فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضَلُّوا وأضلوا) [1] ، إذًا بفساد العلماء إمّا بالجهل أو بالهوى، أن يغلب فيهم الجهل كما قال: (ينزع العلم بنزع العلماء) وإمّا بالهوى واتّباع الشهوة؛ يؤدّي ذلك إلى فساد الأمّة وإلى ضلالها.
فما حكم العالم؟
أولًا يجب على العالم أن لا يدخل في نظام الحكم؛ لأنّه إذا دخل في النظام بطُلت مراقبته وصار جزءًا من الحكم والنظام، فكان سنة العلماء هي الابتعاد وعدم الدخول في النظام ليبقوا دائمًا في موطن سلطة الأعظم من سلطة الحاكم، وليبقوا دائمًا هم الأئمة الذين يُنظر لهم من قِبل الناس.
عندما أراد بعض الحكام إظهار بدعة القول بخلق القرآن فمن الذي وقف لهم؟ هم العلماء.
عندما هجم التتار على المسلمين فمن الذي قاد الأمّة وحرّك الأمراء؟ هم العلماء.
من الذي قاد الأمة في الحروب الصليبية -ولم تكن ثمّة هناك خلافة- من الذي قاد الأمّة لمواجهة الصليبيين الوافدين من وراء البحر؟ هم العلماء.
فإذا صار العالم جزءًا من النظام فكيف سيقود الأمّة؟ وكيف سيدافع عن حقوق الأمّة؟
هذه مرتبة؛ فالعالم تقلّ مرتبته إذا صار جزءًا من النظام، يقول سعيد بن المسيّب -عليه رحمة الله-:"إذا رأيتم العالم يغشى أبواب الأمراء فاحترزوا منه فإنه لص" [2] ، أما حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أتى أبواب السلاطين افتتن) [3] ، وإذا كان الحديث عامًا في كلّ أتى أبواب السلاطين فكيف إذا كان العالم وحصلت له الفتنة؟ فحينئذٍ الأمّة تُفتن من ورائه.
إذًا المرتبة الأولى للعالم أن يبقى بعيدًا من السلطة والسلطان، حتى إذا كان السلطة إسلاميّة، فإذا وقع الحكّام في مفسدة فيجب على العلماء أن يتصدّوا لها، وهذا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سيد
(1) صحيح البخاري (100) ، صحيح مسلم (2673) .
(2) ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين عن سعيد بن المسيب 1\ 68، فقد ورد مرفوعًا عن أبي هريرة بلفظ:"إذا رأيتم العالم يخالط السلطان مخالطة كثيرة فاعلم أنه لص"، أخرجه السيوطي في الجامع الصغير (1513) ، وروي عن سفيان الثوري بلفظ:"إذا رأيت القارئ يلوذ بالسلطان فاعلم أنه لص .."، كما في شعب الإيمان للبيهقي (8972) .
(3) أخرجه أحمد (1/ 357) ، وأبو داود (2859) ، والترمذي (2256) ، والنسائي (4309) ، وحسنهُ الألباني في السلسلة الصحيحة (2240) .