في ناقة المزني، وأنتم تقولون حكمه بالمدينة كالإجماع من عامتهم، فإن كان قضاء عمر -رحمه الله- عندكم كما تقولون فقد خالفتموه في هذا وغيره، وإن لم يكن كما تقولون فلا ينبغي أن يَظهر منكم خلافُ ما تقولون أنتم، وأنتم لا تروون عن أحد أنه خالفه فتخالفون بغير شيء رويتموه عن غيره، ولا أسمعُكُم إلا وضعتم أنفسكم موضعًا تردون وتقبلون ما شئتم على غير معنى ولا حجة، فإن كان يجوز أن يعمل بخلاف قضاء عمر فكيف لم تجيزوا لغيركم ما أجزتم لأنفسكم، وكيف أنكرنا وأنكرتم على من خالف قول عمر والواحد من أصحاب رسول الله r في غير هذا؟] (1)

وعلى هذا فإن هذه الحادثة بينة الدلالة على المراد، ووجه الاستدلال بها في موضعين.

الأول: أن عمر رضي الله عنه توعد حاطبًا رضي الله عنه بتغريمه غرامة (توجعه) إنْ هو سيب عبيده وتركهم جياعًا حتى يقع منهم مثل ما وقع، وهذا الهم من عمر وحلفه وعزمه على تنفيذ ما هدد به يدل على مشروعية هذا الأمر عنده، كما أن قول عمر رضي الله عنه لحاطب:"لئن تركتهم"يحتمل أمرين:

أولهما: لئن تركتهم جياعًا سواء وقع منهم بسبب جوعهم سرقة أم لا فيكون التهديد بتضعيف الغرامة واقعًا على نفس التجويع.

وثاني الاحتمالين: لئن تركتهم كذلك حتى يقعوا في مثل ما وقع منهم من السرقة لأوجعنك بالغرامة، فيكون توعده منصبًا على التجويع وانضمام السرقة إليه، وفائدة هذا التفصيل أن حمله على الاحتمال الأول يصير العقوبة التعزيرية على وجه الأخذ ليست مقصورة على المعاصي المتعلقة بالأموال، إذ تجويع العبيد دون أن ينجروا إلى الوقوع في محظور السرقة لا متعلق له بشيء من معاصي الأموال، وفائدة أخرى تتعلق بموضوعنا تؤخذ من قول عمر:"لئن تركتهم لأغَرِّمنَّك فيهم غرامة توجعك"وفي لفظ"تشق عليك"، وهي أن هذه الغرامة التي هدد بها عمر حاطبًا مستقبلًا ظاهرها أنها أكثر مما أوقعه عليه في هذه القصة من تغريمه الضعف فقط، وهذا يعني أن قدر التغريم ليس أمرًا ثابتًا مقررًا لا يتغير ولا يتبدل، بل إن الأمر فيه حسب ما يرى الإمام، ومن ذا الذي لا يفهم من تهديد عمر إرادته زجر حاطب رضي الله عنه عن تجويع عبيده؟!.

الثاني: من مواضع الاستدلال في القصة أن عمر أضعف الغرامة على حاطب فعلًا في هذه الواقعة، فإذ كان ثمن الناقة المنحورة أربعمائة كما ذكر صاحبها زاد عمر عليه الضعف عقوبة لحاطب رضي الله عنه بسبب تجويع عبيده حتى حصل منهم ما حصل، وفي كلا موضعي الاستدلال فإن حاطبًا رضي الله عنه لم ينكر على عمر رضي الله عنه ما هم به وعزم عليه وما فعله وعاقب به من إضعاف الغرامة، ولئن كان حاطب رضي الله عنه يرى عدم مشروعية مثل هذا النوع من العقوبات، ويشعر أن عمر هضمه حقه وأخذ ماله بغير وجه مشروع لما سكت لعمر وهو صحابي جليل بدري من أهل الجنة بشهادة النبي r له كما في الحديث الذي رواه مسلم وغيره: [أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله r يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله r:"كذبت لا يدخلها، فإنه شهد بدرًا والحديبية] ، وهذه زيادة يستدل بها على أن حاطبًا رضي الله عنه كان يرى صحة ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه من إيقاع مثل هذا النوع من العقوبات، وهو مما يؤكد أن ما فعله عمر رضي الله عنه كان عقوبة تعزيرية رآها ولم تكن متعينة وإنما أراد بها الزجر الذي يقود إليه (الإيجاع) بالعقوبة، قال الإمام أبو عبيد بن سلام -رحمه الله-:[ ... وهذا عندي على وجه العقوبة والتأديب له، وهذا مثل قوله في منع الصدقة: إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا، وهذا كما قضى عمر رضي الله عنه على حاطب، وكان عبيده سرقوا ناقة لرجل من مزينة فنحروها، فأمر عمر بقطعهم ثم قال: ردوهم عليّ! وقال لحاطب: إني أراك تجيعهم، ثم قال للمزني: كم كانت قيمة ناقتك؟ قال: طُلِبَتْ مني بأربعمائة درهم، فقال لحاطب: اذهب فادفع إليه ثماني مائة درهم! فأضعف عليه القيمة"

عقوبةً له] (1) .

ولكن يُشكل على الاستدلال بإقرار حاطب رضي الله عنه لعُمر فيما فعل أن عبد الرزاق -رحمه الله- في روايته جعل القصة مع عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، وليست مع أبيه فقال -رحمه الله- بعد أن ساق سنده عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: [أن غلمة لأبيه عبد الرحمن بن حاطب سرقوا بعيرًا فانتحروه، فوجد عندهم جلده ورأسه، فرفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب، فأمر بقطعهم، فمكثوا ساعة وما نرى إلا أن قد فرغ من قطعهم، ثم قال عمر عليَّ بهم، ثم قال لعبد الرحمن: والله إني لأراك تستعملهم، ثم تجيعهم، وتسيء إليهم، حتى لو وجدوا ما حرم الله عليهم لحل لهم، ثم قال لصاحب البعير: كم كنت تعطى لبعيرك؟ قال: أربعمائة درهم، قال لعبد الرحمن قم فاغرم لهم ثمانمائة] (1) ، وقد صرح في رواية القصة نفسها قبل هذه أن هؤلاء الأعبد ممن تركهم حاطب رضي الله عنه بعد وفاته فقال عن عروة: [أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أخبره عن أبيه قال توفي حاطب وترك أعبدًا ... القصة] ، وهو مشكل جدًا لأن حاطبًا توفي سنة ثلاثين في خلافة عثمان رضي الله عنه؛ كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (2) ، وكلمة الأئمة متفقة على هذا، بل ذكروا أن عثمان بن عفان هو الذي صلى عليه، فكيف يكون أولئك العبيد ممَّن تركهم حاطب بعد وفاته والقصة إنما حصلت في خلافة عمر رضي الله عنه أي قبل موت حاطب بسبع سنين على أقل تقدير، فوفاة عمر رضي الله عنه وانقضاء مدة خلافته كانت سنة ثلاث وعشرين!

ومع ذلك فقد سيقت الواقعة - عند عبد الرزاق - بألفاظ متعددة صريحة بأنها حصلت بين عمر وعبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، ثم إن سائر روايات الحادثة لم يأت فيها تصريح بأن ما جرى إنما هو بين عمر وحاطب رضي الله عنهما، وإنما ذكروا أن الغلمان كانوا لحاطب ثم بَنوا على ذلك فهمًا لا روايةً أن القصة عينها كانت بين عمر وحاطب رضي الله عنهما، ولم أعثر -فيما اطلعت- في الروايات الثابتة بالأسانيد أن حاطبًا نفسه كان شاهدًا للواقعة مباشرًا لمجرياتها ولا ما هو نصٌ على أن المحاورة كانت بينه وبين عمر رضي الله عنه مع أن الأئمة جروا على جعلها بين الصحابيين الجليلين كما قال ابن عبد البر -رحمه الله-: [ما ذكر يحيى بن أبى كثير في حديثه هذا من أن حاطبًا كان شديدًا على الرقيق؛ يشهد له ما في الموطأ من قول عمر لحاطب حين انتحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة: أراك تجيعهم وأضعف عليه القيمة على جهة الأدب والردع] (3) ، ورواية الموطأ - كما نقلتها أعلاه- ليس فيها تصريح بأن كلام عمر كان لحاطب، ونظيره قول الحافظ بن حجر -رحمه الله-: [وروى مالك في الموطأ له قصة مع رقيقه في عهد عمر] (1) ، وقال الإمام الذهبي -رحمه الله-: [وقد أتى بعضُ مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم؛ فلامه في ذلك] (2) . فحاصل القول وبالنظر إلى مجموع الروايات، فالظاهر أن العبيد الذين سرقوا الناقة كانوا ملكًا لحاطب رضي الله عنه، أو هم مختلطون بين عبيده وعبيد ابنه عبد الرحمن، والذي باشر القصة ووقعت محاورته مع عمر هو عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، فقام مقام أبيه في ذلك، وهذا أمرٌ ليس بمستبعد ولا بمستغرب، وأما كون الحادثة وقعت بعد وفاة حاطب ومع من خلَّفهم من العبيد فهذا وهمٌ من أحد الرواة والله تعالى أعلم.

ثم إن ما وقع هنا لعبيد حاطب بن أبي بلتعة قد وقع نظيره بعدُ ولم ير ابن عباس إلا أن على سادتهم ضمان ما أتلفه العبيد، ثم إن رأى القاضي جلدهم على تعديهم عاقبهم بذلك، فقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني عبد الله بن أبي مليكة: [أن عبدين عَدَوَا وهو عامل الطائف على خِمار امرأة فسألتهما، فقالا: حملنا عليه الجوع، واضطررنا إليه، قلت: أكانا آبقين؟ قال: لم أعلم، قال: فكتبت فيهما إلى ابن عباس، وإلى عبيد بن عمير وعباد بن عبد الله بن الزبير، فكتب عباد: أن اقطعهما، وكتب عبيد بن عمير: أن قد أحل الميتة والدم ولحم الخنزير لمن اضطر، وكتب ابن عباس وقد كنت كتبت إليه بما اعتلاَّ به من الجوع، فكتب: أن قد أصبت لا تقطعهما، وغرِّم سادتهما ثمن الخِمار، وإن كان فيهما جلد فاجلدهما لئلا يعتل العبد بالجوع] ، فهو قد وافق عمر رضي الله عنه في أن شدة الجوع مما يدرأ به الحد، ووافقه في تغريم ما أخذه العبيد إلا أن عمر ضعَّف الغرم عقوبة وزجرًا، وابن عباس رضي الله عنه في هذا الموضع اكتفى بتغريم ثمن الخِمار وجعل عقوبة العبيد هي الجلد إن رأى القاضي ذلك، مما يؤكد أن ما ذهب إليه عمر لم يكن شيئًا لازمًا متحتمًا ولا حكمًا ثابتًا مستقرًا لا يتغير، وإنما هو عقوبة مالية اجتهادية يوقعها الحاكم إن رأى المصلحة فيها.

هذا فيما يتعلق بالنوع الأول من أنواع العقوبات المالية وهو إيقاعها على طريق الأخذ، وأما النوعان الآخران فالخطب فيهما يسير إذ هما داخلان في باب تغيير المنكر غالبًا، ومع هذا فحسمًا للشكوك فإنني أسوق بعض الأدلة عليهما كما سيقت لسابقهما.

ثانيًا: التعزير بالإتلاف: وصور الإتلاف متعددة، فمنها ما يكون المال محترمًا في أصله ووضعه، ولكن لأنه ساق إلى المعصية وأوقع فيها فيتم إتلافه حرقًا أو تحطيمًا أو إراقة أونحو ذلك، وقد يكون المال منهيًا عن بقائه على هيئة معينة وصورة محددة فتغير تلك الصورة وتمحى من أصلها ويتلف معها المال عقوبة لمن اتخذ ما نهي عنه وحسمًا لمادة الفساد والإفساد وأدلة ذلك:

1 -قال الله تعالى حاكيًا ما فعله موسى عليه السلام بعجل بني إسرائيل الذي اتخذوه إلهًا:] وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا [ (طه:97) ، فلم يكتفِ موسى عليه السلام بتغيير شكل ذاك الصنم، ولم يقتصر على إزالة هيئته التي هو عليها وإذهاب صورته التي عُبِدَ بها، بل زاد فوق ذلك تحريقه بالنار ثم نسف برادته في البحر، وقد كان ذاك العجل مصنوعًا من الذهب والفضة وهما أثمن أنواع المال وأغلاهما كما قال سبحانه:] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ [ (الأعراف:148) ، هذا وإن كان المقصود الأول والأساس من التحريق والنسف هو نزع ما في قلوب عابدي العجل من التعظيم، وتبيين عجز إلههم عن حماية نفسه وإنقاذها من الحرق والغرق، فإنه أيضًا عقوبة لهم على مخالفتهم الحق وإشراكهم بالله العظيم؛ وذلك بإتلاف المال الذي اتخذوا منه العجل وجعلوه إلهًا لهم، قال الإمام ابن القيم: [قد أخبر الله سبحانه عن كليمه موسى عليه السلام: أنه أحرق العجل الذي عبد من دون الله، ونسفه في اليم، وكان من ذهب وفضة، وذلك محق له بالكلية، وقال عن خليله إبراهيم عليه السلام:"فجعلهم جُذاذًا"وهو الفتات وذلك نص في الاستئصال] (1) .

