وجود العقد الصحيح، وإما بفساد الحاكم لعدم قدرته بالقيام بالمعقود عليه، وإما كذلك بأن يطرأ شيء على هذا الحاكم على خلاف في المسألة الثالثة [1] بين أهل السنة والجماعة.
جاء أقوام في هذا العصر وقالوا أنه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كفر، وينظر إلى الكفر لا بما يقوم بمهمات الأمة ولكن لكفره الذاتي، ولا يجب الخروج عليه ولو نشر الظلم، ولو عطّل الجهاد ولو حكم بغير الشريعة ولو استباح الفروج ولو نشر الخَنَا [2] وباع الأمة. الآن الحكام يبيعون البلاد والعباد والعرض إلى الكفار، ويُدخلون الكفار ويجعلونهم أسيادًا، وقالوا لا يجوز الخروج عليهم إلا إذا كفروا! وكيف يكفرون؟ قالوا: يكفر الحاكم إذا كفر بذاته. ولذلك يقولون:"هذا حاكم يصلي". قضية العقد، قضية الحكم؛ ما دخلها في صلاة الحاكم؟! إنما دخلها في النظر إلى الحاكم، وهو كما قلنا في القسم الثالث -وهما العاقدان في النظر إليهما-، ولكن نحن نتكلم عن الحكم وعن مهمات الحاكم في هذا العقد العظيم الذي تم بينه وبين الأمة. قالوا:"لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كفر بذاته"، لو أبطل كل شيء ولكن لم يكفر بذاته فإنه لا يجوز الخروج عليه، وقالوا: ليس لنا أن نحكم بكفره -في التعليق على التسلسل المُمتَنِع [3] الذي لا يمكن أن يقع-، لا يجوز لنا أن نحكم بكفر الحاكم حتى نعرف ما في قلبه من نظرته إلى الإسلام؛ لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كفر ولا يجوز لنا أن نكفره حتى ننقّب على قلبه فنعرف أكفر بقلبه أم لا؟!
يعني لو وقع منه الكفر العملي، ليس الكفر الأصغر، لكن الأعمال التي حكم الشارع بكفرها كالحكم بغير ما أنزل الله، كسب الدين، كالاستهزاء بالسنة؛ قالوا: هذه الاعمال لا يجوز لنا أن نكفر بها الحاكم حتى نعرف ما في قلبه، استحلها أم لم يستحلها؟! حينئذ في الحقيقة يصبح حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- لا قيمة له: (إلا أن تروا كفرا بواحا) ، [4] ولا يمكن أن تقع الرؤية إلا بالنظر إلى الشيء الظاهر؛ فلماذا يطالب منا وتطالب الأمة ألا تكفّر رجلًا، ولا يجوز الخروج عن الحاكم حتى ننقّب عن قلبه؟؟
(1) - أي الحالة الثالثة التي يعزل بها الإمام وهي إن أصابه ضرر يمنعه من القيام بمهمات الإمامة.
(2) - الخَنا: الفَحْشُ في الكلام وخَنا الدَّهْرِ: آفاته ونَوَائبه. (المعجم الوسيط) .
(3) - التسلسل الممتنع هو تسلسل أمرين يعتمد وجود الأول على وجود الثاني ويعتمد وجود الثاني على وجود الأول، أي استحالة وقوع أحدهما.
(4) -أصبح الحديث لا قيمة له لسببين: الأول الذي ذكره الشيخ، وهو استحالة معرفة كفر الحاكم لأنهم اشترطوا عملا قلبيا وهو الاستحلال وهذا يدخلنا في الدور الممتنع الي يستحيل وقوعه، والسبب الثاني: قد أخرج المناط المعلق عليه الخروج من الحديث، لأن نص الحديث يقول بالخروج لمجرد أن نرى الكفر= =البواح كفر الحاكم بذاته أو لم يكفر لا يعنينا بقدر ما يعنينا تحقق وقوع الفعل الكفري، لأنه قد يقع المرء بالكفر ولا يكفر من باب التفريق بين الفعل والفاعل، وهنا النص النبوي أن نرى الكفر البواح وكفر الحاكم بذاته ولم يكفر لا يعنينا، فالحكم بغير ما أنزل الله كفر، فمجرد الحكم بغير ما أنزل الله جاز الخروج، كفر الحاكم بذاته أو لم يكفر لأن الكفر البواح قد ظهر ورأيناه وهذا كاف.