هذه هي خلاصة أقوال وأدلة من ذهب إلى جواز التعزير بالقتل، وكما رأينا فإن مذاهب الفقهاء بين موسع ومضيق في الأمر، وإن كانت أغلب المواطن التي ذكروها محدودة كقتل الداعية إلى البدع، والجاسوس المسلم، وبالتأمل فإن بعض تلك المواضع التي نصوا على جواز القتل فيها مع عدم ورود دليل خصوصي على بعضها إنما كان لعموم وعظم المفسدة المترتبة على عدم القتل، وسواء كانت تلك المفسدة متعلقة بنفوس الناس ودمائهم وأموالهم وما يتعلق بحياتهم واستقرارهم كما في قتل الجاسوس المسلم الذي ينقل أخبار المسلمين للعدو، أو كانت المفسدة مرتبطة بإفساد دين الناس وعقائدهم كما في قتل الداعية للبدع، وهذا هو سبب التفرقة بين المبتدع الداعي وغيره، فإن ضرر الأول متعد إلى غيره بخلاف الثاني، هذه تكاد تكون قاعدة مطردة تعم كل المواضع التي شرعت فيها عقوبة القتل حدا أو قصاصا أو تعزيرا كما في قتل المحاربين الذين ورد فيهم قول الله تعالى:] إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ (المائدة:33) ، ولهذا جاءت هذه الآية عقب ذكر قصة ابني آدم وبالخصوص بعد قوله تعالى:] مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [ (المائدة: 32) ، وكما في قوله تعالى:] وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ (البقرة: 179) ، لأن ضد الحياة هو الموت، فإذا ترك القصاص، عمت الفتنة الناس، وكثر الهرج، وعظمت الإحن، وانتشرت الثارات، وذهبت نفوس بريئة، مما يبين عظم المفسدة وعموم المضرة التي ستكون لو لم يشرع القصاص من الجاني، ومن هذا الباب قول النبي r: [ إذا بويع خليفتان، فاقتلوا الآخر منهما] (1) ، وعن عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول: [إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنًا من كان] (2) ، فلا شك أن هذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على دفع المفسدة العظمى وهي تفرق المسلمين وتشرذمهم وتشتت كلمتهم بسبب الخلاف الذي سينشأ من منازعة الخليفة الثاني للأول، ودرءًا لهذه المفسدة وسدًا لبابها أمر النبي r بقتل الثاني - ما دام الناس مجتمعين على خليفة قبله - وأكد هذا الأمر بقوله: كائنًا من كان، وذلك دفعًا لما قد يخالط النفوس من التردد أو (الورع البارد) الذي ينشأ بسبب كون الثاني أتقى وأولى من الأول.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله- بعد كلام له: [وكما أمر النبي r بقتل المفرق بين المسلمين، ومنه الذي يكذب بلسانه أو بخطه أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان الأمة علماؤها وأمراؤها، فتحصل أنواع من الفساد كثيرة، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز أن لا يندفع قُتِل أيضًا، وعلى هذا جاء قوله تعالى:] مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ [،] إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا [،وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله لكن قد بقي فساد دون ذلك فهو محل نظر] (1)
وما دام هذا المعنى العام - وهو مشروعية القتل دفعًا للمفسدة العامة الشاملة الكبرى والمحققة- قد تواطأت عليه الأدلة، وسلكه الفقهاء في مواطن متعددة يظهر فيها جليًا ملاحظة هذا الأمر واعتباره، فالذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل بشرطين مهمين:
الأول: أن تكون الجناية أو المعصية التي سيعاقب عليها بالقتل يظهر عموم فسادها وشمول ضررها على حياة عموم الناس أو على دينهم، بحيث لا تتعلق بجزئيات فرعية مغمورة لا تزيد أو تساوي مفسدتها مفسدة سفك دم امرئ مسلم، والذي ورد الوعيد الشديد والمغلظ في حق من قتله بغير حق، ولو لم يكن فيه إلا قوله تعالى:] وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا[ (النساء: 93) لكفى، فكيف وقد ورد فيه من الأحاديث الزاجرة والمرهبة الكثير الكثير، وعليه فإن هذا يستدعي دراسة عميقة ومتأنية، ويوجب تجردًا حقيقيًا وعلمًا، ويتطلب مقارنة للجناية أو المعصية التي يراد أن يعاقب عليها بالقتل من حيث شدة مفسدتها وشمول ضررها، ولا بد من مقارنة دقيقة واجتهاد واع بين تلك المفسدة الناشئة عن الجناية أو المعصية من جهة وبين قتل مرتكبها من جهة أخرى.