2 -عن أنس عن أبي طلحة أنه قال: [يا رسول الله إني اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، فقال: أهرق الخمرة واكسر الدنان] (2) ، وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: [أمرني النبي r أن آتيه بمدية - وهي الشفرة - فأتيته بها، فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال: اغد علي بها ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلا شققته] (1)

فهذه الأوعية من الزقاق والدنان لما كانت ظروفًا وأوعية لما نهى الله عنه أمر النبي r بشقها وكسرها، مع جواز الانتفاع بها بعد غسلها كما جاء في بعض الروايات بعد أن شرع النبي r في شقها بالمدية قال الناس: [في هذه الزقاق منفعة، فقال أجل ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا لله عز وجل، ولما فيها من سخطه] (2) ، وهو يبين أن تمزيقها وتكسيرها لم يكن لأجل تنجسها بالخمر - على قول من يقول بذلك- فإن ذلك يحصل بغسلها كغيرها من المتنجسات، ولذا فليس إتلاف الأوعية متعينًا بل إن كانت المصلحة في إراقة ما فيها والاكتفاء بذلك من غير إتلاف للظروف اكتفي به، وإن كانت المصلحة في إتلافها شقًا أو تكسيرًا أو تحريقًا جاز ذلك أيضًا، وقد بوّب البخاري فقال: [باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، أو تخرق الزقاق] قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-: [لم يبين الحكم لأن المعتمد فيه التفصيل؛ فإن كانت الأوعية بحيث يراق ما فيها وإذا غسلت طهرت وانتفع بها لم يجز إتلافها وإلا جاز ... فأشار المصنف إلى أن الحديثين -حديث أبي طلحة وابن عمر - إن ثبتا فإنما أمر بكسر الدنان وشق الزقاق عقوبة لأصحابها، وإلا فالانتفاع بها بعد تطهيرها ممكن كما دل عليه حديث سلمة أول أحاديث الباب] (3) ، والشطر الأول من كلام الحافظ -رحمه الله- يفهم منه أنه لا يجوز الإتلاف مع إمكان الانتفاع بالأوعية، ولا شك أن الانتفاع يمكن أن يحصل بتطهيرها وغسلها كما أقر النبي r أصحابه على وجود المنفعة في الزقاق التي شقّها، إلا أن قيام تلك المنفعة لم تمنع من الإتلاف، ولذا فإن التفصيل الذي اعتمده الحافظ أول الكلام لا يأتلف مع قوله: [فإنما أمر بكسر الدنان وشق الزقاق عقوبة لأصحابها ... إلخ] لأن العقوبة لا تكون بشيء لا ينتفع به أصلًا، فالمحرم ذاتًا ليس بمال محترم، فالصحيح -والله أعلم- أنه يجوز إتلاف أوعية الخمور بكسرها أو تمزيقها أو حرقها على وجه العقوبة والزجر وذلك مع وجود المنفعة في تركها بعد التطهير، ويجوز إبقاؤها وتطهيرها والانتفاع بها، وكل ذلك بحسب ما يظهر للإمام من المصحلة ويترجح لديه من أوجه التفضيل، ودليل هذا التخيير كما قال شيخ الإسلام وهو يعدد بعض صور التعزير المالي: [وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر، ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا أفلا نزيفها ونغسلها، فقال: افعلوا فدل ذلك على جواز الأمرين، لأن العقوبة بذلك لم تكن واجبة] (1) ، وقال أيضًا: [الحديث الوارد في أوعية لحوم الحمر حجة أيضًا في المسألة، فإنه أمر أولًا بتكسير الأوعية، ثم لما استأذنوه في الغسل أذن فيه، فعلم بذلك أن الكسر لا يجب، وليس فيه أنه لا يجوز، بل يقال يجوز الأمران الكسر والغسل، وكذلك يقال في أوعية الخمر أنه يجوز إتلافها ويجوز تطهيرها، فإذا كان الأصلح الإتلاف أتلفت، ولو أن صاحب أوعية الخمرة والملاهي طهر الأوعية وغسل الآلات لجاز بالاتفاق، لكن إذا أظهر المنكر حتى أنكر عليه فإنه يستحق العقوبة بالإتلاف، والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا علموا التحريم فأسقط عنهم الإتلاف لذلك والله أعلم] (2) ، وحديث الأمر بكسر القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر الأهلية عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: [خرجنا مع رسول الله r إلى خيبر، ثم إن الله فتحها عليهم، فلما أمسى الناس اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله r:"ما هذه النيران على أي شيء توقدون؟ قالوا: على لحم قال: على أي لحم؟ قالوا على لحم حمر إنسية، فقال: رسول الله r أهريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها، قال أو ذاك] (3) . 3 - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأى النبي r عليَّ ثوبين معصفرين فقال: [أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما] (4) ."

وهذا تغليظ منه r بإتلاف هذين الثوبين لأنهما من لباس الكفار كما ورد في روايات أخرى صحيحة فعن عبد الله بن عمرو أيضًا أن رسول الله r رأى عليه ثوبين معصفرين قال: [هذه ثياب الكفار لا تلبسها] (5) ، ومما يبين أن هذه العقوبة تعزيرية وليست متعينة وإنما هي خاضعة لترجيح الأصلح من إتلافها أو نقلها عن وصفها الذي نهى الشارع عنه ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: [أقبلنا مع رسول الله من ثنية، فالتفت إليّ وعليّ ربطة مضرجة بالعصفر، فقال: ما هذه؟ فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد، فقال: يا عبد الله ما فعلت الربطة؟ فأخبرته، فقال ألا كسوتها بعض أهلك؟] والشاهد أن النبي r لم يأمره في هذا الموطن بحرق ما كان عليه مع كراهته له كما فهم ذلك عبد الله بن عمرو، بل أخبره أنه كان يكفيه بل الأولى له أن يكسوه بعض النساء من أهله، وذلك لأنه ليس محظورًا في حقهن كالرجال، قال الشوكاني -رحمه الله- عن حديث مسلم: [قال القاضي عياض أمْرُه بإحراقهما من باب التغليظ والعقوبة انتهى، وفيه حجة على جواز المعاقبة بالمال] (1) ، وقال الإمام النووي -رحمه الله-: [قوله r:"أمك أمرتك بهذا؟"معناه أن هذا من لباس النساء وزيهن وأخلاقهن، وأما الأمر بإحراقهما فقيل هو عقوبة وتغليط لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل، وهذا نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها وأنكر عليهم اشتراط الولاء ونحو ذلك] (2) ، وقال الإمام الذهبي رحمه الله: [والإحراق هنا تعزيز، ولعل صبغهما كان لا يزول كما ينبغي، والمعصفر يرخص للمرأة] (3)

والأحاديث في هذا النوع من العقوبات كثيرة نكتفي بما سقناه منها، وأما بعض ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك:

أ. ... ما جاء في المدونة من أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه، ولا شك أن اللبن وإن شابه صاحبه بالماء إلا أن ذلك لا يخرجه عن كونه مالًا محترمًا، ولكن لما اقترنت به معصية غش المسلمين، وخشية أن يستشري ذلك بينهم ويألفوه جوز عمر (إتلاف) هذا المال عقوبة لصاحبه وتأديبًا له على ما ارتكبه، مع أن هذه الإراقة والطرح على الأرض ليست متعينة بل إن رأى الإمام أن يكتفي بالتصدق بالمال (اللبن المغشوش) على الفقراء لينتفعوا به مع حصول الغرض من زجر الغاش وتأديبه اقتصر على ذلك، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب؛ حيث رأى رجلًا قد شاب اللبن بالماء المبيع فأراقه عليه، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي r أنه:"نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع"، وذلك بخلاف شوبه للشرب، لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر، وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز، والطبيخ، والشواء، كالخبز، والطعام الذي لم ينضج، وكالطعام المغشوش؛ وهو الذي خلط بالرديء وأظهر المشترى أنه جيد ونحو ذلك، يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه، وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه، وعمر أتلفه لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلًا وإما معدومين] (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت