فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 78

حتى ولو رطنّا بلغتهم وتشبّهنا بأجسامهم ودِنَّا بدينهم، فإنّ هذه السيما وهذه الهيئات لن تكون مقبولة في هذا البلاد.

ولن يُتَعَامل معك كما تحبّ يا من تحاول أن تكون إنسانًا حضاريًّا وراقيًا بالدخول في طوائفهم وبلادهم وشعبوهم وأعرافهم وتقاليدهم، لن تستطيع أنت ولو أردت بإرادتك أن تكون جزءًا من هذه البلاد؛ لأنّهم يرفضونك، ولأنّهم يتعاملون معك أنّك إنسان متخلّف في ذاتك وفي عقلك، هم يعتبرون أن التعوّق في عقلنا، وبمجرّد أن يروا سيماء وجوهنا ينطبع ذلك في أذهانهم لعوامل تاريخيّة ليست حادثة، هكذا تاريخهم، وهكذا دينهم، وهكذا شعورهم القديم فيما يكتبوه وفلاسفتهم فيما ينظِّرون قديمًا؛ أنّهم بعروقهم وبأصولهم وبدمائهم وبأشخاصهم وبهيئاتهم وبشكل جُمْجُمَات رؤوسهم يتميّزون عن باقي البشر، وأنّهم سادة الناس، وأنّهم من يجب أن يحكموا الناس وبقيّة الناس أقلّ منهم.

هذا الشعور أذَلَّه وسَحقه أئمتنا الأوائل؛ وعلّموهم بالإسلام -لا بأشكالهم ولا بقومياتهم-، أعزّهم الله وصاروا سادة الأمم، وخضعت لهم العباد والبلاد، وذلَّت لهم الرقاب، وحكموا الناس وعلّموا البشريّة والناس الإنسانيّة الحقّة بهذا الدين.

والعرب خرجوا من الجزيرة العربية حفاة رعاة لا يعرفون شيئًا، ولكنَّ الله أعزَّهم بهذا الدين، فهم يملكون قوّة عظمى هي هذا الدين؛ لأنّ هذا الدين هو من الله، والله هو القويّ العزيز الحق.

فخرجوا بهذا الدين وعلّموا البشريّة وصارا أساتذة، لم يلتفتوا إلى دنيا الناس، دخلوا قصور كسرى وقيصر، دخلوا هذه القصور واحتقروا ما فيها من أشياء ومن دنيا ومن مظاهر خادعة، وعلّموا البشريّة الحقّ والهدى ونشروا النور وأطفأوا ظُلمةَ الضيضاء وظُلمة الظلم، وحكموا النّاس بالعدل.

كان في قلوبهم نور العزّة بهذا الدين، فمن دخل معهم من أي الطوائف ومن أي الأجناس شعر بهذه العزّة، احتقروا الناس لكفرهم؛ كانوا يرون أنّ الكافر ميّت لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت) [1] ، فهم يرون أن من لا يذكر ربّه ميّت، والله -عزّ وجلّ- يقول عن الكفّار في القرآن أنهم كالأنعام: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [2] ، ويقول عنهم دواب {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ} [3] ،

(1) صحيح البخاري (6407) .

(2) سورة الفرقان، الآية: 44.

(3) سورة الأنفال، الآية: 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت