الآن هؤلاء الحكام في بلادنا يصنعون ما يريدون وما يحبون وما يشاؤون، ولا يجوز لنا أن نخرج عليهم حتى يكفروا، ولا يجوز لنا أن نكفرهم حتى ننقب عمّا في قلوبهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا) ، فكيف نرى ما لا يمكن أن نراه وهو ما في القلب؟!
إذًا متى يجوز الخروج على الحاكم؟
قد بينَّا أنه لا بد أن ننظر إلى العقد نظرةً شرعية صحيحة، وأن ننظر إلى دين الله -عز وجل- بعيدًا عن دخان الكهانة ودخان التعظيم والتقديس للحاكم، كما وقع في أزمان المسلمين وإلى يومنا هذا، وينبغي أن تعلم الأمة أن الواجبات الملقاة على الحاكم هي في الأصل واجبات ملقاة على مجموع الأمة، ولكنها استأجرت الحاكم ليقوم بقيادة الأمة لأداء هذه الواجبات. هذه هي الصورة الحقيقية لعلاقة الحُكم والحاكم والمحكوم في الإسلام. وعليه فقد تبينَّ لنا متى يجوز الخروج عليه.
تبقى مسألة: متى يجب الخروج على الحاكم إذا أتى بعمل مكفّر؟
يجب الخروج على الحاكم إذا كفر -بإجماع الأمة بلا خلاف-، و"إذا كفر"، بمعنى إذا أتى عملًا من أعمال الكفر، بغضِّ النظر عن قلبه، بغض النظر عن نيته، بغض النظر عن مقصده هل جحد أو لم يجحد: (إلا أن تروا كفرا بواحا) ، إذا أتى بعمل مكفر، سواء أكان هذا العمل مكفر بقضية ذاتية، كأن سب الدين بينه وبين نفسه -كأن يدوس المصحف بينه وبين قلبه-، أو بعمل مكفّر يتعلق بمجموع الأمة، هذا أمر.
الأمر الثاني: يجب الخروج على الحاكم إذا ترك مهمة من مهمات الحكم الكبرى؛ مثل إقامة الشريعة، إقامة العدل ونشره ونشر الإسلام -أي الجهاد في سبيل الله-، فإذا عطّل الحاكم قضية من قضايا الأمة العظمى المناطة به؛ فيجب على الأمة أن تخرج عليه [1] . هذا وبالله التوفيق.
(1) - والشيخ -حفظه الله- هنا لا يقول بالخروج دون النظر إلى تحقيق القدرة التي اشترطها أهل العلم، بل يكون الخروج حين توفر القدرة التي يحددها أهل الاختصاص. فمن اجتهد على أصول قواعد الاجتهاد واعتبر وجود القدرة فلا يحق لأحد تخطئته البتة. وعدم وجود القدرة لا يعطي الحق لمن انتسب للعلم أن يُضفي الشرعية على الطواغيت ويحكم لهم بالإسلام ويجعل من يقول بالخروج عليهم من الخوارج، بل قائل هذا من علماء السوء الذين يقلبون الحق باطلًا والعكس.