الثاني: أن القتل لا يلجأ إليه إلا حيث لم يُجْدِ غيرُهُ من العقوبات، أو مع العلم بأن غيره لا يكف شر الجاني ولا يقطع مفسدته، وهذه قاعدة عامة في العقوبات التعزيرية سنشير إليها فيما بعد إن شاء الله، وهي وجوب الالتزام بالتدرج في اختيار العقوبات، فلا يرتقى إلى واحدة أشد إلا حيث يُعلم أن ما دونها لا يؤدي الغرض، وعند الانضباط بهذه القاعدة والتقيد بها تقيدًا حقيقيًا، وتطبيقها تطبيقًا صحيحًا عمليًا، فإن عقوبة القتل تعزيرًا تكاد تكون في أغلب أحيانها من باب دفع الصائل الذي لا يندفع فساده إلا بالقتل، فإن آخر العلاج الكي، فمن عظمت جنايته، وتعدت مفسدته، وتأصل شره، وتحقق ضرره، ولم يجد فيه وعظ، ولا هجر، ولا تبكيت، ولا ضرب، ولا نفي، ولا حبس ولا غيرها من العقوبات التعزيرية مع بقاء ضرره وإصراره على بغيه فلا تردد في جواز قتله في مثل هذه الحالة، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: [والتعزير على الشيء دليل على تحريمه، ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري، وقتل هؤلاء له مأخذان:
أحدهما: كون ذلك كفرًا كقتل المرتد، أو جحودًا أو تغليظًا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد.
والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه وهجره، ولهذا ترك في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل عمرو ابن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين، لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد، ويشبه قتل المحاربين للسنة بالرأي قتل المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يعتمد الكذب على رسول الله r ، كما قتل النبي r الذي كذب عليه في حياته، وهو حديث جيد لما فيه من تغيير سنته] (1) ، وقال أيضًا: [وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على ذلك الفساد فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل، قيل ويمكن أن يخرج شارب الخمر في الرابعة على هذا، ويقتل الجاسوس الذي يكرر التجسس وقد ذكر شيئًا من هذا الحنفية والمالكية، وإليه يرجع قول ابن عقيل وهو أصل عظيم في صلاح الناس] (2) .
وممن ذهب إلى جواز التعزير بالقتل من المعاصرين الشيخ بكر أبو زيد كما نقلنا عنه جواز قتل من تكرر منه شرب الخمر مع انهماك الناس في شربها وقد صرح بترجيحه لمشروعية هذه العقوبة مطلقًا بقوله: [يظهر من مباحث القتل تعزيرًا على سبيل الإجمال والتفصيل، أن القتل تعزيرًا مشروع عند عامة الفقهاء على التوسع عند البعض والتضييق عند آخرين في قضايا معينة، وأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع، وحماية مصالح الأمة، وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها: هو القول بجواز القتل تعزيرًا حسب المصلحة وعلى قدر الجريمة إذا لم يندفع الفساد إلا به على ما اختاره ابن القيم -رحمه الله- تعالى] (1) ، وكذلك الدكتور عبد العزيز عامر حيث قال: [وإني أقول بجواز القتل تعزيرًا] (2) ، ومن ذلك ما جاء عن مجلس هيئة كبار العلماء بالسعودية في شأن قتل مهربي المخدرات، وتعزير مروجيها من تجويز بلوغ عقوبتهم بالقتل تعزيرًا إذا لم ينكفوا بما هو دونها، وإتمام للفائدة ننقل ما جاء في نص الفتوى:[وقد درس المجلس الموضوع، وناقشه من جميع جوانبه في أكثر من جلسة، وبعد المناقشة والتداول في الرأي، واستعراض نتائج انتشار هذا الوباء الخبيث القتّال، تهريبًا، واتجارًا، وترويجًا، واستعمالًا، المتمثلة في الآثار السيئة في نفوس متعاطيها، وحملها إياهم على ارتكاب جرائم الفتك وحوادث السيارات، والجري وراء أوهام تؤدي إلى ذلك، وما تسببه من إيجاد طبقة من المجرمين شأنهم العدوان، وطبيعتهم الشراسة وانتهاك الحرمات، وتجاوز الأنظمة، وإشاعة الفوضى لما تؤدي إليه بمتعاطيها من حالة من المرح والتهيج واعتقاد أنه قادر على كل شيء، فضلًا عن اتجاهه إلى اختراع أفكار وهمية تحمله على ارتكاب الجريمة، كما أن لها آثارًا ضارة بالصحة العامة وقد تؤدي إلى الخلل في العقل والجنون، نسأل الله العافية والسلامة، لهذا كله فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولًا: بالنسبة للمهرب للمخدرات فإن عقوبته القتل، لما يسببه تهريب المخدرات على الأمة بمجموعها، ويلحق بالمهرب الشخص الذي يستورد أو يتلقى المخدرات من الخارج فيموّن بها المروجين.
