الصفحة 33 من 40

روى ابن ماجة في سننه قال: حدثنا هشام بن عمار ثنا إسماعيل بن عياش ثنا عباد بن كثير عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: [ لا تعزروا فوق عشرة أسواط] ، وهذا الحديث قد صححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في (صحيح الجامع 7369) ، وحسنه في (صحيح سنن ابن ماجة 2/ 89) وقال: [حسن لغيره] ، والحديث الذي قبله هو ما رواه أبو بردة بن نيار رضي الله عنه: أن رسول الله r كان يقول: [لا يجلد فوق عشرة جلدات إلا في حد من حدود الله] وهذا الحديث قد أخرجه الأئمة البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وغيرهم، ولكن بالتأمل - والله أعلم - يظهر أن هذا الحديث الذي صححه الشيخ الألباني ضعيف وذلك لأمور:

الأول: أن في إسناده إسماعيل بن عياش أبا عتبة العنسي الحمصي، وقد ضعفوا روايته عن غير الشاميين وهذا منها، قال أحمد -رحمه الله-: [ما روى عن الشاميين صحيح، وما روى عن الحجازيين فليس بصحيح] ، وقال عنه الحافظ في التقريب: [صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم] ، وقد نص الشيخ الألباني على هذا فقال في مواضع متعددة: [إسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين] أنظر على سبيل المثال (السلسلة الضعيفة 1/ 632، 2/ 309 - 303 - 237) ، والذي يروي عنه إسماعيل بن عياش هذا الحديث هو عباد بن كثير الثقفي البصري، فهذه هي العلة الأولى للحديث.

الثاني: أن عباد بن كثير متروك، قال فيه البخاري: تركوه، وقال الإمام أحمد: روى أحاديث كاذبة، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء في الحديث، وقال النسائي متروك، وقال الدارقطني: ضعيف، وفي خطبة مسلم قال ابن المبارك: [قلت لسفيان الثوري: إن عباد بن كثير من تعرف حاله، فإذا حدث جاء بأمر عظيم فترى أن أقول للناس لا تأخذوا عنه، قال: بلى، قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد، أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه] ، وقال الحافظ في التقريب: متروك، فمن كانت هذه حاله فلا يصحح حديثه بالشواهد، وقد ذكر الشيخ الألباني في مواضع من (السلسلة الضعيفة منها 1/ 700) أن عبادًا متهم، وهذا يعني أن حديثه لا يتقوى بالشواهد، وقد صرح الشيخ الألباني أن تحسينه لحديث أبي هريرة: [لا تعزروا فوق عشرة أسواط] إنما هو بحديث أبي بردة المتفق عليه فقال: (حسن بما قبله) ، وقد سبق الشيخ الألباني في جعل حديث أبي بردة شاهدًا لحديث أبي هريرة الكنانيُّ فقال بعد رواية الحديث السابق: [هذا إسناد ضعيف عباد بن كثير قال فيه أحمد بن حنبل روى أحاديث كذب لم يسمعها - إلى أن قال: قلت: وله شاهد من حديث أبي بردة بن نيار رواه الأئمة الستة وأحمد والدار قطني] (مصباح الزجاجة 3/ 115) .

الثالث: الاضطراب في متن الحديث، فعند ابن ماجه بلفظ: [فوق عشرة أسواط] ، وهو كذلك عند الطبراني (المعجم الأوسط7/ 292) ، وكذا العقيلي: (الضعفاء1/ 65) ، وقد روي هذا الحديث بلفظ: [فوق عشرين سوطًا] بدل [عشرة أسواط] ، كما في (المجروحين2/ 301) لابن حبان، ومثله في (ميزان الاعتدال6/ 33) ، وهو ما لم يرد في شيء من ألفاظ الحديث الصحيح المتفق عليه.

وحديث ابن ماجة رواه أيضًا الطبراني في الأوسط بلفظ: [لا تعزير فوق عشرة أسواط] ، فقال: حدثنا محمد بن إبراهيم العسال ثنا إبراهيم بن محمد الشامي ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: [ لا تعزير فوق عشرة أسياط] ، وهو ضعيف أيضًا فإن فيه إبراهيم بن محمد الشامي قال الذهبي في ميزان الاعتدال: [قال الدار قطني: كذاب، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة] وقال عنه العقيلي: [إبراهيم بن محمد الشامي مجهول، وقع إلى أصبهان حديثه منكر غير محفوظ] ، وقال عنه ابن حبان أيضًا: [محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله شيخٌ كان يدور بالعراق ويجاور عبادان يضع الحديث على الشاميين، أخبرنا عنه أبو يعلى والحسن بن سفيان وغيرهما، لا تحل الرواية عنه إلا عند الاعتبار، روى عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي r قال: [لا تعزير فوق عشرين سوطًا] ، فيما يشبه هذا مما لا أصول لها من كلام رسول الله r لا يحل الاحتجاج به]، ولا يبقى مع كلام هؤلاء الأئمة في سند هذا الحديث وبيان حال بعض رواته شك في ضعفه، والله تعالى أعلم.

أما من حيث المعنى، فحديث أبي بردة رضي الله عنه مشتمل على تخصيص وهو الاستثناء الذي في قول النبي r: [ إلا في حد من حدود الله] ، وليس هذا الاستثناء فيما رواه ابن ماجة [لا تعزروا فوق عشرة أسواط] ، فلو أبقي حديث ابن ماجة خاليًا عن الاستثناء لكان نصًا في النهي عن الزيادة على عشرة أسواط في التعزير - إن كان التعزير بمعناه الاصطلاحي عند الفقهاء يطابق معناه الشرعي - وعليه فيكون المعنى في هذه الحالة موافقًا لمن فهم منع الزيادة على عشرة أسواط من حديث أبي بردة، وأما مع حمل حديث أبي هريرة على حديث أبي بردة ليكون في معنى:"لا تعزروا فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"فهنا أمران:

الأول: عند حمل لفظ (حدود الله) الذي في الاستثناء على العقوبات المقدرة يكون قوله:"لا تعزروا"شاملًا للعقوبات المقدرة وغيرها وهي التعازير، وليس في معهود الشارع ولا فيما هو معروف عنه ولا فيما جاء عن الفقهاء إطلاق لفظ التعزير على الحدود المقدرة، هذا إذا قلنا إن الاستثناء متصل، وأما إذا حمل على الانقطاع فيكون المعنى لا تعزروا فوق عشرة أسواط ولكن في حد من حدود الله فلكم أن تجلدوا أكثر منها، إلا أن الأصل في الاستثناء أن يحمل على الاتصال وحمله على الانقطاع يحتاج إلى دليل.

الثاني: أما عند حمل لفظ (حدود الله) في الاستثناء على حقوق الله وهي كل ما حرمه سبحانه ونهى عن تجاوزه أو تعديه، فهذا يؤيد أن من أسباب التعزير وموجباته ما يعد داخلًا في حقوق الله فتجوز الزيادة عليها، وأن منها ما لا يدخل في ذلك وهي التأديبات فلا يجوز أن يتجاوز بها عشرة أسواط، لأنه يصبح في معنى: لا تعزروا فوق عشرة أسواط إلا إن عزرتم في حد من حدود الله التي هي حقوقه فلكم عندها أن تتجاوزوا، ويتقوى هذا المعنى بمجئيه بلفظ (لا تعزروا) إلا أن الحديث كما اتضح ضعيف لا يحتج به فلا يحتاج إلى كل هذا التطويل ويغني عنه الحديث الصحيح المتفق عليه والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت