ولكنّ السؤال الذي يبقى ثائرًا الآن هذه الأيّام هو: هل يجوز للمسلم أن يقيم بين أظهر المشركين؟
نحن الذي قرّرناه في الجواب السابق أنّنا نعتقد أن الديار اليوم تحوّلت إلى ديار كفر، ولكن هل يجوز للمسلم أن يقيم بين أظهر المشركين؟
يعني حتّى لو كانت الدار دار الإسلام محكومة بالإسلام والغلبة فيها لأهل الإسلام؛ ولكن هناك محلة من الدار هي للكفّار، يقيمون فيها، وهم الأغلبية والكثرة؛ فما هو الواجب على السلم؟
الواجب على المسلم أن يختار من الأماكن ما يُمكن له أن يحفظ دينه وأن يحقّق مصلحة الإسلام الذي يدين به، وأن يهجر أماكن المعصية ولو كانت في دار إسلام، وأن يهجر أماكن البدعة ولو كانت في دار إسلام، وأن يهجر أماكن الفسق والفجور ولو كانت في دار إسلام.
فما الواجب على المسلم إذا استوت الديار؟ وهذا هو الذي نعتقده الآن أنّ الديار كلّها صارت ديار كفر؛ الواجب على المسلم أن يقيم حيث يحفظ دينه ودين أبنائه ودين زوجته، وأن يَختار من الديار ما يُمكن له أن يحفظ أكثر ما يمكن وأعظم ما يمكن من دينه.
فلا يجوز للمسلم أن يترك بلدًا يقام فيها الأذان ويُرَى فيها الهدي الظاهر من أعمال الإسلام وتقام فيها كثير من الشرائع؛ ليسكن في ديار كافرة، لا يستطيع فيها أن يُربِّي أبناءه تربيةً إسلاميّة، ولا يستطيع أن يحكم بيته وزوجه وأولاده بأحكام الإسلام، ولا يستطيع فيها أن يعلّم أبناءه الإسلام، بل هو رغم أنفه يرى الكفر يدخل بيته ويغزو أهله وأبناءه، فحينئذٍ الواجب على المسلم أن يختار أخفَّ الضَّررين، وأن يختار المكان الذي فيه يستطيع أن يحفظ دينه.
أمّا تفسير القائل بأنّ ديار الكفر يجوز للمسلم أن يقيم فيها بشرط أن يحفظ دينه، ثمّ يُقّزِّم الدين ويُصَغّره في الأحكام الشرعيّة التي يستأنس الطاغوت بها ولا يستكبر في أن يأذن بها للمسلم ولكن يمنعه من إظهار الكفر بالطاغوت =فهذا تفسيرٌ باطل لقضية عظمى، والواجب على المسلم أن ينظر إلى كلمة الدين وإلى أعظم ما فيها وهو التوحيد، وإلى شقّ التوحيد وهو الكفر بالطاغوت والبراءة من أديان الأغيار.
إذًا هؤلاء يريدون منّا أن نقيم في دار الكفر، ويريدون منّا أن ننسلخ من مظاهر الإسلام من الهدي الظاهر، ويريدون منّا أن لا نُظهر من الدين إلّا ما يُوافِق عليه الغرب، ويريدون منّا أن لا نعلّم أبناءنا الإسلام