الصفحة 27 من 40

القول الثالث في الحكم الوارد في الحديث: أن قتل الشارب في الرابعة ليس على سبيل الحتم والإلزام، وإنما هو مفوض إلى رأي الإمام، فله أن يقتل وله أن يدع بحسب ما يظهر له من المصلحة، لأن الحكم فيه منوط بها كغيره من العقوبات التعزيرية، فيجوز للحاكم أن يقتل من تكرر منه شرب الخمر في الرابعة، ويجوز له أن يرفع عنه حكم القتل، وكل ذلك بناء على الأصلح والأجدى وليس تشهيًا واتباعًا لهوى النفوس، وهذا القول صرح به الإمام ابن القيم واعتمده فقال بعد أن ذكر أقوال من ترك العمل بحديث القتل في الرابعة وما حكي من الإجماع على ذلك: [وفي ذلك كله نظر: أما دعوى الإجماع على خلافه فلا إجماع، قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله، وهذا مذهب بعض السلف، وأما ادعاء نسخه بحديث عبد الله بن حمار، فإنما يتم بثبوت تأخره والإتيان به بعد الرابعة ومنافاته للأمر بقتله، وأما دعوى نسخه بحديث:"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث"، فلا يصح لأنه عام وحديث القتل خاص، والذي يقتضيه الدليل أن الأمر بقتله ليس حتمًا، ولكنه تعزيز بحسب المصلحة، فإذا أكثر الناس من الخمر ولم ينزجروا بالحد فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل، ولهذا كان عمر رضي الله عنه ينفي فيه مرة، ويحلق فيه الرأس مرة، وجلد فيه ثمانين، وقد جلد فيه رسول الله r وأبو بكر رضي الله عنه أربعين، فَقتْلُه في الرابعة ليس حدًا وإنما هو تعزير بحسب المصلحة وعلى هذا يتخرج حديث الأمر بقتل السارق إن صح والله أعلم] (2) ، وقال أيضًا: [ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير .. والقتل إما منسوخ وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها، واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد لينزجر الباقون فله ذلك] (3) ، وإن كان كلامه هنا ليس صريحًا كالذي قبله في ترجيحه للقول بأن القتل في الرابعة عقوبة تعزيرية.

أما شيخ الإسلام -رحمه الله- فكلامه محتملٌ لاختياره هذا القول وترجيحه له، وإن كان يحكى في مواضع كثيرة الأقوال الثلاثة المتعلقة بحديث قتل شارب الخمر في الرابعة، فمما يشير إلى احتمال ميله إلى القول بأنه عقوبة تعزيرية قوله: [والذين قدروا التعزير من أصحابنا إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل أو ترك، فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعل له فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتال الباغي والعادي، وهذا التعزير ليس يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال، يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل، وعلى هذا فإذا كان المقصود دفع الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، قيل ويمكن أن يخرج شارب الخمر في الرابعة على هذا] (1) ، وكلامه هنا وإن كان بينًا في جواز بلوغ التعزير إلى القتل فيما إذا لم ينكف فساد المفسد إلا به، إلا أن إدراج قتل شارب الخمر في الرابعة في هذه الصورة ليس صريحًا، وعلى كل فإن أصل القاعدة التي أشار إليها شيخ الإسلام متفق عليها بين الفقهاء كما سنذكره في موطنه وهي: [أنه لا يتجاوز في العقوبة القدر المؤدي للغرض وهو الزجر عن المعصية، فلا يرتقى إلى عقوبة لأجل الزجر وهو يعلم أن ما دونها يغني عنها] ، أما الوصول بذلك التدرج إلى القتل فهذا ليس متفقًا عليه كما علمنا من الخلاف بين الفقهاء، مع العلم أن بعض الصور يتفق على حكمها ويختلف في تسميتها تعزيرًا كما في دفع الصائل على الحرمات، فإن الفقهاء متفقون على أن من أريد انتهاك عرضه فله أن يدفع بما يستطيع، بل يجب عليه ذلك ولو أدى إلى قتل الصائل، أما تسمية هذه الصورة تعزيرًا أم لا فكما رأينا فالبعض يدرجها تحت هذا الاسم وغيرهم لا يذكرها في هذا الباب.

