فكما أن لفظ الحد والحدود جاءت في لسان الشارع ويراد بها الحدود المقدرة والعقوبات المحددة، فقد أتت ويراد منها معان أخرى سوى المعنى المذكور، وذلك كثير في كتاب الله تعالى فمن ذلك، قوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، وقوله:] إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [ (البقرة: 229) ، وقوله:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، وقوله:] وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [، وقوله:] فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ [، وقوله:] وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [، وقوله:] الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ [ (التوبة: 97) ، وقوله:] الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [ (التوبة: 112) ، وقوله:] لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ (الطلاق: 1) ، وقوله:] وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا [ (النساء: 14) ، فلفظ الحدود في هذه الآيات لا يراد به عين العقوبات المقدرة بانفرادها، وإن كانت مشمولة بالعموم في بعضها، لاندراجها تحت ما أمر الله بإقامته وحفظه من الزيادة فيه أو النقصان عنه، فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله- تعالى: [فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام، مثل آخر الحلال وأول الحرام، فيقال في الأول:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [، ويقال في الثاني:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [] (1) ، وقال أيضًا: [وقد جاء في كتاب الله تعالى في موضع:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [، والحدود هنا هي نهايات المحرم وأولها، فلا يجوز قربان شيء من المحرم، وفي موضع:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [، والحدود هنا نهايات الحلال فلا يجوز تعدي الحلال] (2) ، وبين المعنى الأول الذي أشار إليه شيخ الإسلام في قول الله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا[الآيات الكثيرة التي جاءت ناهية عن قربان معاصي وآثاما بعينها كما في قوله تعالى:
]وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلًا [ (الإسراء: 32) ، وكما في قوله سبحانه:] وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [ (الأنعام: 15) ، وكما في قوله عز وجل:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [ (النساء: 43) ، وكما في قوله:] وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ [ (البقرة: 222) ، وكما قال سبحانه في حق آدم وزوجه:] وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ [ (البقرة: 35) ، وغيرها من الآيات التي تبين المعنى الذي أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله-، إذ هذه الآيات كلها تنهى عن الدنو من المحرمات المذكورة فيها وعن الاقتراب من حدودها، وأما عن الاعتداء في المباحات وحرمة تجاوزها إلى المحرمات فمن ذلك قوله سبحانه:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ [ (المائدة: 87 - 88) ، قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: [وقوله تعالى:"ولا تعتدوا"يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه كما قال تعالى:] وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا [الآية، وقال:] وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [ (الفرقان: 67) ، فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه لا إفراط ولا تفريط] (1) ، وعلى هذا فإن المعنيين الذين أشار إليهما شيخ الإسلام يعتبران وطيدي الصلة بالمعنى اللغوي، إذا الحد في اللغة كما قال صاحب القاموس: الحاجز بين الشيئين، ومنتهى كل شيء، فالله نهى عن تخطي وتجاوز حدود الحلال التي بينها، ونهى عن دخول واقتحام حدود المحرمات التي زجر عنها، فهو أمر بالاقتصار على ما أباحه، وزجر عن الخوض فيما حرمه، قال الإمام ابن القيم: [فالعدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ (البقرة: 229) ، وقال في موضع آخر:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [فنهى عن تعديها في آية، وعن قربانها في آية، وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام، ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه، وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة، فبالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها] (2) .
وفي صحيح البخاري معلقًا عن ابن عباس قال: الحدود الطاعة.
قال ابن حجر -رحمه الله-: [وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله:"تلك حدود الله"يعني طاعة الله، وكأنه تفسير باللازم، لأن من أطاع وقف عند امتثال أمره واجتناب نهيه] (1) .
ومن السنة حديث النعمان بن بشير أن النبي r قال: [مثل القائم على حدود الله والواقع فيها ... الحديث] (2) ، ونحو ذلك من الأحاديث.
فلما دار المعنى في قول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] بين أن يراد به إلا في حد من الحدود المقدرة، أو يراد به إلا أن يكون في معصية الله تعالى التي هي حقوقه والشاملة لترك الواجبات وفعل المحرمات، لزم الرجوع إلى ما يمكن أن يرجح به أحد القولين، فإذا ثبت أن المعنى الأول هو المراد من الحديث فعندها يصبح الحكم الثابت أنه لا يجوز الزيادة على عشرة أسواط في العقوبات التعزيرية التي يكون موجبها وسببها حقوق الله التي هي نواهيه، وذلك لشمول قول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] لها، فتكون داخلة في المستثنى.
الراجح:
إذا تبين هذا واتضح مدرك الخلاف بين الفريقين ومبنى الأقوال بين الاتجاهين، فمن المعلوم أن الجمع بين الأدلة الشرعية واجب متى ما أمكن ذلك، لأن العمل بالأدلة كلها إنما يتم به، فكلما أمكن ذلك وجب القيام به، فلا يلجأ إلى الترجيح، أو النسخ، أو التوقف، إلا حيثما تعذر الجمع، لأن في هذه الأمور إهمالًا لأحد الأدلة أو لكليهما، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أحرى هما معًا.
قال صاحب المراقي:
والجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بُيِّننا
ومما لا شك فيه أن الصحابة رضي الله عنهم قد ثبت عنهم الزيادة على عشرة أسواط في قضايا تعزيرية متعددة مشتهرة، بل قد وقعت منهم الزيادة في بعضها على الحدود المقدرة، ومن البعد أن تقع وتشتهر هذه القضايا وتحصل بينهم دون أن يعلم منكر في ذلك إن كان فعلهم مخالفًا لقول النبي r ، فلما لم ينقل لنا أن أحدًا منهم أنكر الزيادة على العشرة، أو فسر الحديث بما ذهب إليه من حمله على الحدود المقدرة، كان الأقرب أنهم لم يفهموا من الحديث تحريم الزيادة على العشرة في غير الحدود المقدرة أصلًا، فحمل لفظ حدود الله الوارد في الحديث على المعنى العام لها، وهي المعاصي هو السبيل للجمع بين أفعال الصحابة وأقوالهم القاضية بجواز الزيادة على العشرة في غير الحدود المقدرة، وبين قول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] ، وهذا أولى من تخطئة الصحابة رضوان الله عليهم وحمل أفعالهم على مخالفة الحديث، وقد قال الإمام ابن حجر -رحمه الله- عن هذا الحديث إنه: [لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة] (1) ، وقال الصنعاني-رحمه الله-: [واعلم أن الذي ألجأ ابن تيمية ومن تبعه، والمالكي، إلى ما قالوه هو ما وقع من الصحابة في التعزيرات من الزيادة على العشر، كما مر في قصة عمر مع صبيغ، وما روي عنه أنه كتب إلى أبي موسى لا يجلد في التعزير أكثر من عشرين، وعن عثمان ثلاثين، وعن ابن مسعود أنه بلغ مائة، والقول بأنه لم يبلغهم حديث الباب بعيد] (2) .
فالذي يترجح والله أعلم هو جواز الزيادة على عشرة أسواط في العقوبات التعزيرية التي يكون موجبها معاصي الله التي هي حقوقه، والتي يتولى الولاة المعاقبة عليها، أما ما كان للتأديب، كضرب الرجل زوجته الناشز، وضرب الأب أبناءه، وضرب المعلم تلاميذه، والسيد عبده، فهذا لا تجوز فيه الزيادة على العشر، ثم إنه قد ثبت بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم أن لفظ الحدود يطلق على معان متعددة من ضمنها الحدود المقدرة وهو أحد أفراد المعنى، وليس المعنى محصورًا فيه، ومن المعلوم أيضًا أن اللفظ متى كان عامًا وجب حمل الحكم الثابت به على جميع أفراده ما دام صالحًا لذلك، لأن في قصره على بعضها - كما هو الحال هنا - تخصيصًا من غير مخصص واستثناء لبعض أفراده من الحكم من غير موجب، وعليه فإن من خصص لفظ (الحدود) الوارد في الحديث بالعقوبات المقدرة، وأخرج ما سواها من المعاني التي ثبت أن اللفظ الشرعي يشملها ابتداء هو المطالب بدليل التخصيص وقرينة الإخراج، وذلك لأن من أبقى اللفظ على عمومه، وقرره على شموله، يعد جاريًا على الأصل منضبطًا بالقاعدة، أما حمل ألفاظ الشارع على المصطلحات الحادثة، وقصر معانيها عليها فهو مسلك ليس بسديد، ولهذا فإذا تأملنا في اعتراضات من أوقف التعزير عند عشرة أسواط، وفي أقوال من استدل بالحديث على ذلك لم نجد فيها جوابًا شافيًا ولا ردًا وافيًا على من تمسك بالعموم وطالب بدليل التخصيص، وإنما تمسكوا بما ظنوه ظاهر اللفظ، وهو ما ينازعهم فيه من أجاز الزيادة، إذ لو كان ظاهرًا لما كان هناك اختلاف في تحتم الأخذ به، ونحن ننقل بعض أقوالهم واستشكالاتهم لتكتمل الصورة.
قال العلامة بن دقيق العيد -رحمه الله- ناقلا قول بعض المالكية:[قال هذا المالكي: وتأولوه أيضًا على أن المراد بقوله:"في حد من حدود الله"، أي في حق من حقوقه، وإن لم يكن من المعاصي المقدرة حدودها، لأن المحرمات كلها من حدود الله.
وبلغني عن بعض أهل العصر أنه قرر هذا المعنى، بأن تخصيص الحد بهذه المقدرات أمر اصطلاحي فقهي، وأن عرف الشرع في أول الإسلام لم يكن كذلك، أو يحتمل أن لا يكون كذلك - هذا أو كما قال - فلا يخرج عنه إلا التأديبات التي ليست عن محرم شرعي] (1) ، والعصري الذي أشار إليه ابن دقيق العيد هو شيخ الإسلام -رحمه الله- كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال: [والعصري المشار إليه أظنه ابن تيمية، وقد تقلد صاحبه ابن القيم المقالة المذكورة] (2) ،
وبعد أن ذكر الإمام ابن دقيق العيد -رحمه الله- كلام المالكية وشيخ الإسلام أجاب عنه بثلاثة أجوبة:
الأول: قوله: [وهذا أولًا خروج في لفظة"الحد"عن العرف فيها، وما ذكره العصري يوجب النقل، والأصل عدمه] (3) .
ومراد العلامة ابن دقيق العيد أن القول بأن ما اصطلح عليه الفقهاء من جعل لفظ الحد خاصًا بالحدود المقدرة ليس هو في أصل الوضع يوجب أن الفقهاء قد نقلوه عن وضعه وهذه دعوى لأن الأصل بقاء الألفاظ ومن ادعى النقل فعليه الدليل، وبين ذلك العلامة الصنعاني في حاشيته فقال:
[قوله:"وهذا أولا"، أقول: هذا أولها، وهو أنه قد لزم من كلام ابن تيمية أن لفظ الحد قد أخرجه الفقهاء بعرفهم عن معناه اللغوي، ونقلوه إلى معنى عرفي، والأصل عدم النقل، فالدليل على مدعيه] ، قلت: إن المدعي قد أتى بالبينة الشرعية والبراهين الجلية التي لا مطعن فيها، وهو ما ساقه من الآيات القرآنية وما جاء من الأحاديث النبوية، وما ثبت من آثار الصحابة الدالة كلها على إطلاق لفظ الحدود على ما كان من العقوبات مقدرًا وغيرها من المعاصي، وورودها لهذه المعاني جميعها في كلام الشارع لا شك فيه، وعليه فإن من خصها بمعنى دون معنى، وقصرها على فرد دون آخر، هو المطالب بالدليل على ذلك، وليس الكلام على جهة جواز اصطلاح الفقهاء من عدمه، فإن الاصطلاح لا مشاحة فيه ولا تثريب عليه، ولكن أن يجعل هذا المصطلح الحادث هو مقصود الشارع ومراده من الألفاظ دون ما سواها من غير قرينة فهذا هو المنازع فيه.
أما قول العلامة ابن دقيق العيد -رحمه الله-: [وهذا خروج في لفظة الحد عن العرف فيها] ، فأي عرف الذي خرج عنه هل هو عرف الفقهاء أم هو العرف الشرعي العام، أما إن كان الأول فنعم، وهو ما يقوله المخالف ويقرره ولا ينكره لأنه يرى أن الألفاظ الشرعية ذات المعاني المستقرة قبل أن يحدث الفقهاء تعريفاتهم ومصطلحاتهم لا يجب أن تقيد بما استحدث بعدها من الأسماء، ولا يصح أن تحاكم إليها وتحكم عليها وتتحكم فيها فإن عرف الشارع في معاني تلك الألفاظ سابق لعرف الفقهاء فيها، وأما إن كان يقصد بالعرف المعنى الثاني وهو العرف الشرعي العام فالمخالف يقرر أن من خص لفظ الحد بالعقوبات المقدرة هو الذي خرج عن عرف الشارع حيث خصص ألفاظه ببعض أفراده بدون دليل.
أما قوله: [وما ذكره هذا العصري يوجب النقل والأصل عدمه] ، فالسؤال هل المقصود بالنقل هنا هو النقل من المعنى اللغوي إلى المعنى العرفي الذي استقر عليه كلام الفقهاء كما أشار لذلك العلامة الصنعاني، أم هو النقل مما قررته الشريعة من معنى الحد إلى ما تعارف عليه الفقهاء؟، فإن كان المقصود هو الأول، فلا ينبغي أن يختلف أن معنى الحد في عرف الفقهاء واصطلاحهم ليس هو معناه في لسان أهل اللغة، ولهذا فالذي يظهر أن في تعليق العلامة الصنعاني قلقًا، لأن الحد في لغة العرب كما قال صاحب القاموس: [الحاجز بين شيئين، ومنتهى الشيء، .. وتأديب المذنب بما يمنعه وغيره عن الذنب] ، وهذا المعنى شامل للحدود المقدرة وغيرها من العقوبات، بل ويضم في ثناياه معاني أخرى اشتمل عليها لفظ الحد في لغة العرب، فقصر معنى اللفظ بعد ذلك على الحدود المقدرة فقط لا شك أنه نقل له عن معناه العام اللغوي إلى معنى أخص منه، والنقل ليس مقصورًا فقط على تناسي المعنى الأصلي الذي وضع له اللفظ وإماتته ثم سوقه لمعنى جديد سواه، بل النقل يشمل هذه الصورة ويدخل فيه كذلك تخصيص اللفظ ببعض معانيه الأصلية وإهمال ما سواها، وهذا هو ما فعله الفقهاء مع لفظ الحد من حيث معناه اللغوي والشرعي على حد سواء، وقد أشار الإمام الصنعاني إلى هذا المعنى بعد أن عرف الحد حسب اصطلاح الفقهاء ثم قال: [التعريف الذي أسلفناه يشعر بأن الحد يختص بالمقدرات، ولكن لعله الحد العرفي، قاله ابن تيمية، وفي القاموس الحد تأديب المذنب بما يمنعه وغيره من الذنب انتهى، وفي المصباح المنير: حددته عن أمره إذا منعته، فهو محدود، ومنه الحدود المقدرة في الشرع لأنها تمنع من الإقدام، وفي هذا ما يؤيد كلام ابن تيمية] (1) .
أما إن كان يقصد بالنقل نقلهم اللفظ من المعنى الشرعي العام الشامل للعقوبات المقدرة وغيرها، فإن هذا هو الواقع سواء سمي نقلًا أم لا، إذ لا شك أن لفظ الحدود الذي ورد في الكتاب والسنة وكلام الصحابة لا يقتصر فقط على معنى الحدود المقدرة، وكما علمنا أن موطن النزاع ليس في تسمية الحدود المقدرة حدودًا، ولكن في قصر لفظ الحدود على هذا المعنى فقط، وتعليق الأحكام الشرعية عليه دون ما سواه، قال ابن منظور:[وحدود الله تعالى: الأشياء التي بين تحريمها وتحليلها، وأمر أن لا يتعدى شيء منها فيتجاوز إلى غير ما أمر فيها أو نهى منها، ومنع من مخالفتها ... قال الأزهري: فحدود الله عز وجل ضربان:
ضرب منها حدود حدها للناس في مطاعمهم، ومشاربهم، ومناكحهم، وغيرها مما أحل وحرم، وأمر بالانتهاء عما نهى عنه منها، ونهى عن تعديها، والضرب الثاني: عقوبات جعلت لمن ركب ما نهى عنه كحد السارق ... سميت حدودا لأنها تمنع من إتيان ما جعلت عقوبات فيها، وسميت الأولى حدودًا لأنها نهايات نهى الله عن تعديها .. وأصل الحد المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام، فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى:]تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [ومنه ما لا يتعدى كالمواريث المعينة وتزويج الأربع، ومنه قوله تعالى:] تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [] (1)
صحيح إن قول شيخ الإسلام: [وأما تسمية العقوبات المقدرة حدًا فهو عرف حادث] يوهم أن هذه التسمية لا عهد للشارع بها، ولكن لا شك أن مقصود شيخ الإسلام إن تخصيص الاسم بهذا المعنى هو الحادث، لا أن الشارع لم يسم العقوبات المقدرة حدودًا على وجه الإطلاق، ولهذا فربما كانت عبارة الإمام ابن القيم في هذا الصدد أدق حيث يقول: [الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة، والحد في لسان الشارع أعم من ذلك، فإنه يراد به هذه العقوبة تارة، ويراد به نفس الجناية تارة] (2) ، ويقول العلامة بكر أبو زيد-وفقه الله-: [فابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف (الحد) ، ولكن يعارض بكل شدة أن يقضى بالاصطلاحات الحادثة على نصوص الشارع، فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها، ولا شك أن هذا من الغلط البين على نصوص الكتاب والسنة، ومن هذا الغلط غلط من فسر لفظ (حدود الله) في الحديث المذكور بمعنى (ذات العقوبة المقدرة) ، فهذا قضاء على عموم معنى النص باصطلاح حادث، وإنما معناه ما حرم لحق الله فإن (حدود الله) هي (حقوق الله) ، وهذا يشمل ويعم المقدرة وغيره] (3) ، ولهذا فإن قول الإمام الشوكاني في اعتراضه على هذا القول: [واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة، ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف إن أخف الحدود ثمانون] (4) ، لا يصلح للمعارضة، ولا يقوى على دفع ما تمسك به من اعترض عليهم، فإنه قد ظهر أيضًا أن الشارع يطلق الحدود ويريد بها معاني أخرى سوى الحدود المقدرة، فكونه يسمي العقوبات المقدرة حدودًا في بعض المواطن، لا يقتضي بالضرورة أنها هي المعنية في هذا الموطن والله تعالى أعلم.
الثاني: من اعتراضات ابن دقيق العيد على المالكية وابن تيمية ومن قال بقولهم قوله:
[أنا إذا حملناه على ذلك، وأجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد، لم يبق لنا شيء يختص المنع فيه بالزيادة على عشرة أسواط، إذ ما عدا المحرمات كلها التي لا تجوز فيها الزيادة ليس إلا ما ليس بمحرم، وأصل التعزير فيه ممنوع، فلا يبقى لخصوص منع الزيادة معنى، .. وقد يعتذر عنه بما أشرنا إليه من أنه لا يخرج عنه إلا التأديبات على ما ليس بمحرم، ومع هذا فيحتاج إلى إخراجها عن كونها من حقوق الله] (1) ، وملخص كلامه أنه إن قيل إن كل حقوق الله تعالى تجوز فيها الزيادة على عشرة أسواط، فما الذي بقي مما يستوجب التعزير بحيث تحرم فيه الزيادة؟، فإن قيل التأديبات، فكيف أخرجت التأديبات عن حقوق الله حتى جُوّزت فيها الزيادة على العشر؟ وقد نقل الإمام ابن حجر -رحمه الله- كلام ابن دقيق العيد ثم أجاب عنه بقوله: [ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين علي العصري المذكور إن كان ذلك مراده] (2) .