ثانيًا: أما بالنسبة لمروج المخدرات ... الثاني: من يروجها سواء كان ذلك بطريق التصنيع أو الاستيراد بيعًا وشراء، أو إهداء، ونحو ذلك من ضروب إشاعتها ونشرها، فإن كان ذلك للمرة الأولى فيعزر تعزيرًا بليغًا بالحبس، أو الجلد، أو الغرامة المالية، أو بها جميعًا، حسبما يقتضيه النظر القضائي، وإن تكرر منه ذلك فيعزر بما يقطع شره عن المجتمع ولو كان ذلك بالقتل، لأنه بفعله هذا يعتبر من المفسدين في الأرض، وممن تأصل الإجرام في نفوسهم، وقد قرر المحققون من أهل العلم أن القتل ضرب من التعزير، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- تعالى:"ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين الداعي للبدع في الدين"، إلى أن قال:"وأمر النبي r بقتل رجل تعمّد الكذب عليه"، وسأله ابن الديلمي عن من لم ينته عن شرب الخمر فقال:"من لم ينته فاقتلوه"، وفي موضع آخر قال -رحمه الله- في تعليل القتل تعزيرًا ما نصه:"وهذا لأن المفسد كالصائل، وإذا لم يندفع الصائل إلا بالقتل قتل"] (1)
والفتوى قد تضمنت أمرين:
الأول: التنصيص على عقوبة محددة ثابتة وهي القتل بحيث تشمل كل من ثبت عليه تهريب المخدرات أو استيرادها أو استقبالها، وهذا - فيما يظهر - نوع من تقنين العقوبات التعزيرية، ولهذا لم يذكروا في هذا الموضع أن ينظر في كل حالة بعينها، وإنما جعلوا إقامة عقوبة القتل متوقفة فقط على ثبوت كون الشخص مهربًا، أو مستوردًا، أو متلقيًا لها، وقد بينا من قبل أن الذي يترجح - والله أعلم - هو عدم جواز تقنين العقوبات التعزيرية، ولكن يفوض أمرها - نوعًا وقدرًا وصفة - إلى الإمام أو القاضي بحيث ينظر في كل قضية بعينها، ويعتبر ما يحيط بها من أمور قد تشدد العقوبة وقد تخففها، وقد تسقطها تمامًا، ثم على ضوء ذلك يختار العقوبة الرادعة، ولو جوّزوا إيصال عقوبة هؤلاء إلى القتل، مع ترك الأمر مفوضًا في اختيار العقوبة الأنسب كما هو في الفقرة الثانية لكان أولى والله تعالى أعلم.
الثاني: تنصيصهم على جواز أخذ غرامة مالية وهو ما يعني أنهم يذهبون إلى القول بجواز العقوبات المالية أخذًا والله تعالى أعلم.
ثالثا التعزير بالضرب:
وجهة الخلاف في التعزير بالضرب ليست هي نفسها في التعزير بالعقوبات المالية والتعزير بالقتل، إذ العلماء متفقون على أصل مشروعية التعزير به، والأدلة الشرعية جلية الدلالة على ذلك، ولكن وقع الاختلاف بينهم في مقدراه، وموضع الخلاف أيضًا هو في أقصى ما يمكن أن يوصل إليه من الضرب، وليس في أدناه، وإن ألمح بعضهم إلى وجود خلاف في ذلك، ولكن هذا لا يعول عليه لقلة فائدته، إذ يجوز عدم العقوبة به أصلًا، والعفو عن المذنب حيث كانت المصلحة في ذلك، فما فائدة تحديد أقله إذًا، ونشرع الآن في نقل أقوالهم وأدلتهم ومن ثم نبين ما يترجح منها إن شاء الله:
أولًا: مذهب الأحناف:
اتفق علماء الأحناف فيما حكاه بعضهم على أن الضرب في التعزير لا يتجاوز به الحدود الشرعية المقدرة معتمدين في ذلك على حديث اشتهر بين الفقهاء وهو ما يروى عن النبي r أنه قال: [من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين] (1)
ولكن اختلفوا بعد ذلك في الحد المقصود في هذا الحديث والذي نهى الشارع أن يُتجاوز، فذهب الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن إلى أن أكثر التعزير هو تسعة وثلاثون، فحملا الحد المذكور في الحديث على أقل الحدود مطلقًا وهو حد العبد في القذف، لأنه على النصف من حد الحر، فلهذا نقصا منه سوطًا واحدًا، وأما الإمام أبو يوسف فقد وردت عنه عدة روايات في ذلك وهي:
* أن أكثر التعزير تسعة وسبعون سوطًا، فهو على هذا حمل (الحد) الوارد في الحديث على أقل حدود الأحرار وهي القذف فنقص منه سوطًا.
* أن أكثر التعزير خمسة وسبعون سوطًا، ومستنده في ذلك - كما يذكر علماء الأحناف - تقليده لعليٍّ رضي الله عنه، فقد ذكروا أنه أوصل التعزير إلى هذا القدر، وقالوا إن ما فعله الصحابي مما ليس مستنده الرأي يعتبر توقيفيًا وهذا عندهم منه، وهو قول ابن أبي ليلى.
* أن قدره يختلف بحسب عظم الذنب وصغره، وظاهره أنه ليس محددًا بقدر، ولا يقف عند قدر معين، لأننا إذا حملنا هذا القول على أن له حدًا أعلى يتوقف عنده ولا يتعده ثم جَعْل ما دونه حسب حال الجرم، فلا يعد هذا قولًا جديدًا، ولا فائدة في عده قولًا آخر مستقلًا أصلًا لأن هذا متفق عليه عمومًا، وإذا حمل على جعله ليس محددًا بقدر، فهذا يخالف ما ذكره بعضهم من أن الأحناف متفقون على عدم تجاوز الحدود كما ذكرناه أولًا.
* أن يدني كل نوع من الذنوب بما شرع الحد في جنسه، فاللمس والتقبيل والمباشرة تقرب من الزنى وإن تجاوز به حد القذف، والسب والشتم واللعن يدنيه من القذف، وهكذا.
* وروي عنه أيضًا أن أكثر التعزير في العبد تسعة وثلاثون، وفي حق الحر تسعة وسبعون، فنظر إلى حال كل جان من كونه حرًا أو عبدًا.
فهذه هي الأقوال المروية عن أبي يوسف في أكثر التعزير، وقد وافقه زفر في الرواية الأولى منها، فذهب إلى أن أقصاه هو تسعة وسبعون سوطًا.
قال الكساني -رحمه الله-: [ويبلغ أقصى غاياته وذلك تسعة وثلاثون في قول أبي حنيفة عليه الرحمة، وعند أبي يوسف خمسة وسبعون، وفي رواية النوادر عنه تسعة وسبعون، وقول محمد عليه الرحمة مضطرب، ذكره الفقيه أبو الليث -رحمه الله-، والحاصل أنه لا خلاف بين أصحابنا رضي الله عنهم أنه لا يبلغ التعزير الحد، لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين"، إلا أن أبا يوسف -رحمه الله- صرف الحد المذكور في الحديث على الأحرار، وزعم أنه الحد الكامل لا حد المماليك، لأن ذلك بعض الحد وليس بحد كامل، ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل في كل باب، ولأن الأحرار هم المقصودون في الخطاب، وغيرهم ملحق بهم فيه، ثم قال في رواية: ينقص منها سوط وهو الأقيس، لأن ترك التبليغ يحصل به، وفي رواية قال ينتقص منها خمسة، وروي ذلك أثرًا عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال:"يعزر خمسة وسبعين"، قال أبو يوسف -رحمه الله-: فقلدته في نقصان الخمسة واعتبرت عنه أدنى الحدود، وروي عنه أنه قال: أخذت كل فرع من بابه، وأخذت التعزير في اللمس والقبلة من حد الزنا، والقذف بغير الزنا من حد القذف، ليكون إلحاق كل نوع ببابه، وأبو حنيفة صرفه إلى حد المماليك، وهو أربعون، لأنه ذكر حدًا مُنكّرًا، فيتناول حدًا ما، وأربعون حد كامل في المماليك، فينصرف إليه، ولأن في الحمل على هذا الحد أخذًا بالثقة والاحتياط، لأن اسم الحد يقع على النوعين، فلو حملناه على ما قاله أبو حنيفة يقع الأمن عن وعيد التبليغ، لأنه لا يبلغ، ولو حملناه على ما قاله أبو يوسف لا يقع الأمن عنه، لاحتمال أنه أراد به حد المماليك، فيصير مبلغًا غير الحد، فيلحقه الوعيد فكان الاحتياط فيما قاله أبو حنيفة -رحمه الله-] (1) ، وقال ابن عابدين -رحمه الله-: [قوله:"أكثره تسعة وثلاثون سوطًا"، لحديث: [من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين] ، وحد الرقيق أربعون، فنقص عنه سوطًا، وأبو يوسف اعتبر أقل حدود الأحرار، لأن الأصل الحرية، فنقص سوطًا في رواية عنه، وظاهر الرواية عنه تنقيص خمسة، كما روي عن علي، ويجب تقليد الصحابي فيما لا يدرك بالرأي، لكنه غريب عن علي، ... قال أبو يوسف: أكثره في العبد تسعة وثلاثون سوطًا، وفي الحر خمسة وسبعون سوطًا، ... وعن أبي يوسف أنه يقرب كل جنس إلى جنسه، فقرب اللمس والقبلة من حد الزنا، وقذف غير المحصن أو المحصن بغير الزنا من حد القذف صرفًا لكل نوع إلى نوعه، وعنه أنه يعتبر على قدر عظم الجرم وصغره] (2) ، وقد ذكر الإمام أبو العباس القرطبي -رحمه الله- أن الإمامين أبا يوسف ومحمد بن الحسن ممن لا يحد التعزير بحد، بل يجعلانه راجعًا إلى اجتهاد الإمام وما يراه من حال الجاني، ونسب هذا القول أيضًا إلى الطحاوي من أئمة الحنفية، فقال: [ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع وأليق بالجاني وإن زاد على أقصى الحدود وهو مشهور مذهب مالك، وأبي يوسف وأبي ثور والطحاوي ومحمد بن الحسن وقال: وإن بلغ ألفًا، وقد روي عنه مثل قول أبي حنيفة] (1) ، كما ذكر هذا عنهم الإمام النووي فقال: [قال مالك وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، والطحاوي: لا ضبط لعدد الضربات، بل ذلك إلى رأي الإمام، وله أن يزيد على قدر الحدود] (2) ، هذا ونشير إلى أن المشهور والمعتمد في كتب متون الحنفية وشروحها هو قول أبي حنيفة بجعل أكثر الحدود تسعة وثلاثين سوطًا، كما أنه إذا صح ما نسبه أبو العباس القرطبي والنووي لأبي يوسف ومحمد والطحاوي من تجويز تجاوز الحدود فلا يصح عندها حكاية اتفاق علماء الأحناف حول عدم الزيادة على الحدود، وكما رأينا أن هذا القول عزاه أيضًا ابن عابدين إلى أبي يوسف.
ثانيًا: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى أن التعزير بالضرب لا يقدر بقدر ولا يقف عند حد، بل ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، بحسب الجريمة والجاني وأحوال الناس وما يقتضيه من الردع والزجر قال القرافي -رحمه الله- وهو يعدد الفوارق بين الحدود والتعازير: ["أحدها"أنها غير مقدرة واختلفوا في تحديد أكثره، واتفقوا على عدم تحديد أقله، فعندنا هو غير محدد بل بحسب الجناية والجاني والمجني عليه] (3) ، وقال الشيخ محمد علي بن حسين المالكي في حاشيته على الفروق: [وفي تبصرة ابن فرحون: قال المازري في بعض الفتاوى وأما تحديد العقوبة فلا سبيل إليه عند أحد من أهل المذهب، وقال في المعلم ومذهب مالك -رحمه الله- تعالى أنه يجيز في العقوبات فوق الحد، وقال فيه أيضًا: ومشهور المذهب أنه يزاد على الحدود، وقد أمر مالك بضرب رجل وجد مع صبي قد جرده وضمه إلى صدره فضربه أربعمائة فانتفخ ومات، ولم يستعظم مالك ذلك] (4) ، وقد ذكر الإمام أبو العباس القرطبي بعض الأقوال الأخرى في المذهب وأشار إلى أن المشهور فيه هو ما ذكرناه، فمما ذكره في ذلك: [وروي عن مالك خمسة وسبعين سوطًا] وعن أشهب في بعض أقواله أنه لا يتجاوز به عشرة أسواط، وقال: [ومنهم من رأى ذلك موكولًا إلى رأي الإمام بحسب ما يراه أردع وأليق بالجاني، وإن زاد على أقصى الحدود وهو مشهور مذهب مالك] (1) .
ثالثًا: مذهب الشافعية:
للشافعية في مذهبهم عدة أقوال في مقدار التعزير إن اختار الإمام التعزير بالضرب وهي على الإجمال:
* لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، لما ثبت عن النبي r أنه قال: [لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله] متفق عليه عن أبي بردة، واختار هذا القول الأذرعي والبلقيني.
* أن تعتبر كل عقوبة معصية بما شرع في جنسها من الحدود، ففي مقدمات الزنى والوطء المحرم من سواه يعاقب عليه بما دون حد الزنى، وفي السب بغير القذف يجلد أقل من حد القذف وهكذا، والمعتبر في الحر حده، وفي العبد حده.
* أن ينقص في تعزير العبد عن عشرين جلدة، وفي تعزير الحر عن أربعين جلدة.
* أن النقص عن العشرين يكون للحر كما يكون للعبد سواء، لأن العشرين أقل الحدود في حق العبد فهو داخل فيما يروى عن النبي r: [ من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين] رواه البيهقي وقد تقدم.
* أن المعتبر في أقل الحدود حد الحر، فيبلغ بالحر والعبد تسعة وثلاثين سوطًا.
فهذه هي أقوال علماء الشافعية، وقد ذكر معظمها الإمام النووي فقال:[وأما قدر التعزير فإن كان من غير جنس الحد كالحبس تعلق باجتهاد الإمام، وإن رأى الجلد فيجب أن ينقص عن الحد وفي ضبطه أوجه.
أحدها: أنه يفرق بين المعاصي، وتقاس كل معصية بما يناسبها من الجناية الموجبة للحد، فيعزر في الوطء المحرم الذي لا يوجب حدًا، وفي مقدمات الزنى، وفي الإيذاء والسب بغير قذف دون حد القذف، وفي إدارة كأس الماء على الشرب تشبيها بشاربي الخمر دون حد الخمر، وفي مقدمات السرقة دون حد السرقة، وعلى هذا فتعزير الحر يعتبر بحده، والعبد بحده.
الوجه الثاني: أن جميع المعاصي سواء، ولا يزاد تعزير على عشر جلدات، للحديث الصحيح أن رسول الله r قال:"لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد".
والثالث: وهو الأصح عند الجمهور وظاهر النص أنه تجوز الزيادة على عشرة، بحيث ينقص عن أدنى حدود المعزر، فلا يزاد تعزير حر على تسع وثلاثين جلدة، ولا العبد على تسع عشرة.
والرابع: يعتبر أدنى الحدود على الإطلاق، فلا يزاد حر ولا عبد على تسع عشرة.
والخامس: حكاه البغوي الاعتبار بحد الحر فيبلغ بالحر والعبد تسعًا وثلاثين] (1) .
رابعًا: مذهب الحنابلة:
بالنسبة لمذهب الحنابلة في أكثر التعزير يمكن تقسيمه إلى قسمين: