القول الثالث هو قول الشافعية بأنّ الديار لا تتحول، وإن كان بعض الشافعية يرون التحوّل؛ حتى أنّ بعضهم قال:"من أقام في دار في بلد كفري يستحبُّ له أن لا يفارقه لكي لا تتحول الديار إلى ديار كفر"؛ اذًا هم لا يرون التحوّل من دار إسلام الى دار كفر.
فالجمهور يرون التحول، والشافعيّة لا يرونه.
وابن حزم له قول قريب من قول الشافعية بأنّ الديار قد تتحول من ديار إسلام إلى ديار كفر ولكن ينظر إلى الأقضية التي يُقْضَى بها بين الناس؛ يعني هنا فرّق ما بين غلبة الأمان وما بين غلبة الأحكام، فقال: لو أن كافرًا غَلَبَ على بلد إسلامي وترك الحكم فيه للمسلمين أن يحكموا بالقضاء والتشريع فيما بينهم بأحكام الإسلام؛ فإنها تبقى دارًا إسلامية، لحصول الخلاف في دولة العُبيديين، فإنّ ابن حزم لم يكن يرى أنّ مصر صارت دار كفر بحكم العبيديّين لها، هذا هو الخلاف في المسألة. [1]
ومعروف قول ابن تيمية -رحمه الله-، ونحن هنا ننبّه على أنّ قولنا أنّ هذه الدار تحولت من ديار إسلام إلى دار كفر لا يعني أن الرعيّة قد كفرت، وهذا قول فرقة من الخوارج ترى أنّه إذا كفر الإمام كفرت الرعيّة، فنحن نُفرِّق الآن بين قضية الحُكم على الدار والحكم على شعبها؛ فقد يكون الناس كلهم مسلمُون ولكن الأحكام التي تُطبَّق من قِبل طائفة كافرة والغلبة فيها لطائفة الكفر؛ فالديار ديار كفر ولكن لا يستلزم هذا أن نُكفّر النّاس الذين يسكنون هذه الديار.
فابن تيمية -رحمه الله- جمعًا لهذا القول الذي يقوله كل العلماء من أهل السنّة؛ أفتى في (ماردين) وقد حكمها التتار وحكمُوها بالياسق الشركيّ الذي وضعه طاغوتهم الأكبر، فحكم ابن تيمية أنّ (ماردين) دار
(1) يقول ابن حزم في (المحلّى) 12\ 126:"وليس كذلك: من سكن في طاعة أهل الكفر من الغالية؛ ومن جرى مجراهم، لأن أرض مصر والقيروان، وغيرهما، فالإسلام هو الظاهر، وولاتهم على كل ذلك لا يجاهرون بالبراءة من الإسلام، بل إلى الإسلام ينتمون، وإن كانوا في حقيقة أمرهم كفارًا. وأما من سكن في أرض القرامطة مختارًا فكافر بلا شك، لأنهم مُعلنون بالكفر وترك الإسلام - ونعوذ بالله من ذلك."
وأما من سكن في بلد تظهر فيه بعض الأهواء المخرجة إلى الكفر، فهو ليس بكافر، لأن اسم الإسلام هو الظاهر هنالك على كل حال، من التوحيد، والإقرار برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - والبراءة من كل دين غير الإسلام وإقامة الصلاة، وصيام رمضان، وسائر الشرائع التي هي الإسلام والإيمان - والحمد لله رب العالمين."..."وإذا كان أهل الذمة في مدائنهم لا يمازجهم غيرهم فلا يسمى الساكن فيهم - لإمارة عليهم، أو لتجارة - بينهم: كافرًا، ولا مسيئًا، بل هو مسلم حسن، ودارهم دار إسلام، لا دار شرك، لأن الدار إنما تُنسب للغالب عليها، والحاكم فيها، والمالك لها. ولو أن كافرًا مجاهدًا غلب على دار من دور الإسلام، وأقر المسلمين بها على حالهم، إلا أنه هو المالك لها، المنفرد بنفسه في ضبطها، وهو معلن بدين غير الإسلام لكفر بالبقاء معه كل من عاونه، وأقام معه - وإن ادعى أنه مسلم - لما ذكرنا."اهـ."