الصفحة 25 من 40

ولنا هنا وقفة مع إحدى الوقائع العصرية الشبيهة والتي يمكن أن تلحق بهذه الصورة وتعطى حكمها ونذكرها ولو اختصارًا لمسيس الحاجة إليها، وعظم البلوى بها، وهي أن هناك كثيرًا من المحلات التجارية التي تقوم أساسًا على بيع بعض الأمور المحرمة - إما أصالة كالخمر وإما حسب الصفة التي تباع بها في المحلات - وذلك مثل محلات أشرطة الفيديو ونحوها والمحتوية على أفلام خليعة، وتمثيليات ماجنة، ومسلسلات فاسدة مفسدة، قد تضمنت أمورًا محرمة مركبة، كالتبرج، والاختلاط، والموسيقى، والتحريض على الفواحش ونشرها بين المسلمين، وإشاعة القصص والروايات المفسدة للعقائد، والأخلاق، والآداب، والسلوك الإسلامية وغير ذلك مما لا يكاد يحصى، ومثلها المحلات القائمة على بيع أشرطة الكاسيت ذات الغناء المحرم مما يكاد تحريمه يفوق الخمر لما يفعله في العقول والقلوب من السكر والهيام وطيش العقول، وذكر المفاتن والتغزل المثير للفواحش، فهذه المحلات تعد منكرًا عظيمًا يجب تغييره بحسب الإمكان وبقدر الطاقة، مع مراعاة المصالح والمفاسد حسب الزمان والمكان، وتغييرها يجوز بإتلافها رأسًا إما بإحراقها أوهدمها كما فعل الخلفاء الراشدون في بعض الدور التي يباع فيها الخمر مما سنذكره قريبًا، كما يجوز أن تؤخذ هذه الأشرطة ويزال ما فيها من المواد المنكرة ثم تسجل فيها أشياء نافعة من الخطب والدروس والمواعظ والمحاضرات وما شابه ذلك مما ينتفع به الناس ثم تنشر بينهم، فإذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أراق لبنًا مشوبًا بماء، وهذه الصورة ليست محرمة في أصلها ولكن لما تضمنته من غش المسلمين عند بيعها لهم، فكيف لا يجوز إتلاف ما هو محرم ومنكر باتفاق المسلمين، مما صارت آثار إفساده ملموسة ظاهرة للعيان حيث هدت المجتمعات الإسلامية هدًا، وأبعدتها عن الهدى والحق مراحل ومراحل.

وإذا كان بعض الفقهاء جوز أن يتصدق باللبن المغشوش على الفقراء بغية الانتفاع به وسد الخلة مع ما يحصل للغاش من الانزجار، فكيف لا يجوز أن يستفاد من هذه الأدوات بعد إزالة مادتها المحرمة ومن ثم تسخيرها في دعوة الناس وتعليمهم، ولكن كما ذكرنا ينبغي أن يعلم أن من المقاصد الأولى - فوق إنكار هذا المنكر وإزالته - هو زجر القائمين عليه، وردعهم عن نشر الفواحش والموبقات بين المسلمين، وذلك يكون غالبًا بعلمهم أن تجارتهم خاسرة، وأن محلاتهم معرضة لخطر الحرق أو الهدم أو الأخذ فينكفون عنها، فإذا كان زجرهم لا يكون إلا بحرق المحلات وهدمها أو تحطيم ما بداخلها وتكسيرها تعين ذلك، وإذا كانوا يرتدعون ويتخلون عن إفسادهم بسحب ما عندهم من الأشرطة وأخذها منهم قهرًا وجبرًا ومن ثم انتفاع الناس بما يوضع فيها من المواد الحسنة اكتفي بذلك، وأي الأمرين كان أصلح وأجدى تعين الأخذ به ولا حرج فيه ولا ضمان على متلفه، بل هو مأجور مثاب -إن شاء الله- إن احتسب عمله وأخلص نيته، وفتاوى العلماء في نظائر هذا مشهورة معلومة، قال ابن القيم -رحمه الله-:[قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل كسر عودًا كان مع أمة لإنسان، فهل يغرمه أو يصلحه؟ قال: لا أرى عليه بأسًا أن يكسره، ولا يغرمه ولا يصلحه، قيل له: فطاعتها؟ قال ليس لها طاعة في هذا.

وقال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن قوم يلعبون بالشطرنج فنهاهم فلم ينتهوا فأخذ الشطرنج فرمى به؟ قال قد أحسن، قيل: فليس عليه شيء؟ قال: لا، قيل له: وكذلك إن كسر عودًا أو طنبورًا؟ قال نعم.

وقال عبد الله سمعت أبي - في رجل يرى مثل الطنبور، أو العود، أو الطبل، أو ما أشبه هذا - ما يصنع به؟ قال إذا كان مكشوفًا فاكسره] (1) ، قال الشيخ محمد خليل هراس: [وهكذا السنة في البيوت التي تمارس فيها المنكرات كبيوت البغاء، وحوانيت الخمر، وموائد القمار، وغير ذلك أن تحرق بالنار حتى تكون عبرة ونكالًا] (1) ، ويؤيد ما ذكرناه أيضًا وهو مما يقوي التعزير بالإتلاف والذي ما زلنا في صدد الكلام عنه.

ب. ما رواه عبد الرزاق بسنده عن صفية ابنة أبي عبيد قالت: [وجد عمر بن الخطاب في بيت رويشد الثقفي خمرًا - وقد كان جلد في الخمر - فحرق بيته وقال: ما اسمه قال: رويشد، قال: بل فويسق] (2) ، ومعلوم أن تحريقه للبيت إنما كان بسبب اتخاذه متجرًا يبيع فيه الخمر، وما أشرنا إليه في مسألة محلات أشرطة الفيديو والكاسيت هي نظيرة هذه بل أشد منها.

ج. ومثل ذلك ما رواه أبو عبيد في، عن ربيعة بن زكاء - أو ربيعة بن زكار - قال: [نظر علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى زرارة فقال ما هذه القرية؟ قالوا قرية تدعى زرارة يلحم فيها، تباع فيها الخمر، قال أين الطريق إليها؟ فقالوا باب الجسر، فقال قائل: يا أمير المؤمنين نأخذ لك سفينة تجوز مكانك، قال فقال تلك سخرة، ولا حاجة لنا في السخرة، انطلقوا بنا إلى باب الجسر فقام يمشي حتى أتاها فقال: عليَّ بالنيران، أضرموها فيها، فإن الخبيث يأكل بعضه بعضًا، قال: فاحترقت من غربيها حتى بلغت بستان خواستا بن جبرونا] (3) ، فهذه هي سيرة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم في محلات الفساد ومواطن الإفساد فما ابتدع من تشبه بهم واستن بسنتهم، بل بسنة المصطفى r اقتدى وبهديهم اهتدى، وما سنتهم إلا من سنته.

قال ابن القيم وهو يعدد الفوائد المستنبطة من غزوة تبوك: [فصل: ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله r مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر اسم الله فيه، لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيله إما بهدم وتحريق وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، وكذلك محال المعاصي والفسوق، كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر بن الخطاب قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي، وسماه فويسقًا، وحرق قصر سعد عليه لما احتجب فيه عن الرعية، وهم رسول الله بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا يجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك] (1)

د. ما رواه سعيد بن منصور - وقال: سنده صحيح - قال نا هشيم قال نا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل بن عوف عن أبي عمرو الشيباني قال: [بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رجل كان يكون بالسواد يتجر في الخمر فأثرى وكثر ماله، فكتب فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اكسروا كل مال وجدتموه له، وسيبوا كل ماشية هي له] (2) .

ثالثًا التعزير بالتغيير: أما عن القسم الثالث من أقسام التعازير المالية وهو التغيير فأمره ظاهر ولا يحتاج إلى إطالة لأنه إن جاز إتلاف أماكن المعاصي هدمًا أو تحريقًا أو تكسيرًا فجواز تغيير الهيئة والصورة المنهي عنها وطمسها مع بقاء المادة وعدم ذهابها من باب أولى، وهذا إنما يكون في الصفات والصور والأشكال التي نهى الشارع عن بقائها على تلك الهيئة كما هو الحال في الصور والأصنام.

وهناك قسم رابع يمكن أن يضاف إلى أقسام العقوبات المالية، وهو حبس المال عن صاحبه مدة حتى تظهر فيها توبته وتتبين أوبته، وهذا يمكن أن يؤخذ من كلام الفقهاء الذين فسروا كلام الإمام أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فيما نقلناه عنهم سابقًا، بل على القول بجواز التعزير بالأخذ، والإتلاف ينبغي أن لا يختلف في مثل هذا الضرب من العقوبات، لأنه يجمع بين أمرين:

الأول: بقاء المال على صاحبه وعدم أخذه أو إتلافه.

الثاني: وقوع المقصود من العقوبات وهو الزجر والحض على التوبة والانكفاف عن المعاصي.

هذا وليس ما ذكرته من الأدلة في ترجيح قول من ذهب إلى جواز التعزير بالعقوبات المالية هو من باب الحصر والاستقصاء فهي كثيرة وذكرها تفصيلًا يطول، وإنما المقصود الإشارة بما يغني ويكفي في أداء المرام، وقد لخص شيخ الإسلام الكلام في مشروعية العقوبات االتعزيرية بقوله: [بل العقوبات المالية كالعقوبات البدنية، تستعمل على الوجه المشروع، بل هي أولى بالاستعمال، فإن إتلاف الأبدان والأعضاء أعظم من إتلاف الأموال، فإذا كان جنس الأول مشروعًا فجنس الثاني بطريق الأولى] (1)

ثم إنه بالتتبع والاستقراء لما ذكرته من الأدلة وما استدل به القائلون على جواز العقوبات المالية، يظهر أن هذه العقوبات تختص بالمعاصي التي لها نوع تعلق بالأموال - إن كانت العقوبة على وجه الأخذ - وأما إن كانت على وجه التغيير والإتلاف فهو في حقيقته ضرب من ضروب تغيير المنكر، وإن عد من التعازير المالية بالنظر إلى وقوع التأثير والإيلام لصاحبه، وعليه فهذا القيد يضاف إلى ما ذكرته أعلاه، فيكون جواز التعزير بأخذ المال مقصورًا ومنحصرًا في المعاصي التي ترتبط بالأموال، وليس مطلق المعاصي، فلا يجوز مثلًا أخذ المال - على وجه العقوبة - لمن قبل أجنبية، أو يتعرض للصبيان في الطرقات، أو يطلع على عورات الناس في بيوتهم، أو ممن وقع منه السب، أو الشتم، أو الضرب ظلمًا وعدوانًا، ونحو ذلك من المعاصي والجنايات التي لا صلة لها بالأموال في أصلها، هذا ما ظهر لي في المسألة والله تعالى أعلم.

وممن ذهب إلى القول بجواز التعزير بالعقوبات المالية - دون الإشارة إلى القيد الأخير الذي ذكرته - من المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد -وفقه الله- فقد قال بعد أن ذكر اختلافات العلماء ومقارنتها بكلام الإمام ابن القيم: [وأرجح القولين فيما يظهر لي والله أعلم - هو جواز التعزير بالمال إذا تحققت المصلحة التعزيرية كما اختاره الإمام ابن القيم والله أعلم] (2) ، وكذلك الدكتور محمد فتحي الدُريني بعد أن بحث المسألة بحثًا مستفيضًا مستوفي، واستقصاها من نواحيها الأصولية والفقهية مع مقارنة أقوال الفقهاء وتتبع استدلالاتهم قال: [وبذلك يترجح لديك مشروعية التغريم بالمال، على بعض الجرائم والجنايات غير المقدرة إذا اقتضت ذلك المصلحة المعتبرة، لأن ذلك علم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد، كما قال الشاطبي، شريطة أن يكون الإمام عدلًا، لِمَا ثبت أصله في القرآن الكريم بإدراك حكمة تشريعه، وأقضية الرسول r وأقواله، وباستفاضة آثار الخلفاء والصحابة في أقضيتهم واجتهادات كثير من الأصوليين والفقهاء في المذاهب المختلفة، وبالمعقول حماية للدين والدنيا والله ولي التوفيق] (1)

ثانيا: التعزير بالقتل:

التعزير بالقتل هو أيضًا من العقوبات التي اختلف فيها العلماء، فقد ذهب بعض الفقهاء إلى جوازها في مواضع مخصوصة بشروط معينة، كقول المالكية بجواز قتل الجاسوس المسلم وهو قول لبعض الحنابلة، وكقتل الداعية إلى البدع المغلظة المخالفة للكتاب والسنة كالجهمية، وكما ذهب الأحناف إلى جواز قتل اللوطي الذي تكرر منه هذا الفعل، ومثله -عندهم- القاتل بمثقل إذا تكرر منه، هذا هو ملخص أقوال العلماء إجمالًا ونشرع في ذكر أدلتهم وبيان ما يترجح منها مع محاولة الاختصار قدر الإمكان والله هوالمستعان:

الأول: مذهب الأحناف:

يُدخل الأحناف بعض الصور التي تعد من باب دفع الصائل وتغيير المنكر في مسمى التعزير بالقتل، هذا مع أن هناك صورًا تعد من باب التعزير إلا أنهم يطلقون عليها القتل سياسة، فمن القسم الأول ما جاء في الدر المختار: ["ويكون"التعزير"بالقتل كمن"وجد امرأة مع من لا تحل له، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر، وكذا الغلام .."إن كان يعلم أنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح وإلا"بأن علم أنه ينزجر بما ذكر"لا"يكون القتل"، وإن كانت المرأة مطاوعة قتلهما".."ولو كان مع امرأته وهو يزني بها أو مع محرمه وهما مطاوعان قتلهما جميعا"] (2) ، وهذه الصورة التي ذكرها الأحناف على القول بها فإنها - وحسب تعريف التعزير وشروطه- تعد من باب دفع الصائل لا سيما الصورة الأولى وهي إكراه المرأة على الزنا لاندراجها بالأولى في قول النبي r الذي رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه قال: [جاء رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار] (3)

ومما يدل على التدرج الذي ذكروه ما جاء بلفظ: [أرأيت إن عدا على مالي؟ قال: أنشد الله، قال: فإن أبوا علي؟ قال أنشد الله، قال: فإن أبوا علي؟ قال: قاتل فإن قُتلتَ ففي الجنة وإن قَتلتَ ففي النار] (1) ، ولأنه من باب دفع الصيال فإنهم لا يفرقون في هذه الصورة بين محصن وغيره وصرحوا بكونه من الأمر بالمعروف حيث جعلوه علة لما ذهبوا إليه فقالوا: [لأنه ليس من الحد بل من الأمر بالمعروف] (2) ، وقال ابن عابدين: [قال في النهر: ورده ابن وهبان - أي اشتراط الإحصان - بأنه ليس من الحد، بل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حسن، فإن هذا المنكر حيث تعين القتل طريقًا في إزالته فلا معنى لاشتراطه الإحصان فيه] (3) .

وأما ما كان على وجه التعزير بالمعنى الاصطلاحي المعروف فقد ذكر ابن تيمية -رحمه الله- أن من أصول الأحناف أن ما شرع القتل في جنسه إذا تكرر فعله من الشخص فإن للإمام أن يقتله تعزيرًا، وذلك كمن تكرر منه فعل فاحشة اللواط والقتل بمثقل فإن الأحناف لا يوجبون حدًا على اللوطي ولا قصاصًا على من قتل بمثقل، ولكن من تكرر منه هذا الفعل فيجوز عندهم أن يقتل على وجه التعزير كفًَّا لشره.

وفي هذا يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وممن يجوز التعزير بالقتل في الذنوب الكبار أصحاب أبي حنيفة في مواضع يسمون القتل فيها سياسة؛ كقتل من تكرر لواطه أو قتله بالمثقل، فإنهم يجوزون قتله سياسة وتعزيرًا، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب ذلك، بل ولا يجوزه فيمن فعله مرة واحدة، وأما صاحباه فمع سائر الأئمة فيخالفون في أنه يجب القود في القتل، وفي وجوب قتل اللوطي إما مطلقًا سواء كان محصنًا أو غير محصن، كمذهب مالك، وأحمد في أشهر روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، وإما أن يكون حده مثل حد الزاني كقول صاحبي أبي حنيفة، والشافعي في أشهر قوليه، وأحمد في أحد روايتيه] (4) ،

وقال أيضًا: [ومن أصولهم - أي الأحناف - أن ما لا قتل فيه عندهم، مثل القتل بالمثقل، والجماع في غير القبل، إذا تكرر فللإمام أن يقتل فاعله، وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك، ويحملون ما جاء عن الرسول وأصحابه من القتل في مثل هذه الجرائم على أنه رأى المصلحة في ذلك، ويسمونه القتل سياسة، وكان حاصله أن له أن يعزر بالقتل في الجرائم التي تغلظت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي r من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا يقتل سياسة وهذا متوجه على أصولهم] (1) ، وقد نقل ابن عابدين كلام شيخ الإسلام بنصه مقرًا له في موضعين من حاشيته (2) ،فقد قال بعد أن نقل كلام ابن تيمية السابق: [ولهذا أفتى أكثرهم بقتل من أكثر من سب النبي من أهل الذمة وإن أسلم بعد أخذه، وقالوا يقتل سياسة وهذا متوجه على أصولهم اهـ] قال ابن عابدين: [فقد أفاد أنه يجوز عندنا قتله إذا تكرر منه ذلك وأظهره، وقوله: وإن أسلم بعد أخذه، لم أر من صرح به عندنا لكنه نقله عن مذهبنا وهو ثبت فيقبل] (3) .

وقال شيخ الإسلام أيضًا: [وكذلك أبو حنيفة يعزر بالقتل فيما تكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط، أو اغتيال النفوس لأخذ المال ونحو ذلك] (4) ، وقال ابن القيم: [وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، وقد صرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيرًا، وكذلك قالوا إذا قتل بالمثقل فللإمام أن يقتله تعزيرًا، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا، وصاحباه يخالفانه في المسألتين وهما مع جمهور الأمة] (5) ، وقال -رحمه الله-: [من أصولهم - أي الأحناف - أن ما لا قتل فيه عندهم مثل القتل بالمثقل والتلوط وسب الذمي لله ورسوله وكتابه ونحو ذلك، إذا تكرر فعلى الإمام أن يقتل فاعله تعزيرًا] (6) ، وقد أطلق ابن نجيم القول بجواز التعزير بالقتل، حيث قال وهو يعدد بعض العقوبات التعزيرية: [وجواز التعزير بالقتل] (7) ، فالظاهر أنه محمول على هذه الصور المذكورة وما شابهها.

خاصة أن ابن القيم قد ذكر أن أبعد الناس من التعزير بالقتل هو أبو حنيفة كما قال: [وأبعد الأئمة من التعزير بالقتل أبو حنيفة، ومع ذلك فيجوّز التعزير به للمصلحة كقتل المكثر من اللواط وقتل القاتل بالمثقل] (8) .

وقال ابن نجيم نقلًا عن فتح القدير: [ولو اعتاد اللواطة قتله الإمام محصنًا كان أو غير محصن سياسة] (1) ، ومما ذكروه أيضًا من تكرر منه الخنق أو التغريق، بأن قتل بالخنق أو التغريق مرارًا فإنه يقتل سياسة، وإن لم يوجبوا القصاص في المرة الواحدة قال ابن عابدين: [ومن تكرر الخنق بكسر النون منه في المصر أي خنق مررًا .. قتل به سياسة لسعيه بالفساد، وكل من كان كذلك يدفع شره بالقتل، وإلا بأن خنق مرة لا، لأنه كالقتل بالمثقل وفيه القود عند غير أبي حنيفة اهـ] (2)

وهذا الحكم ليس خاصًا بالخنق، أو التغريق، بل يعم كل قتل تكرر مما يدخل فيما يسمونه بشبه العمد كما نقلناه عنهم في القتل بالمثقل، ولهذا قال ابن عابدين في موضع آخر من كتابه: [ثم هذا غير خاص بالخنق لما قدمه في شبه العمد إنه لا قود فيه إلا أن يتكرر منه، فللإمام قتله سياسة] (3) ، ومثل هذا عندهم السارق إذا تكررت منه السرقة فللإمام أن يقتله سياسة درءًا لسعيه في الأرض بالفساد قال ابن عابدين: [وفي حاشية السيد أبي السعود رأيت بخط الحموي عن السراجية ما نصه: إذا سرق ثالثًا ورابعًا للإمام أن يقتله سياسة لسعيه في الأرض بالفساد اهـ قال الحموي: فما يقع من حكام زماننا من قتله أول مرة زاعمين أن ذلك سياسة جور وظلم وجهل، والسياسة الشرعية عبارة عن شرع مغلظ اهـ] (4) ، وقال ابن نجيم: [قوله:"للإمام أن يقتله سياسة"أي إن سرق بعد القطع مرتين لا ابتداء، كذا ذكره بعضهم، وكلامه في النهر يفيد أن جواز قتله سياسة محمول على ما إذا سرق في الخامسة، حيث قال في الجواب عن الحديث السابق: وبتقدير ثبوته فهو محمول على السياسة بدليل أنه قال في الخامسة:"فإن عاد فاقتلوه"، فسياق كلامه يفيد أن قتله سياسة قبل الخامسة لا يجوز، لكن رأيت بخط الحموي عن السراجية ما نصه إذا سرق ثالثًا ورابعًا للإمام أن يقتله سياسة لسعيه في الأرض بالفساد. اهـ] (5) ، وقد يستدل لقولهم في قتل السارق إذا تكررت منه السرقة بما رواه جابر رضي الله عنه قال: [جيء بسارق إلى النبي r فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جيء به الثالثة، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: اقطعوه، ثم أتي به الرابعة، فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال اقطعوه، فأتي به الخامسة فقال: اقتلوه، قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة] (1) .

وبما رواه أبو يعلى في: [عن محمد بن حاطب قال: ذكر ابن الزبير، قال طالما حرص على الإمارة، قلت: وما ذاك؟ قال: أتي رسول الله r بلص فأمر بقتله، فقيل: إنه سرق، فقال: اقطعوه، ثم جيء به بعد ذلك إلى أبي بكر وقد قطعت قوائمه، فقال أبو بكر: ما أجد لك شيئًا إلا ما قضى فيك رسول الله r يوم أمر بقتلك، فإنه كان أعلم بك، فأمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم، فقال ابن الزبير: أمِّروني عليكم، فأمَّرناه علينا، فانطلقنا به إلى البقيع فقتلناه] (2)

ومما نصوا عليه واعتبروه من ضروب القتل سياسة قتل المبتدع الداعي إلى بدعته حين يكون رأسًا لأتباعه، ففي ذلك يقول ابن عابدين -رحمه الله-: [مطلب في أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم: وفي نور العين عن التمهيد: أهل الأهواء إذا ظهرت بدعتهم بحيث توجب الكفر فإنه يباح قتلهم جميعًا إذا لم يرجعوا ولم يتوبوا، وإذا تابوا وأسلموا تقبل توبتهم جميعًا إلا الإباحية، والغالية، والشيعة من الروافض، والقرامطة، والزنادقة من الفلاسفة، لا تقبل توبتهم بحال من الأحوال، ويقتل بعد التوبة وقبلها لأنهم لم يعتقدوا بالصانع تعالى حتى يتوبوا ويرجعوا إليه، وقال بعضهم: إن تاب قبل الأخذ والإظهار تقبل توبته وإلا فلا، وهو قياس قول أبي حنيفة، وهو حسن جدًا، فأما في بدعة لا توجب الكفر فإنه يجب التعزير بأي وجه يمكن أن يمنع من ذلك، فإن لم يمكن بلا حبس وضرب يجوز حبسه وضربه، وكذا لو لم يمكن المنع بلا سيف إن كان رئيسهم ومقتداهم جاز قتله سياسة وامتناعًا، والمبتدع لو له دلالة ودعوة للناس إلى بدعته ويتوهم منه أن ينشر البدعة وإن لم يحكم بكفره جاز للسلطان قتله سياسة وزجرًا، لأن فساده أعلى وأعم حيث يؤثر في الدين، والبدعة لو كانت كفرًا يباح قتل أصحابها عامًا، ولو لم تكن كفرا يقتل معلمهم ورئيسهم زجرًا وامتناعًا. اهـ] (1) ، وقال أيضًا في بيان معنى السياسة عندهم ضاربًا لذلك أمثلة: [وفي القهستاني: السياسة لا تختص الزنا، بل تجوز في كل جناية، والرأي فيها إلى الإمام على ما في الكافي، كقتل مبتدع يتوهم منه انتشار بدعته وإن لم يحكم بكفره كما في التمهيد، وهي مصدر ساس الوالي رعية: أمرهم ونهاهم كما في القاموس وغيره، فالسياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في الدنيا والآخرة .. قلت: وهذا تعريف للسياسة العامة الصادقة على جميع ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام الشرعية، وتستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل، كما قالوا في اللوطي والسارق والخناق إذا تكرر منهم ذلك حل قتلهم سياسة وكما مر في المبتدع، ولذا عرفها بعضهم بأنها تغليظ جناية لها حكم شرعي حسمًا لمادة الفساد، وقوله لها حكم شرعي معناه أنها داخلة تحت قواعد الشرع وإن لم ينص عليها بخصوصها، فإن مدار الشريعة بعد قواعد الإيمان على حسم مواد الفساد لبقاء العالم، ولذا قال في البحر: وظاهر كلامهم أن السياسة هي فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي. اهـ] (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت