الصفحة 29 من 40

قسم تكون فيه العقوبة ثابتة ومحددة وملزمة أيضًا بحيث لا يجوز للحاكم أو القاضي اختيار غيرها من العقوبات التعزيرية كالحبس أو النفي وما شابهها، كما يجب عليه أن يصل بالضرب إلى قدر محدد وليس له أن ينزل عنه ولا أن يزيد عليه، والعقوبة بهذه الصفة تكاد تكون مطابقة للحد وهذا القسم في موضعين:

الموضع الأول: من وطء جارية امرأته التي أحلتها له، فإنه يجلد مائة لا يزاد عليها ولا ينقص منها لورود النص في ذلك، فعن النعمان بن بشير أنه رفع إليه رجل غشي جارية امرأته فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله r: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن كانت لم تحلها لك رجمتك رواه الخمسة.

الموضع الثاني: في الذي يطأ جارية مشتركة بينه وبين آخر فإنه يجلد مائة إلا سوطًا، والإمام أحمد تبع سعيد بن المسيب في هذا، فقد روى عبد الرزاق قال: سئل ابن المسيب ورجلان معه من فقهاء المدينة عن رجل وطئ جارية له فيها شرك فقالوا: يجلد مائة إلا سوطًا، وتقوّم عليه هي وولدها، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، قال الزركشي -رحمه الله-: [إذا تقرر هذا فلا تقدير في أقل التعزير، بل هو على قدر ما يراه الإمام، إلا في وطء جارية زوجته التي أحلتها له فإنه لا ينقص عن مائة، بل ولا يزاد عليها للنص] (2) ، وقال أيضًا: [ونقل جماعة عن أحمد في الرجل يطأ جارية بينه وبين شريكه: يجلد مائة إلا سوطًا، قال: كذا قال سعيد بن المسيب، قال الراوي: وذهب إلى حديث عمر - رضي الله عنه - ونص أيضًا فيما إذا وطئ جارية زوجته وقد أحلتها له أنه يجلد مائة] (1) .

وأما القسم الثاني:

مما يتعلق بمقدار أكثر الضرب في التعزير، فقد جاءت فيه أقوال متعددة في المذهب نذكرها إجمالًا:

* أنه لا يزاد فيه على عشرة أسواط، إلا في الموضعين السابقين، وذلك للحديث الثابت:"لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"متفق عليه وقد تقدم مرارًا.

* لا يبلغ بالضرب الحد، وهو ما نص عليه الخرقي في مختصره، ثم اختلف في الحد المقصود والذي لا يجوز أن يبلغه الضرب، فتارة فُسر بأنه أدنى حد مشروع وهو أربعون على اعتبار أن حد الخمر ثمانون جلدة، فيكون حد العبد فيها أربعين، فعلى هذا التفسير يجوز أن يبلغ به تسعة وثلاثين سوطًا ولا يتجاوزها، أما إذا قيل إن حد الخمر بالنسبة للعبد هو عشرون فيكون أقصى التعزير - على هذا التفسير - تسعة عشر سوطًا ولا يزيد عليها هذا في حق العبد، أما في حق الحر فلا يزيد فيها على تسعة وثلاثين سوطًا، لأن الأربعين حد الخمر في حقه، وأما التفسير الثاني في معنى قوله:"لا يبلغ بالضرب الحد"، أن ينظر إلى كل جناية بعينها، فلا يبلغ بها الحد الذي شرع في جنسها وإن تجاوزت حد غيرها قال ابن قدامة -رحمه الله-: [وروي عن أحمد ما يدل على هذا، فعلى هذا ما كان سببه الوطء جاز أن يجلد مائة إلا سوطًا، لينقص عن حد الزنى، وما كان سببه غير الوطء لم يبلغ به أدنى الحدود] (2) ،

وقال الزركشي -رحمه الله-: [ثم أكثر الأصحاب يقولون: لا يبلغ بالحر أدنى حده وهو الأربعون أو الثمانون، ولا بالعبد أدنى حده، وهو عشرون أو أربعون، وقيل لا يبلغ بكليهما حد العبد، وقال أبو محمد: إن كلام أحمد في وطء الأمة المشتركة ونحوها، وكلام الخرقي يحتمل أن لا يبلغ بالتعزير في الذنب حد جنسه، ويجوز أن يزيد على حد جنس آخر، وإلى هذا ميل أبي العباس، وهو أقعد من جهة الدليل] (3) .

فهذه مجمل الأقوال المتعددة المشهورة في المذاهب الأربعة في هذه المسألة - أكثر الضرب في التعزير -، وقد لخص اختلاف الناس في مقدار التعزير الإمام أبو محمد ابن حزم فقال -رحمه الله-:[اختلف الناس في مقدار التعزير فقالت طائفة: ليس له مقدار محدود، وجائز أن يبلغ به الإمام ما رآه، وأن يجاوز به الحدود بالغًا ما بلغ، وهو قول مالك وأحد أقوال أبي يوسف وهو قول أبي ثور والطحاوي من أصحاب أبي حنيفة.

وقالت طائفة: التعزير مائة جلدة فأقل، وقالت طائفة: أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة، وقالت طائفة: أكثر التعزير تسعة وسبعون سوطًا فأقل، وهو أحد أقوال أبي يوسف، وقالت طائفة: أكثر التعزير خمسة وسبعون سوطًا فأقل، وهو قول ابن أبي ليلى وأحد أقوال أبي يوسف، وقالت طائفة: أكثر التعزير ثلاثون سوطًا، وقالت طائفة: أكثر التعزير عشرون سوطًا، وقالت طائفة لا يتجاوز بالتعزير تسعة، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وقالت طائفة: أكثر التعزير عشرة أسواط فأقل، لا يجوز أن يتجاوز به أكثر من ذلك، وهو قول الليث بن سعد وقول أصحابنا] (1)

وإذا تأملنا في هذه الأقوال فإننا نجد أن مرد الخلاف في هذه المسألة راجع إلى الأمور التالية:

الأول: الحديث الثابت عن النبي r: [ لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى] .

الثاني: ما يروى عن النبي r أنه قال: [من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين] .

الثالث: قضايا الصحابة المتعددة والمشتهرة في ازديادهم الجلد على عشرة أسواط، ولم يعلم بينهم منكِر في ذلك، مما يفهم منه أن حديث النهي عن الزيادة على عشرة أسواط إما أنه منسوخ، وإما أن تكون وجهة فهمه غير ما حملها عليه من أوقف ضرب التعزير عند القدر المذكور في الحديث وهو عشرة أسواط.

أما عن الحديث الثاني، فقد ذكرت تضعيف الشيخ الألباني -رحمه الله- له، وهو كما ذكر البيهقي -رحمه الله- مرسلٌ فلا نشتغل به إذ الترجيح فرع عن الثبوت، ولذا فالكلام يكون عن حديث أبي بردة وكيفية التوفيق بينه وبين أفعال الصحابة المتعددة التي فهم منها البعض معارضتها له.

وعليه فإن أحد مدارك الخلاف بين من حدد التعزير وأوقفه عند عشرة أسواط وبين من لم يحده بحد بل جعله راجعًا إلى اجتهاد الحاكم وما يراه مناسبًا لحال الجاني وقدر الجناية وغيرها من الاعتبارات هو في تحديد معنى (الحد) المقصود في الحديث، فمن منع الزيادة على عشرة أسواط في عقوبات التعزير كالإمام أحمد في بعض الروايات عنه، والظاهرية، وغيرهم حملوا قول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] على الحدود المقدرة شرعًا كحد الزنا وحد القذف وحد الخمر، فيكون معنى الحديث عندهم: أنه لا يجوز أن يُضرب أحد في العقوبات أكثر من عشر جلدات إلا أن تكون العقوبة حدًا من الحدود المقدرة المعروفة كحد الزنا والقذف والخمر فعندها يجوز أن يجلد أكثر من عشر جلدات؛ ففي الزنا مائة، وفي القذف ثمانون، وفي الخمر أربعون أو ثمانون على خلاف معروف.

أما من جوّز للإمام أن يتجاوز في عقوبات التعزير الحدود المقدرة، فلهم مع الحديث ثلاثة مخارج:

الأول: أن الحديث منسوخ، واستدلوا على نسخه بإجماع الصحابة، فقد اشتهر بينهم الزيادة على العشر في غير الحدود من غير نكير، فلو لم يكن الحديث منسوخًا لتعارض مع الإجماع المنعقد بعده، فتكون الأمة قد أجمعت على خطأ وهذا لا يمكن، وقد ذهب إلى هذا القول بعض المالكية، والأحناف، والشافعية، فالمالكية جاز عندهم الزيادة على العشر من غير تحديد بل بقدر الذنب والمذنب، والأحناف والشافعية جوّزوا الزيادة ولكن منعوا من تجاوز الحدود حسب التفصيل الذي ذكرناه، ولا يخفى أن القول بالنسخ مبني على حمل (الحد) الوارد في الحديث على الحدود المقدرة شرعًا، فهم وافقوا من لم يتجاوز العشرة على فهمهم لمعنى الحد، ولكن خالفوهم في استقرار وبقاء حكم الحديث قال السيواسي الحنفي: [وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بردة أنه قال:"لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، وأجاب أصحابنا عنه وبعض الثقات بأنه منسوخ، بدليل عمل الصحابة بخلافه من غير إنكار أحد، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: أن لا تبلغ بنكال أكثر من عشرين سوطًا، ويروى ثلاثين إلى الأربعين] (1) .

وقال الخطيب الشربيني الشافعي بعد أن عدد أقوال المذهب في قدر التعزير وأن منها عدم الزيادة على العشر قال: [وأجاب الأول - أي من جوز الزيادة - عنه بأنه منسوخ بعمل الصحابة على خلافه من غير إنكار، وقال القونوي: وحمْلُه على الأولوية بعد ثبوت العمل بخلافه أهون من النسخ ما لم يتحقق] (1) ، قول القونوي الذي ذكره يمكن اعتباره قولًا آخر وهو حمل الحديث على جواز الزيادة ولكن الاقتصار على العشرة أولى وأفضل، فيكون النهي في الحديث ليس للتحريم، وقال الإمام الشوكاني-رحمه الله-: [وقال الرافعي الأظهر أنه يجوز الزيادة على العشرة وإنما المراعى النقصان عن الحد، قال: وأما الحديث المذكور فمنسوخ على ما ذكره بعضهم، واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير إنكار] (2) ، وقال الإمام النووي: [وأجاب أصحابنا عن الحديث بأنه منسوخ، واستدلوا بأن الصحابة - رضي الله عنهم - جاوزوا عشرة أسواط] (3) .

إلا أن العلامة ابن دقيق العيد -رحمه الله- قد رد القول بالنسخ، مطالبًا القائلين به بإثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه، وما نقل من أحكامهم في ذلك لا يرتقي لأن يكون إجماعًا فقال -رحمه الله-: [واختلف المخالفون لظاهر هذا الحديث في العذر عنه، فقال بعض مصنفي الشافعية: إنه منسوخ بعمل الصحابة بخلافه، وهذا ضعيف جدًا لأنه يتعذر عليه إثبات إجماع الصحابة على العمل بخلافه، وفعل بعضهم أو فتواه بخلافه لا يدل على النسخ] (4) .

ومما يزيد في ضعف القول بالنسخ أن الذين ذهبوا إليه لم يذكروا الناسخ له، واكتفوا بدعوى انعقاد الإجماع على خلافه، ولا شك أن الإجماع في نفسه لا ينسخ حكمًا شرعيًا ثابتًا، لأن أحكام الشريعة اكتملت واستقرت ولا يمكن رفعها أو تبديلها بعد وفاة النبي r ، والإجماع - حسب تعريف الأصوليين له - إنما ينعقد بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، كما قال صاحب المراقي فيه:

وهو الاتفاق من مجتهدي ... الامة من بعد وفاة أحمد

فالقول بأن الإجماع في نفسه يمكن أن ينسخ ويرفع حكمًا شرعيًا ثابتًا من غير أن يستند في نسخه إلى دليل من كتاب، أو سنة، يعد قولا عظيما ولا أحسب أن أحدًا من الأئمة يقول به، وبعيد كل البعد أن تجمع الأمة على خلاف حكم ثابت بدليل شرعي صحيح من آية أو حديث بحيث يتعذر الجمع بين هذا الدليل وذلك الإجماع حتى يلجأ للنسخ من غير أن تعرف الأمة مستند هذا الإجماع، والذي يجب أن يكون هو الناسخ الحقيقي للحكم، وهذا الأمر قد بينه شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى في مواطن من مصنفاته منها قوله: [وكل من ادعى إجماعًا يخالف نصًا فأحد أمرين لازم: إما بطلان إجماعه وإما بطلان نصه، وكل نص اجتمعت الأمة على خلافه، فقد علم النص الناسخ له، وأما أن يبقى في الأمة نص معلوم والإجماع مخالف له فهذا غير واقع] (1) ، وعليه فلا يمكن قبول القول بالنسخ لحديث: [لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى] إلا حيث ثبت التعارض من كل وجه بين الإجماع - إن صح - وبين حديث النبي r مع لزوم بيان الدليل الناسخ له من الكتاب أو السنة وهو ما لم يفعله القائلون به.

المخرج الثاني: أن الاكتفاء بالعشرة محمول على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، إذ كان هذا القدر يكفي في زمنهم للزجر، لما علم من صلاحهم وزكاء نفوسهم، وصفاء قلوبهم، وسرعة انقيادهم للحق ورجوعهم إليه، وهذا القول قد ذكره بعض المالكية، والذي ألجأ إليه أيضًا هو حمل معنى (الحد) الوارد في الحديث على الحدود المقدرة شرعا.

قال القرافي -رحمه الله- مجيبًا عمن احتج عليهم بهذا الحديث:[والجواب أنه خلاف مذهبهم - أي الأحناف والشافعية - فإنهم يزيدون على العشر، أو لأنه محمول على طباع السلف رضي الله عنهم، كما قال الحسن:"إنكم لتأتون أمورًا هي في أعينكم أدق من الشعر إن كنا لنعدها من الموبقات" (2) .

فكان يكفيهم قليل التعزير، ثم تتابع الناس في المعاصي حتى زوروا خاتم عمر رضي الله عنه، وهو معنى قول عمر بن عبد العزيز:"تحدث للناس أقضية على قدر ما أحدثوا من الفجور"، ولم يرد رضي الله عنه نسخ حكم بل المجتهد فيه ينتقل له الاجتهاد لاختلاف الأسباب] (1) ، وهذا القول أيضًا في غاية الضعف والبعد، بل هو مردود حتمًا وبلا تردد، لأن الأصل في أحكام الشريعة أن تكون عامة لكل العصور وشاملة لجميع الدهور ومنسحبة أحكامها على كل الناس، لا يختص بها زمن دون زمن ولا مكان دون مكان إلا حيث جاء النص مبينًا ذلك صريحًا فيه، فكيف يقول النبي r: [ لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله] ، وهو يضمر استثناءً مضمونُه إلا إذا انقضت القرون المفضلة فيجوز لكم عنها تجاوز العشر جلدات، أليس هذا تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة وهو الذي نص العلماء على أنه لا يجوز، بل هو إخفاء للبيان مع شدة الحاجة وقيام الداعي، ثم إن هذا تخصيص من غير مخصص وما ذكره القرافي من التعليلات لا تصلح لأن تكون مخصصة للحديث أو مقيدة له، ولهذا قال الإمام النووي -رحمه الله-: [وتأوله أصحاب مالك على أنه كان ذلك مختصًا بزمن النبي r لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا التأويل ضعيف والله أعلم] (2) ، وقال العلامة ابن دقيق العيد -رحمه الله-: [وقال بعض المالكية: وتأول أصحابنا الحديث على أنه مقصور على زمن النبي r ، لأنه كان يكفي الجاني منهم هذا القدر، وهذا في غاية الضعف أيضًا، لأنه ترك للعموم بغير دليل شرعي على الخصوص، وما ذكره مناسبة ضعيفة لا تستقل بإثبات التخصيص] (3) ، وقد شدد إمام الحرمين الجويني القول على من ذهب هذا المذهب واعتمد هذه الحجة، وأغلظ له العبارة تنفيرًا منها وتحذيرًا من الاغترار بها فقال: [وذهب بعض الجهلة عن غرة وغباوة أن ما جرى في صدر الإسلام من التخفيفات، كان سببها أنهم كانوا على قرب عهد بصفوة الإسلام، وكان يكفي في ردعهم التنبيه اليسير والمقدار القريب من التعزير، وأما الآن فقد قست القلوب، وبعدت العهود، ووهنت العقود، وصار متشبث عامة الخلق الرغبات والرهبات، فلو وقع الاقتصار على ما كان من العقوبات، لما استمرت السياسات، وهذا الفن قد يستهين به الأغبياء، وهو على الحقيقة تسبب إلى مضادة ما ابتعث به سيد الأنبياء، وعلى الجملة من ظن أن الشريعة تُتَلقى من استصلاح العقلاء، ومقتضى رأي الحكماء، فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة، ولو جاز ذلك، لساغ رجم من ليس محصنًا إذا زنا في زمننا هذا، لما تخيله هذا القائل، ولجاز القتل بالتهم في الأمور الخطيرة، ولساغ إهلاك من يخاف غائلته في بيضة الإسلام، إذا ظهرت المخايل والعلامات، وبدت الدلالات، ولجاز الازدياد على مبالغ الزكوات عند ظهور الحاجات، وهذه الفنون في رجم الظنون، لو سلطت على قواعد الدين لاتخذ كل من يرجع إلى مسكة من عقل فكره شرعًا، ولانتحاه ردعًا ومنعًا، فتنتهض هواجس النفوس حالة محل الوحي إلى الرسل] (1) .

المخرج الثالث: أن قول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] ليس المقصود به الحدود المقدرة، بل معناها إلا أن يقع التجاوز في حدود الله التي هي محارمه، كارتكاب المحرمات وترك الواجبات، إذ المعاصي كلها حدود لله، أما إن كان الضرب للتأديب كضرب المعلم تلاميذه، والرجل زوجته، أو الأب أبناءه، أو السيد عبده، فلا يجوز في مثل هذه الحال الزيادة على العشرة، وقد ذهب إلى هذا التفسير بعض المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم -رحمهما الله- وتبعهم في ذلك بعض المتأخرين، فلهذا يقولون إنه ليس ثمة تعارض بين ما نقل عن الصحابة من زيادتهم في التعزير على عشرة أسواط، وبين نهي الحديث عن الزيادة في الضرب عليها، إذ ما نهى عنه الحديث ليس هو ما فعله الصحابة، فلكل وجهة ومحمل، إذن فأصحاب هذا القول قد اتجهوا اتجاهًا آخر في معنى الحديث، بخلاف القولين السابقين الذين يوافقان من منع تجاوز العشرة في جعلهم المقصود بالحدود في الحديث الحدود المقدرة المعروفة، وعليه فإن دعائم الترجيح لأصحاب هذا القول ومخالفيهم تنصب على بيان المعنى الصحيح لقول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] ، وهذا يتطلب أن يأتي كل من الفريقين بما يقوي قوله، ويدعم اختياره في معنى الحد الذي ذهب إليه، فإذا ثبت أن المقصود بالحدود في هذا الموطن هي الحدود المقدرة، كحد الزنا، وحد القذف، وحد الخمر ونحوها، فيكون معنى الحديث أنه لا يجوز أن يتجاوز في عقوبات التعزير - إذا كانت بالضرب - عشر جلدات، وأما إن فسر الحد في هذا الموضع بما سوى ذلك وهي معاصي الله تعالى الشاملة لارتكاب المحرمات وترك الواجبات، فلا يدل الحديث عندها على المنع من الزيادة على العشر إلا في مجال ضيق جدًا.

وفي بيان مبنى الخلاف بين الفريقين يقول الإمام الصنعاني-رحمه الله-: [كما اختلفوا في عقوبة جحد العارية، واللواط، وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق ... هل يسمى حدًا أم لا؟ فمن قال يسمى حدًا، أجاز الزيادة في التعزير عليها على العشرة الأسواط، ومن قال لا يسمى حدًا لم يجزه] (1) ، وقال الإمام ابن رجب -رحمه الله-: [وأما قول النبي r:"لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله"، فهذا قد اختلف الناس في معناه، فمنهم من فسره هاهنا بهذه الحدود المقدرة، وقال: إن التعزير لا يزاد على عشر جلدات، ولا يزاد عليها إلا في هذه الحدود المقدرة، ومنهم من فسر الحدود هاهنا بجنس محارم الله، وقال: إن المراد بمجاوزة العشر الجلدات لا يجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم الله، فأما ضرب التأديب على غير محرم فلا يتجاوز به عشر جلدات] (2) ، وقال الشيخ عبد الله آل بسام: [اختلف العلماء في المراد من معنى قوله:"إلا في حد من حدود الله"فذهب بعضهم: إلى أن المراد (بالحدود) هي التي قدرت عقوباتها شرعًا كحد الزنا، والقذف، والسرقة، والقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، فعلى هذا يكون ما عداها من المعاصي، هو الذي عقوبة مرتكبه التعزير، وهو من عشرة أسواط فأدنى ... وذهب بعض العلماء: إلى أن معنى قوله r:"إلا في حد من حدود الله"أن المراد بحدود الله أوامره ونواهيه، وأنه ما دام التعزير لأجل ارتكاب معصية بترك واجب أو فعل محرم فيبلغ به الحد الذي يراه الإمام رادعًا وزاجرًا من ارتكابه والعودة إليه، وذلك يختلف باختلاف المكان والزمان وباختلاف الأشخاص وباختلاف المعصية] (3) وهذا يقتضي تبيين بعض المعاني التي جاء لها الحد في لغة الشارع، ثم ترجيح أي من تلك المعاني هو المقصود والمعنيّ في هذا الحديث موطن النزاع، وكنا قد ذكرنا عند الكلام على إقامة الحدود في دار الحرب المعاني التي يأتي لفظ الحد لها في الشرع، ولكن لا بأس من إعادة تقرير ذلك المعنى حتى لا ينقطع ذهن القارئ ولترتبط المسألة ببعضها البعض:

أولًا: إطلاق لفظ الحد على العقوبات المقدرة والمحددة:

اصطلح الفقهاء على أن الحد إذا أطلق في لسانهم فإن المقصود به هو العقوبات المقدرة شرعًا، ولذلك يقولون مثلًا (كتاب الحدود) ، ثم يعرفونها بنحو: عقوبة مقدرة شرعًا في معصية لتمنع الوقوع في مثلها، ويعنون بها الحدود التي وضع لها الشارع عقوبات محددة؛ كحد الزنا، وحد القذف به، وحد شرب الخمر، وهكذا، قال العلامة التهانوي في تعريف الحد: [وعند الفقهاء عقوبة مقدرة تجب حقًا لله تعالى، فلا يسمى القصاص حدًا لأنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير، والمراد بالعقوبة هاهنا ما يكون بالضرب أو القتل أو القطع فخرج عنه الكفارات] (1) ، فهذا هو المعنى الذي اصطلح عليه الفقهاء وجرى واستقر عليه عرفهم، وهو المقصود عند إطلاق هذا اللفظ في مصنفاتهم إلا حيث وجد صارف عن ذلك، ولكن هل لاصطلاحهم على ذلك أصل في لغة الشارع مما جاء في الكتاب، أو السنة، أو على ألسنة الصحابة قبل إحداث المصطلحات؟، ثم إن جاء ذلك في لغة الشرع فهل هو محصور في هذا المعنى، أم أنه جاء له ولغيره مما يفهم في كل موطن بحسب السياق والقرائن؟

أما عن ورود لفظ (الحد) في كلام الشارع مع إرادة الحدود المقدرة فقد جاء في غير ما موضع نذكر ما يتيسر منها:

1 -عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي r: [ أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود] رواه أحمد وأبو داود، فالنبي r قد سمى العقوبات المقدرة حدودًا، إذ لا شك أن المقصود بالحدود في هذا الحديث هو العقوبات المقدرة، والتي يجب إقامتها على القوي، والضعيف، والشريف، والوضيع، وذي الهيئة وغيره.

2 -عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن أسامة رضي الله عنه كلم النبي r في المرأة المخزومية التي سرقت فقال: [أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد] (2) ، وتسمية الشارع لقطع يد السارق حدًا في هذا الحديث بينة جلية، فإنكار النبي r على أسامة إنما كان لشفاعته في المرأة المخزومية من أجل إسقاط قطع اليد عنها الذي سماه النبي r حدًا بقوله: [أتشفع في حد من حدود الله] .

3 -عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول: [إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر] (1) ودلالة الحديث على المقصود واضحة.

4 -ومنها ما رواه البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة اليهوديين الذين زنيا وفيها قول النبي r لليهودي: [أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قالوا نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم .. الحديث] (2)

وهو واضح فيما سيق له، والأحاديث التي نصت على تسمية العقوبات المقدرة حدودًا كثيرة جدًا، وكذلك الآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم، فمن ذلك:

ما ثبت عن علي رضي الله عنه أنه قال: [ما كنت لأقيم على أحد حدًا فيموت فأجد على نفسي إلا شارب الخمر، فإنه لو مات لوديته] (3) .

· ... عن أنس بن مالك أن النبي r أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن: [أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر] (4) ، والآثار في ذلك كثيرة لا تحصى، فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن من معاني الحد التي تستعمل في لسان الشارع الحد المقدر الذي جرى عليه عرف الفقهاء واستقر اصطلاحهم فيما بعد.

ثانيًا: مجيء لفظ الحدود لمعان أخرى غير الحدود المقدرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت