ومن أمثلة تفسيراته التي لم يراع فيها أسباب النزول وملابساته، تفسيره لقوله تعالى: {... وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] ، قال في تفسير: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} : «مجازه: يفرغ عليهم الصبر وينزله عليهم فيثبتون لعدوهم» [1] .
وسبب النزول يدل على أن التثبيت حقيقي؛ أي: يثبت أقدامهم فلا تسوخ في الرمل، وبهذا جاء التفسير عن الصحابة ومن بعدهم.
قال الطبري ـ معلقًا على قول أبي عبيدة ـ: «وذلك قولٌ خلافٌ لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين، وحسب قول خطأ أن يكون خلافًا لقول من ذكرنا، وقد بينا أقوالهم فيه، وأن معناه: ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ أقدامهم وحوافر دوابهم» [2] .
3 -فَهْمُ السلف للقرآن حجة يحتكم إليه لا عليه، ولذا فإن ورود تفسير من تفاسيرهم مبني على فهمهم لغتهم يكون حجة يرجع إليها، وقد أغرب أبو حيان في تفسير قوله تعالى: [45] {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: 24] حيث قال: «والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدَّروا جواب (لولا) محذوفًا، ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا لـ (همَّ بها) ، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه» [3] .
فقوله رحمه الله: «والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب» قول غريب، فهل أبو حيان أعلم من السلف ـ الذين نزل بلغتهم القرآن ـ بكلام
(1) «مجاز القرآن» (1/ 242) .
(2) «تفسير الطبري» (9/ 197) ؛ وانظر: «تفسير ابن عطية» (13/ 245، 9/ 429) ؛ و «معاني القرآن» للنحاس (4/ 309، 110) .
(3) «البحر المحيط» (5/ 295) .