ومن المواطن التي ذكر فيها شيخ الإسلام قتل شارب الخمر في الرابعة تعزيرًا دون أن يصرح بأنه اختياره قوله: [وكان النبي r يجلد شارب الخمر ولم يقتله، بل قد ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره: أن رجلًا كان يشرب الخمر، وكان اسمه عبد الله حمارًا وكان يضحك النبي r:"لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله"، ... وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب في الثالثة والرابعة منسوخ، لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيى الأئمة الكبار جواب الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع الجواز، فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدًا مقدرًا في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ترجع إلى اجتهاد الإمام، فيفعلها عند المصلحة كغيرها من أنواع التعزير، وكذلك صفة الضرب فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف الزاني والقاذف، فيجوز أن يقال قتله من هذا الباب] (1) ، ولشيخ الإسلام -رحمه الله- فتوى نقلها صاحب الاختيارات العلمية في قتل رجل وجد في السوق في نهار رمضان وهو شارب للخمر، مما يقوي القول بأنه يجوّز أن يبلغ بالتعزير القتل في مثل هذه الحالة: [قال - أي ابن تيمية - وأفتيت ولاة الأمور في شهر رمضان سنة أربع بقتل من أمسك في سوق المسلمين وهو سكران، وقد شرب الخمر مع بعض أهل الذمة، وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفتيتهم قبل هذا بأنه يعاقب عقوبتين: عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر، فقالوا: ما مقدار التعزير؟ فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب وحال المذنب وحال الناس، وتوقفت عن القتل، فكبر هذا على الأمراء والناس، حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحل نظام الإسلام على انتهاك المحارم في نهار رمضان فأفتيت بقتله، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديًا وأنه أظهر الإسلام] (2) ، وهذه القصة ونظائرها المذكورة في نفس الموطن تؤكد بلا ريب أن شيخ الإسلام يقرر قولًا وعملًا جواز التعزير بالقتل مما يعد صريحًا في اختياره، ولكن يشكل على نسبة القول باختياره جعل قتل شارب الخمر في الرابعة عقوبة تعزيرية ما جاء في مما يفهم منه قوله في موضع آخر: [وقد روي من وجوه عن النبي r قال:"من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها فاجلدوه، ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه، فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة، وأكثر العلماء لا يوجبون القتل، بل يجعلون هذا الحديث منسوخًا، وهو المشهور من مذاهب الأئمة، وطائفة يقولون إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك، كما في حديث آخر في السنن أنه نهاهم عن أنواع من الأشربة، قال:"فإن لم يدعوا ذلك فاقتلوهم"والحق ما تقدم، وقد ثبت في الصحيح: أن رجلًا كان يدعى حمارًا وهو كان يشرب الخمر، فكان كلما شرب جلده النبي r ، فلعنه رجل فقال: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به إلى النبي r ! ، فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله وهذا يقتضي أنه جلد مع كثرة شربه] (1) ، فالظاهر من قوله"والحق ما تقدم"أن القول بالنسخ هو الراجح عنده لا سيما وقد دعمه بعدم قتل النبي r حمارًا مع تكرر الشرب منه، مع أن الفتوى التي نقلناها عنه في قتل من وجد شاربًا للخمر ومفطرًا في نهار رمضان، وتعليله ذلك بخشية انفراط عقد الإسلام بانتهاك حرمة من حرماته تعد صريحة في اختياره جواز التعزير بالقتل، وقد مر معنا أن المرداوي -رحمه الله- نسب القول بالقتل في الرابعة لشيخ الإسلام فقال: [وقال الشيخ تقي الدين -رحمه الله- في الخلوة بأجنبية، واتخاذ الطواف بالصخرة دينًا، وفي قول الشيخ:"انذروا لي، واستعينوا بي"إن أصر ولم يتب: قتل، وكذا من تكرر شربه للخمر ما لم ينته بدونه، للأخبار فيه] (2) والله تعالى أعلم."

وممن ذهب إلى أن قتل شارب الخمر في الرابعة يعتبر عقوبة تعزيرية الشيخ الألباني -رحمه الله- حيث قال: [ولكنا نرى أنه من باب التعزير، إذا رأى الإمام قتل، وإن لم يره لم يقتل، بخلاف الجلد فإنه لا بد منه في كل مرة، وهو الذي اختاره الإمام ابن القيم -رحمه الله- تعالى] (3) ، كما أن الشيخ بكر أبو زيد قد اختار جواز قتل مدمن الخمر إذا انهمك الناس في شربها ولم ينكفوا إلا بذلك وهذا مع قوله بأن حديث القتل في الرابعة منسوخ ورده على ابن القيم الاستدلال به حيث قال:[مما تقدم من سياق الخلاف وأدلته ومناقشتها نرى أن ابن القيم وابن حزم يتفقان في مناقشة الإجماع والنسخ من أدلة القائلين بالنسخ، لكن يختلفان في النتيجة، فابن حزم يقرر أن الحد بالقتل بعد الرابعة محكم غير منسوخ، وابن القيم يرى أنه تعزير لا حد. وإنني بعد التأمل والنظر أوافق ابن القيم في النتيجة وأخالفه في المأخذ، فالأحاديث بقتله حدًا منسوخة، والإجماع على نسخ الحد بالقتل لم ينخرم في عصره، والذي وقع فيه الإجماع على ترك الحد بالقتل للشارب في الرابعة.

ولكن إذا أدمن الناس شربها، وانهمكوا فيها، وتهالكوا في شربها، ولم يكن الحد بالجلد زاجرًا لهم، فإن للإمام أن يعزر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد وردعًا للفساد، وذلك تطبيقًا لمبدأ سياسة الراعي للرعية سياسة شرعية، فيما ظهرت فيه المصلحة كما قرر ذلك أهل العلم في مدوناتهم وذكروا له الأمثلة والنظائر كما في قتل الداعية إلى البدع إذا افتتن به الناس ونحو ذلك] (1)

ولا شك أن الإجماع على النسخ إذا ثبت وتقرر فلا اعتبار بقول أحد بعده، ولكن كما ذكر وكما هو مصرح به لدى ابن حزم وابن القيم و السيوطي وأحمد شاكر أن الإجماع غير مسلّم به عندهم أصلًا محتجين بأن عبد الله بن عمر وهو أحد رواة الأمر بالقتل كان يقول به، وقد صحح ابن القيم -رحمه الله- نسبة هذا القول إليه فقال: [وقيل: قتله تعزير بحسب المصلحة، فإذا كثر منه ولم ينهه الحد، واستهان به، فللإمام قتله تعزيرًا لا حدًا، وقد صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله لكم، وهو أحد رواة الأمر بالقتل عن النبي r ، وهم معاوية، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وقبيصة بن ذؤيب رضي الله عنهم] (2) ، كما أنه نسب هذا القول لبعض السلف فقال: [أما دعوى الإجماع على خلافه، فلا إجماع، قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو: ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله وهذا مذهب بعض السلف] (3) فإذا ثبت هذا عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم فلا يبقى وجه للتمسك بالإجماع المدعى خاصة وأن ابن القيم ذكر أن هذا مذهب لبعض السلف ولهذا قال العلامة أحمد شاكر -رحمه الله- عقب نقله لقول ابن القيم السابق: [وهذا مذهب لبعض السلف] قال: [ويكفي هذا في نقض الإجماع، أو نفي ادعائه] (4) ، ورأينا أيضًا أن الإمام ابن حزم رد على القائلين بانعقاد الإجماع بأن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله، وعلى كل فإذا لم يثبت الإجماع فإن الأمر يعد هينًا، وأوسط الأقوال وأعدلها والذي يتم به الجمع بين الأدلة هو قول ابن القيم -رحمه الله-، فإن سلم هذا الترجيح كان أحد الأدلة على جواز التعزير بالقتل، ولكن تبقى مسألة قتل شارب الخمر في الرابعة في حاجة إلى تحقيق وتنقيح وتتبع حتى يكون الترجيح لأي من الأقوال قويًا والله أعلم.

قال الدكتور محمد سعد الغامدي: [وفي هذه المسألة - مسألة متى تكرر منه شرب الخمر أربع مرات فأكثر - يجد الباحث أحاديث صحيحة، مفادها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وهذه الأحاديث وردت في السنن من طرق متعددة بأسانيد قوية كما ذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- تعالى، كما يجد أحاديث أخرى عن رسول الله r ، وآثارًا عن الصحابة تدل على أنهم لم يقتلوا من تكرر منه شرب الخمر، وذلك يجعلني أميل إلى قول من قال: إن قتل شارب الخمر في المرة الرابعة من باب التعزير فللإمام أن يفعله إذا رأى المصلحة في ذلك، وله أن يكتفي بما دونه من العقاب حسب مقتضيات المصلحة ما يتحقق به الردع والزجر، وبذلك يجمع بين الأدلة الواردة في هذه المسألة، والجمع بينها أولى من إعمال البعض وإهمال البعض الآخر] (1)

