نعم أمر الشارع بتحكيم إمام، ونحن نجاهد من أجل تنفيذ هذا الأمر، وأمر الشارع بتمايز الصفوف؛ ونحن نجاهد من أجل أن تتمايز الصفوف، هذه مرحلة جهاد دفع سابقة لمرحلة جهاد الطلب الذي يُشترط لها هذه الشروط.
ثمّ ثالثًا: قد ثبت أن بعض الصحابة جاهدوا من غير إمام، هذا أبو بصير -رضي الله عنه- جاهد من غير إمام، الإمام لم يقبله في طائفته؛ ليس في طائفة المسلمة ولكن في طائفة المحكوم عليها باعتباره إمامًا، النبي -صلى الله عليه وسلم- نبي ولذا يجب على الأمّة أن تمتثل أمره سواءٌ من كان تحت سلطته السياسية أو من لم يكن، وأيضًا النبي -صلى الله عليه وسلم- له صفة ثانية وهي أنه حاكم يطبّق الأحكام الشرعيّة، ففي الأولى يبلّغ ولا يخطئ ولكن قد يخطئ في تطبيق الأحكام الشرعيّة، قد يخطئ -صلى الله عليه وسلم- باعتباره حاكمًا لا يجوز له أن يَقْضي بالوحي، ولا أن يقضي بما يعلم؛ بل يقضي بما يثبت به القضاء الشرعي عند كلّ الحكّام.
فعندما جاءه أبو بصير لم يأتِ كمسلم، هو كان مسلمًا قبل أن يأتيه، ولكنه جاء ليدخل في طائفته السياسية وتحت سطلته السياسية؛ فردّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ردّه لوجود العقد والعهد بينه وبين قريش، فرجع أبو بصير وهرب وجلس في ساحل البحر يقطع عير قريش ويقطع قوافلها الذاهبة إلى الشام، فقد جاهد أبو بصير كما ترون لوحده، ولم يكن تحت راية إمام، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينكر عليه، لم يثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- قط أنّه نهى عن هذا، بل النبي -صلى الله عليه وسلم- قال كلامًا وكأنّه يحضّه على ذلك فقال: (ويل أمّه مشعل حرب لو كان له أحد) [1] .
ففهم أبو بصير من هذه المقولة خلاف ما فهمه الزاعمون اليوم، فهم منها أن يهرب ويصنع هذا الصنيع ولم يفهم منه النهي، ولو كان النهي لقالها له صراحة ولكنّه التعريض، وإذا كان الأمر متعلقًا بأمر جائز فيجوز فيه الكناية، أمّا إذا كان حرامًا فلا يجوز فيه التكنية ولقال له"أنت آثم"وأخبره بحكمه في الشرع، ولكنّ الكناية لا تقع على أمر متحتّم بل الكناية تقع على الجواز.
فقال -صلى الله عليه وسلم-: (ويل أمّه مشعل حرب لو كان معه رجال) ، ثمّ ذهب بعد أن سمع هذا الكلام وفهم منه الإشارة على إمكانيّة أن يشعل حربًا وحده وليس تحت راية محمد -صلى الله عليه وسلم-
(1) صحيح البخاري (2731) .