وضابط المعاصي والفواحش التي يجوز فيها التعزير بالقتل عند الأحناف كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم أن التي شرع في جنسها القتل وتكرر فعلها جاز التعزير عليها بالقتل، وهو ما يسميه فقهاء الأحناف (بالقتل سياسة) ، وهو كما رأينا منضبط ومقعّد حسب أصولهم وقواعدهم وليس بابًا مفتوحًا لتسليط السيف على كل من وقع في محظور وإن ظهر للعيان أنه كبير ومستقبح، فينبغي على من أراد الاستدلال بأقوال مثل هؤلاء الفقهاء على نوازل حلت به وابتلي بها أن لا يلحِيها من حقائقها، ولا يخفي بعضها ويبدي بعضًا، فإن هذا من الخيانة وتقويل أهل العلم ما لم يقولوا، ونسبتهم إلى مذاهب لم يشعروا بها أو ينتسبوا إليها، وكم جر أخذ الألفاظ الواسعة الفضفاضة كـ (القتل سياسة) من غير مراعاة لحدودها وتقيد بضوابطها على الأمة من الويلات، واستبيحت بها حرمات واقتحمت محرمات وانتهكت حدود.
فخلاصة المواضع التي نص فقهاء الأحناف على جواز التعزير فيها بالقتل (القتل سياسة) هو في حق من تكرر منه ارتكاب فاحشة اللواط، ومن تكرر منه القتل بمثقل أو الخنق أو التغريق وما شابه ذلك، والمبتدع إذا كان رأسًا دعيًا إلى بدعته وإن لم تكن بدعته مكفرة، وأهل البدع والأهواء ممن كانت بدعهم مكفرة، والسارق إذا تكررت منه السرقة، بل ظاهر عباراتهم وتعليلاتهم أن جواز القتل سياسة منسحب على كل من سعى في الأرض بالفساد ولم يمكن كف شره وإيقاف إفساده إلا بالقتل والله تعالى أعلم.
الثاني: مذهب المالكية:
ذكر المالكية بعض المواضع التي يجوز فيها القتل تعزيرًا، وأشهرها عندهم قتل الجاسوس المسلم، وقتل الداعية إلى البدعة، ولم أعثر على مواضع أخرى يجوزون فيها القتل مما يمكن أن يندرج في عقوبة التعزير، قال العلامة ابن فرحون -رحمه الله-: [مسألة: وإذا قلنا إنه يجوز للحاكم أن يجاوز الحدود في التعزير، فهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل أو لا؟ فيه خلاف، وعندنا يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس للعدو، وإليه ذهب بعض الحنابلة، وأما الداعية إلى البدعة المفرق لجماعة المسلمين فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بذلك بعض الشافعية في قتل الداعية كالجهمية، والروافض، والقدرية] (1) ، ومن الصور التي ذكرها بعض فقهاء المالكية في هذا الباب أن المرأة إذا طلقها زوجها ثلاثًا وبانت منه ثم رفعت أمرها إلى القاضي وأنكر الزوج فحكم القاضي بردها إليه، أن لها أن تقتله إذا خليت به وأمنت كشف أمرها وظهوره.
قال ابن فرحون: [وأجاز ابن المواز من أصحابنا للمرأة إذا علمت أن زوجها طلقها ثلاثًا فادعت عليه فأنكر ولم تقم عليه بينة فخلى بينه وبينها أن تقتله إن خفي لها ذلك وأمنت ظهوره، كالعادي والمحارب وقال سحنون لا تقتله] (2) .
ولكن لا يظهر إلحاق هذا بعقوبة القتل تعزيرًا، فعلى القول بجوازها تعد من باب الدفع عن العرض ورد المحارب كما جاء مصرحًا به في النقل، وقد ذكر بعض علماء المالكية أنه لا يبلغ بالتعزير القتل قال المواق: [قال ابن شاس: لا يلزمه في التعزير الاقتصار على ما دون الحد، ولا له انتهاء به إلى القتل] (1) ، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وعلى القول الأول هل يجوز أن يبلغ بها القتل مثل قتل الجاسوس المسلم في ذلك قولان: أحدهما: قد يبلغ بها القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة وهو قول مالك .. وكذلك مذهب مالك قتل الداعية إلى البدع كالقدرية ونحوهم] (2) ، وقال أيضًا: [وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك، وقالوا إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية لأجل الفساد في الأرض لا لأجل الردة] (3) ، وقال -رحمه الله-: [وأما مالك وغيره فحكي عنه أن من الجرائم ما يبلغ به القتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين، فإن أحمد توقف في قتله، وجوز مالك وبعض الحنابلة كابن عقيل قتله] (4) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: [ومالك يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، ويرى أيضًا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي قتل الداعية إلى البدعة] (5)
فخلاصة القول في مذهب مالك حسب هذه الأقوال، أنهم يجوزون التعزير بالقتل في مواضع مخصوصة ذكروا منها قتل الجاسوس المسلم، وقتل الداعية إلى بدعته فيما كانت بدعته مغلظة كالقدرية، والجهمية، ونحوهم، والظاهر أن المعنى العام الذي يجمع بين الجاسوس المسلم والداعين إلى البدع هو ما يقع من الفساد الكبير على الإسلام والمسلمين من جراء ما يرتكبونه، فالجاسوس قد يتسبب في قتل آلاف المسلمين وخراب ديار وأوطان وإهلاك حرث ونسل، ودعاة البدع يفسدون دين الناس وعقائدهم بسبب ما يدخلونه عليهم من التشكيك ويبثونه من الفرقة وملء قلوب الناس بالبغضاء والأحقاد والأهواء كما هو معلوم من سيرتهم المشهورة في كتب التاريخ ومن الواقع المشهود، ولهذا فإن بعض علماء المالكية الكبار قد جعل عقوبة الجاسوس كعقوبة الزنديق يقتل على كل حال وقد بينت ذلك مفصلًا في بحث حكم الجاسوس المسلم بما يغني عن تكراره هنا والله تعالى أعلم.
مذهب الشافعية:
نسب لبعض الشافعية القول بجواز قتل المبتدع الداعي إلى بدعته موافقين في ذلك مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وجوز طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما قتل الداعية إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة] (1) ، وقال ابن القيم -رحمه الله-: [وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة كالتجهم، والرفض، وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزبز غيلان القدري، لأنه كان داعية إلى بدعته وهذا مذهب مالك -رحمه الله-] (2) ، قال أبو حامد الغزالي: [ولا يجوز أن يقتل في التعزير والاستصلاح] (3) .
مذهب الحنابلة:
ذهب بعض الحنابلة إلى جواز قتل الجاسوس المسلم كما هو في مذهب مالك، وكذلك قتل المبتدع الداعي إلى بدعته، وجوّز بعضهم قتل الساحر تعزيرًا وإن لم يكن كافرًا، ولم يستبعد بعضهم القول بقتل العائن إذا كان يقتل بعينه غالبًا: قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [وعلى القول الأول هل يجوز أن يبلغ بها القتل؟ مثل قتل الجاسوس المسلم؟ في ذلك قولان: أحدهما قد يبلغ بها القتل فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا قصد المصلحة، وهو قول مالك وبعض أصحاب أحمد كابن عقيل، وقد ذكر نحو ذلك بعض أصحاب الشافعي وأحمد في قتل الداعية إلى البدع ومن لا يزول فساده إلا بالقتل] (4) ، وقول شيخ الإسلام -رحمه الله- هنا: [ومن لا يزول فساده إلا بالقتل] يحتمل أن يكون معطوفًا على الداعية إلى البدع، وعليه يكون هناك قول في مذهبي الشافعي وأحمد بجواز قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، ويحتمل أن يكون مقصود كلامه تعليل جواز قتل الداعية إلى البدع وبيان لمدرك قولهم وذلك كما جاء في الاختيارات العلمية: [وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه، ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري، وقتل هؤلاء له مأخذان: أحدهما كون ذلك كفرًا، كقتل المرتد، أو جحودًا، أو تغليظًا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد، والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة وترك الرواية عنه والصلاة خلفه وهجره] (1)
وقال المرداوي في شأن الساحر: [فعلى المذهب يعزر تعزيرًا بليغًا بحيث لا يبلغ به القتل على الصحيح من المذهب، وقيل له تعزيره بالقتل] (2) ، وقال البهوتي: [وفي الترغيب في العائن للإمام حبسه، وقال المنقح لا يبعد أن يقتل العائن إذا كان يقتل بعينه غالبًا] (3) ، وقال المرداوي أيضًا: [قال - أي شيخ الإسلام: يقتل مبتدع داعية، وذكره وجهًا، وفاقًا لمالك -رحمه الله-، ونقله إبراهيم بن سعيد الأطروش عن الإمام أحمد -رحمه الله- في الدعاة من الجهمية، وقال الشيخ تقي الدين -رحمه الله- الخلوة بأجنبية، واتخاذ الطواف بالصخرة دينًا، وفي قول الشيخ:"انذروا لي، واستعينوا بي"إن أصر ولم يتب: قتل، وكذا من تكرر شربه للخمر ما لم ينته بدونه، للأخبار فيه] (4)
وممن ذهب إلى جواز التعزير بالقتل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله واستدلا لذلك بعدة أدلة نذكر ما تيسر منها:
الأول: قصة حاطب ابن أبي بلتعة عندما راسل قريشًا وأخبرهم بعزم النبي r على المجيء إليهم، والقصة بطولها في الصحيحين وغيرهما، وموضع الشاهد منها قول عمر رضي الله عنه لرسول الله r: [ يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق: فقال له النبي r: إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم] (5) ، قال ابن القيم -رحمه الله-: [وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال:"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد، كيف تجده متضمنًا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون، وهي: أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي؟ فعلل النبي r عصمة دمه بشهوده بدرًا دون الإسلام العام، فدل على أن مقتضي قتله كان قد وجد، وعَارَضَ سببَ العصمة وهو الجس على رسول الله r ، لكن عَارضَ هذا المقتضى مَانعٌ مَنَعَ من تأثيره، وهو شهوده بدرًا، وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها، وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس، لأنه ليس ممن شهد بدرًا، وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرًا] (1) ، وقال أيضًا في تعداده فوائد فتح مكة: [وفيها: جواز قتل الجاسوس وإن كان مسلمًا، لأن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله r قتل حاطب بن أبي بلتعة لما بعث يخبر أهل مكة بالخبر، ولم يقل رسول الله r: لا يحل قتله إنه مسلم، بل قال: وما يدرك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فأجاب بأن فيه مانعًا من قتله، وهو شهوده بدرًا، وفي الجواب بهذا كالتنبيه على جواز قتل جاسوس ليس له مثل هذا المانع، وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد، وقال الشافعي وأبو حنيفة لا يقتل، وهو ظاهر مذهب أحمد، والفريقان يحتجون بقصة حاطب، والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة المسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم] (2) . وقد أخطأ بعض المعاصرين حين اعتبر قول بعض أصحاب مالك وأحمد في جواز قتل الجاسوس أن ذلك لأجل كفره، فهذا لا وجه له عندهم إطلاقًا وهو استنباط خاطيء من كلامهم، وحيدة عن صريح أقوالهم إلى الاستخراج والتعليلات، إذ لو صح ذلك لكان الحكم آنذاك هو وجوب قتله لا جوازه فالمعلوم أن المرتد يجب قتله إن لم يتب اتفاقًا لقول النبي r: [ من بدل دينه فاقتلوه] (3) .
الثاني: أمر النبي r من تكرر منه شرب الخمر أن يقتل في الرابعة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: [ من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الثانية فاجلدوه، فإن عاد الثالثة فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه] (4)
وقد سئل شيخ الإسلام -رحمه الله- عن الحديث وهل له أصل أم لا؟ فأجاب: [نعم له أصل، وهو مروي من وجوه متعددة، وهو ثابت عند أهل الحديث، لكن أكثر العلماء يقولون هو منسوخ، وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل، ومنهم من يقول بل حكمه باق، وقيل بل الوجوب منسوخ والجواز باق، وقد رواه أحمد، والترمذي، وغيرهما، ولا أعلم أحدًا قدح فيه] (1) هذا من حيث ثبوت الحديث وصحته.
وللعلماء في أحكام وفقه هذا الحديث وغيره مما جاء فيه ذكر القتل في المرة الرابعة ثلاثة أقوال مشهورة:
أولها: أن حكم قتل شارب الخمر في الرابعة قد نسخ، وأن الإجماع قد انعقد على خلافه، وهذا مذهب الأكثرين، وعليه أطبقت كلمة علماء المذاهب وشراح الحديث، بحيث يكاد ينعدم أن تجد في كتبهم غير هذا القول، ولهذا قال الإمام الترمذي -رحمه الله-: [جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين: حديث ابن عباس:"أن النبي r جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سقم"، وحديث النبي r أنه قال:"إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"] ، وقد ذكر -رحمه الله- بعض حجج العلماء القائلين بالنسخ فقال: [وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي r قال:"إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه"، قال: ثم أُتِيَ النبي r بعد ذلك برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهري عن قبيصة عن ذؤيب عن النبي r نحو هذا، قال: فرفع القتل وكانت رخصة، والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العمل، لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك في القديم والحديث، ومما يقوي هذا ما روي عن النبي r من أوجه كثيرة أنه قال:"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه] (2) وكما قرر أصحاب هذا القول مذهبهم بالأثر فقواه بعضهم من جهة النظر أيضًا، فقال الطحاوي بعد أن ذكر جملة من الآثار التي استدلوا بها على نسخ قتل شارب الخمر في الرابعة: [فثبت بما ذكرنا أن القتل بشرب الخمر في الرابعة منسوخ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، ثم عدنا إلى النظر في ذلك لنعلم ما هو، فرأينا العقوبات التي تجب بانتهاك الحرمات مختلفة، فمنها حد الزنا، وهو الجلد في غير الإحصان، فكان من زنى وهو غير محصن فَحُدّ، ثم زنى ثانيةً كان حده كذلك أيضًا، ثم كذلك حده في الرابعة لا يتغير عن حده في أول مرة، وكان من سرق ما يجب فيه القطع فحده قطع اليد، ثم إن سرق ثانية فحده قطع الرجل، ثم إن سرق ثالثة ففي حكمه اختلاف بين الناس، فمنهم من يقول تقطع يده، ومنهم من يقول لا تقطع، فهذه حقوق الله التي تجب في ما دون الأنفس، وأما حدود الله التي تجب في الأنفس، وهي القتل في الردة، والرجم في الزنا، إذا كان الزاني محصنًا، فكان من زنى ممن قد أحصن رجم، ولم ينتظر به أن يزني أربع مرات، وكان من ارتد عن الإسلام قتل ولم ينتظر به أن يرتد أربع مرات، وأما حقوق الآدميين، فمنها أيضًا ما يجب فيما دون النفس، فمن ذلك حد القذف، فكان من قذف مرات فحكمه فيما يجب عليه بكل مرة منها، فهو حكم واحد لا يتغير ولا يختلف ما يجب في قذفه إياه في المرة الرابعة وما يجب عليه بقذفه إياه في المرة الأولى، فكانت الحدود لا تتغير في انتهاك الحرم، وحكمها كلها حكم واحد، فما كان منها جلد في أول مرة فحكمه كذلك أبدًا، وما كان منها قتل قُتِلَ الذي وجب عليه ذلك الفعل أول مرة، ولم ينتظر به أن يتكرر فعله أربع مرات، فلما كان ما وصفنا كذلك، وكان من شرب الخمر مرة فحده الجلد لا القتل، كان في النظر أيضًا عقوبته في شربه إياها بعد ذلك أبدًا كلما شربها الجلد لا القتل، ولا تزيد عقوبته بتكرر أفعاله كما لم تُزَد عقوبة من وصفنا بتكرار أفعاله، فهذا الذي وصفنا هو النظر وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين] (1) "
ثاني الأقوال المتعلقة بالحديث: قول بعض الظاهرية وهو أن الحكم المنصوص عليه في هذا الحديث يجب الأخذ به، وهو حد كغيره من الحدود، فمن تكرر منه شرب الخمر وبلغ في ذلك الرابعة وجب قتله نصًا، وبدهيٌ أن يكون أصحاب هذا القول قد ردوا على دعوى النسخ، وانعقاد الإجماع على خلافه، وإلا فما كان لهم أن يخالفوه أو يخرقوا اتفاق المسلمين، وقد قرر هذا الحكم الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه الله- حيث يقول بعد أن ذكر أقوال العلماء وحججهم: [فأما نحن فنقول وبالله تعالى التوفيق: إن الواجب ضم أوامر الله تعالى وأوامر رسوله r كلها بعضها إلى بعض، والانقياد إلى جميعها، والأخذ بها، وأن لا يقال في شيء منها هذا منسوخ إلا بيقين، برهان ذلك قول الله تعالى:] أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [، فصح أن كل ما أمر الله تعالى به أو رسوله r فرض علينا الأخذ به والطاعة به، ومن ادعى في شيء من ذلك نسخًا فقوله مطروح، لأنه يقول لنا: لا تطيعوا هذا الأمر من الله تعالى ولا من رسوله r ، فواجب علينا عصيان من أمر بذلك إلا أن يأتي نص جلي بين يشهد بأن هذا الأمر منسوخ، أو إجماع على ذلك، أو بتاريخ ثابت مبين أن أحدهما ناسخ للآخر، وأما نحن فإن قولنا هو أن الله تعالى قد تكفل بحفظ دينه وأكمله، ونهانا عن اتباع الظن، فلا يجوز ألبتة أن يرد نصان يمكن تخصيص أحدهما من الآخر وضمه إليه إلا وهو مراد الله تعالى منهما بيقين، وأنه لا نسخ في ذلك بلا شك أصلا، ولو كان في ذلك نسخ لبينه الله تعالى بيانًا جليًا، ولما تركه ملتبسًا مُشْكِلًا حاش لله من هذا، وقال أبو محمد -رحمه الله-: فلم يبق إلا أن يرد نصان ممكن أن يكون أحدهما مخصوصًا من الآخر، لأنه أقل معاني منه، وقد يمكن أن يكون منسوخًا بالأعم، ويكون البيان قد جاء بأن الأخص قبل الأعم بلا شك، فهذا إن وجد فالحكم فيه النسخ ولا بد حتى يجيء نص آخر أو إجماع متيقن على أنه مخصوص من العام الذي جاء بعده، برهان ذلك أن الله تعالى قال في كتابه:] تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [، وقال لرسول الله r:] لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [، والبيان بلا شك هو ما اقتضاه ظاهر اللفظ الوارد ما لم يأت نص آخر أو إجماع متيقن على نقله عن ظاهره، فإذا اختلف الصحابة فالواجب الرد إلى ما افترض الله تعالى الرد إليه، إذ يقول:] فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ [، وقد صح أمر النبي r بقتله في الرابعة، ولم يصح نسخه، ولو صح لقلنا به، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله r] (1) .
وقال أيضًا: [وقد ادعى قوم أن الإجماع صح على أن القتل منسوخ على شارب الخمر في الرابعة، قال أبو محمد وهذه دعوة كاذبة، لأن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، ويقولان جيئونا به فإن لم نقتله فنحن كاذبان، قال أبو محمد: وبهذا القول نقول وبالله تعالى التوفيق] (1) ، وقد تبع الإمام ابن حزم فيما ذهب إليه من تحتم القتل في الرابعة العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- حيث قال في تعليقه على المسند بعد أن ذكر اختيار ابن القيم الذي سنذكره قريبًا، قال: [ولم أستطع أن أرى الدليل الذي اقتضى هذا في نظر ابن القيم، وما أرى إلا أن القتل في هذا الحال حكم ثابت محكم يجب الأخذ به في كل حال] (2) ،كما أن الإمام السيوطي -رحمه الله- أيد القول بعدم النسخ، ورد على من قال به، وقرر أن الحكم مازال باقيًا، وأن من تكرر منه شرب الخمر يقتل لاسيما في الأعصار المتأخرة التي كثر فيها المدمنون عليها، وانهمكوا في شربها حتى جرتهم إلى موبقات وعظائم وأحيانًا كفريات لا يحتمل معها القول بعدم جواز القتل، فقد نقل نص كلامه العلامة شمس الحق آبادي فقال:[قال السيوطي فيها - أي حاشيته على الترمذي - بعد إشارة إلى عدة أحاديث هكذا: فهذه بضعة عشر حديثًا كلها صحيحة صريحة في قتله بالرابعة، وليس لها معارض صريح، وقول من قال بالنسخ لا يعضده دليل، وقولهم إنه أتي برجل قد شرب بالرابعة فضربه ولم يقتله لا يصلح لرد هذه الأحاديث لوجوه:
الأول: أنه مرسل، إذ راويه قبيصة ولد يوم الفتح، فكان عمره عند موته سنتين وأشهرًا، فلم يدرك شيئًا يرويه.
الثاني: أنه لو كان متصلًا صحيحًا لكانت تلك الأحاديث مقدمة عليه، لأنها أصح وأكثر.
الثالث: أن هذه واقعة عين لا عموم لها.
والرابع: أن هذا فعل، والقول مقدم عليه، لأن القول تشريع عام، والفعل قد يكون خاصًا.
الخامس: أن الصحابة خصوا في ترك الحدود بما لم يخص به غيرهم، فلأجل ذلك لا يفسقون بما يفسق به غيرهم خصوصية لهم، وقد ورد بقصة نعمان لما قال عمر: أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال: النبي r:"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله"فعلم النبي r من باطنه صدق محبته لله ورسوله، فأكرمه بترك القتل، فله أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام، فالصحابة رضي الله عنهم جميعًا جديرون بالرخصة إذا بدت من أحدهم زلة، وأما هؤلاء المدمنون للخمر، الفسقة، المعروفون بأنواع الفساد، وظلم العباد، وترك الصلاة، ومجاوزة أحكام الشريعة، وإطلاق أنفسهم بحال سكرهم بالكفريات وما قاربها، فإنهم يقتلون بالرابعة لا شك فيه ولا ارتياب، وقول المصنف"يعني الترمذي": لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك"يعني في النسخ"، قد رده الحافظ العراقي بأن الخلاف ثابت محكي عن طائفة.] (1)