وقد اختار الإمام ابن حبان -رحمه الله- أن القتل في الرابعة إنما يكون لمن استحل شرب الخمر، وعلى هذا فهو يذهب إلى عدم النسخ ولكن يجعلها في المرتد باستحلالها فقد قال بعد روايته الحديث: [العلة المعلومة في هذا الخبر يشبه أن تكون: فإن عاد على أن لا يقبل تحريم الله فاقتلوه] (2)

الثالث: ومما استدل به الإمام ابن القيم -رحمه الله- على جواز أن يبلغ بالتعزير القتل ما رواه أحمد، ومسلم، والحاكم عن أنس رضي الله عنه: [أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله r ، فقال رسول الله r لعلي: اذهب فاضرب عنقه، فأتاه علي فإذا هو في ركيٍّ يتبرد فيه، فقال له علي: أخرج، فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه، ثم أتى النبي r فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب ماله ذكر] .

ولأهل العلم في هذا الحديث توجيهات متعددة ذكر بعضها ابن القيم، ثم قرر أن أمر النبي r عليًا بقتل ذلك الرجل كان على سبيل التعزير، فقال بعد أن ذكر بعض توجيهات العلماء: [وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي r أمر عليًا رضي الله عنه بقتله تعزيرًا، لإقدامه على خلوته بأم ولده، فلما تبين لعلي حقيقة الحال، وأنه بريء من الريبة، كف عن قتله، واستغنى عن القتل بتبيين الحال، والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد، بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجودًا وعدمًا] (1) ، وقال أيضًا وهو يعدد بعض العقوبات التعزيرية: [وأمر r بقتل الذي كان يتهم بأم ولده فلما تبين أنه خصي تركه] (2) ، ولم أعثر - فيما بحثت واطلعت - على أحد سبق الإمام ابن القيم في جعل أمر النبي r بالقتل للرجل على سبيل التعزير، كما أنني لم أر من تابعه على هذا القول ما خلا الشيخ بكر أبو زيد من المعاصرين حيث قال: [والذي يظهر لي والله أعلم هو المسلك الثالث الذي ذكره ابن القيم واستحسنه من أن الأمر بقتله كان تعزيرًا، لأن الأمر مجرد تهمة لكنها في جانب حرم النبي r ، أما لو كان ثمة بينة أو اعتراف لكان الأمر بقتله حدًا لازمًا] (3) ، بل حتى شيخ الإسلام -رحمه الله- قد جعل أصل أمر النبي r بالقتل على سبيل الحتم والإلزام، لما في فعل الرجل من انتهاك لحرم النبوة، أو أنه بعث عليًا رضي الله عنه ليتحرى صحة ما يقال من مواقعة الرجل لأم ولد النبي r ، فقال -رحمه الله - بعد أن ذكر الحديث السابق: [فهذا الرجل أمر النبي r بضرب عنقه لما قد استحل من حرمته، ولم يأمر بإقامة حد الزنى لأن حد الزنى ليس هو ضرب الرقبة، بل إن كان محصنًا رجم، وإن كان غير محصن جلد، ولا يقام عليه الحد إلا بأربعة شهداء، أو بالإقرار المعتبر، فلما أمر النبي r بضرب عنقه من غير تفصيل بين أن يكون محصنًا أو غير محصن علم أن قتله لما انتهكه من حرمته، ولعله قد شهد عنده شاهدان أنهما رأياه يباشر هذه المرأة، أو شهدا بنحو ذلك فأمر بقتله، فلما تبين أنه كان مجبوبًا علم أن المفسدة مأمونة منه، أو أنه بعث عليًا ليستبرئ القصة، فإن كان ما بلغه عنه حقًا قتله، ولهذا قال في هذه القصة أو غيرها: أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب] (4) ، فليس في كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- ما يدل على أن إرادة قتله كانت على سبيل التعزير، هذا ويبعد ما ذكره من احتمال أن يكون قد شهد عند النبي r شاهدان برؤية الرجل يباشر المرأة أو شهدا بنحو ذلك، وذلك لأنه لم ينقل أن النبي r قد أقام على هذين الشاهدين حد القذف بعد أن ظهرت براءة الرجل والمرأة - كما حصل في حادثة الإفك -، والذي ألجأ شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى ذلك هو دفع الإشكال الوارد على أمر النبي r قتل الرجل دون أن تثبت عليه التهمة، ولهذا أردف الاحتمال الأول باحتمال أن يكون أمره لعلي إنما كان للتثبت أولًا فإن ثبت ما يقال عن الرجل قتله آنذاك.

وتكملة للفائدة - وإن لم يكن ذلك من صلب موضوعنا - نرى أن ننقل كلامًا للإمام ابن حزم يتعلق بهذه القصة مجيبًا فيه على هذه الإشكالات وغيرها، قال -رحمه الله- بعد أن روى الحديث المذكور:[هذا الخبر صحيح، وفيه من آذى النبي r وجب قتله، وإن كان لو فعل ذلك برجل من المسلمين لم يجب بذلك قتله، فإن قال قائل: كيف يأمر رسول الله r بقتله دون أن يتحقق عنده ذلك الأمر، لا بوحي، ولا بعلم صحيح، ولا ببينة، ولا بإقرار؟، وكيف يأمر عليه السلام بقتله في قصة بظن قد ظهر كذبه بعد ذلك وبطلانه؟، وكيف يأمر عليه السلام امرئ قد أظهر الله تعالى براءته بعد ذلك بيقين لا شك فيه، وكيف يأمر عليه السلام بقتله ولا يأمر بقتلها والأمر بينه وبينها مشترك؟.

قال أبو محمد -رحمه الله-: الوجه في هذه السؤالات بين واضح لا خفاء به والحمد لله رب العالمين، ومعاذ الله أن يأمر رسول الله r بقتل أحد بظن بغير إقرار، أو بينة، أو علم مشاهدة، أو وحي، أو أن يأمر بقتله دونها، لكن رسول الله r قد علم يقينًا أنه بريء، وأن القول كذب، فأراد عليه السلام أن يوقف على ذلك مشاهدة، فأمر بقتله لو فعل ذلك الذي قيل عنه، فكان هذا حكمًا صحيحًا فيمن آذى رسول الله r ، وقد علم عليه السلام أن القتل لا ينفذ عليه لما يظهر الله تعالى من براءته، كان عليه السلام في ذلك، كما أخبر به عن أخيه سليمان عليه السلام - ثم ساق سنده إلى النبي r حيث قال: مثلي ومثل الناس فذكر كلامًا، وفيه أنه عليه السلام قال: وكانت امرأتان معهما أبناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحتبها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود عليه السلام، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان عليه السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى، ... قال أبو محمد -رحمه الله-: فبيقين ندري أن سليمان عليه السلام لم يرد قط شق الصبي بينهما، وإنما الأمر، أراد امتحانهما بذلك، وبالوحي فعل هذا بلا شك، وكان حكم داود عليه السلام للكبرى على ظاهر لأنه كان في يدها، وكذلك رسول الله r ما أراد قط إنفاذ قتل ذلك المجبوب، لكن أراد امتحان علي في إنفاذ أمره، وأراد إظهار براءة المتهم وكذب التهمة عيانًا] (1) ، وهذا من أحسن ما أجيب به عن التساؤلات والإشكالات الواردة على القصة، وبها يظهر أن ما ذهب إليه الإمام ابن القيم -رحمه الله- فيه بعد، لأن القتل تعزيرًا وإن لم يكن متعينًا ولكن لا بد من جناية أو معصية ترتكب حتى يقتل لأجلها مقترفها، وهي هنا منعدمة في نفس الأمر، وقرائن الحال المحتفة بالرجل الظاهر أنها لا تكفي لإقامة مثل هذه العقوبة (القتل) عليه، لا سيما وإمكانية التحقق والتثبت قائمة كما جرى في حادثة الإفك مما هو مشهور ومعلوم، فلما كان الأمر كذلك لم يبق إلا احتمال أن الله سبحانه وتعالى قد أعلم النبي r براءة الرجل وأم ولده مارية مما ينسب إليهما، وإنما أمر عليًا رضي الله عنه بقتله - وهو يعلم أنه لن يقتله لما سيتبين له من البراءة - لأجل أن يبين للناس براءتهما بطريقة لا يبقى معها شك لأحد، ويؤيد هذا ما جاء في الطبراني بسند ضعيف في قصة طويلة بين النبي r وعمر تتعلق بمارية والرجل المذكور، والشاهد منها قول النبي r: [ ألا أخبرك يا عمر أن جبريل r أتاني فأخبرني أن الله عز وجل قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني أن في بطنها غلامًا مني، وأنه أشبه الناس بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم، وكناني بأبي إبراهيم، ولولا أني أكره أن أحوِّل كنيتي التي عُرفت بها لتكنيت بأبي إبراهيم كما كناني جبريل عليه السلام] والله تعالى أعلم.

الراجح في التعزير بالقتل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت