فالأمة انتخبت ورضيت رجلًا يصلح لهذه المهمة، فعقدت معه عقدًا على قيامه بهذه المهمات معها، ولذلك قال الله -عز وجل-: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (المائدة 47) ، قال: {أهل الإنجيل} ، ولم يقل الحكام؛ فالأمة مكلفة بالحكم بما أنزل الله، ولكن لا يستطيع كل واحد أن يكون قاضيًا؛ فلا بد من وجود قاضٍ للأمة، لا بد من وجود حاكم هو الذي يُصدر أمر الجهاد، كون هذه الأعمال هي أعمال جماعية ولا يمكن أن تقوم بتشتت؛ فلا بد من وجود هذه الجماعة، ولا يمكن أن تسمى جماعة إلا بوجود إمام يقوم بشأنها.
إذًا، التكاليف المذكورة في كتب أئمتنا من واجبات على الحاكم هي في الحقيقة واجبات على الأمة، ولكن الأمة عقدت عقدًا مع الحاكم أن يقوم بهذه الشؤون معها لا خارجًا عنها، فلو أن الحاكم أصدر أمرًا بالجهاد فمن الذي يجاهد؟ الجواب: الأمة، إذا الحاكم أصدر أمرًا بإقامة حكم ما كقتال بغاة أو قتال خوارج أو إقامة حدود؛ من الذي يقوم بهذه الأحكام الشرعية؟ الذي يقوم بها هي الأمة، ولكن الأمة بحاجة -حتى تسمى أمة- لأمير وقائد. هذا مثل صلاة الجماعة: الأمة مكلفة بالصلاة ومكلفة بصلاة الجماعة ولا يمكن أن تكون هناك جماعة تقوم بهذه الصلاة إلا بوجود الإمام، وهذا الإمام مكلف من قِبل الأمة أن يقوم بما اتُّفق عليه وأمر الشارع به من كونه إمامًا.
إذًا، إذا غلب الحاكم من غير رضا يجوز للأمة أن تخرج عليه، وهذا الجواز مُعلَّق بالمصلحة ولا شك، وهذا كلام السلف ولكن، هل تكون آثمة إن خرجت؟ الجواب: لا تكون آثمة لأنها تريد أن تسترد حقها في أن يحكمها رجل رضيت عنه؛ إذ لا يجوز ولا يُجبَر أحد من الناس أن يلتزم بعقد يُكرَه عليه، ولكن يُنظر إلى المصلحة لأن المسألة ليست مسألة شخص واحد، ولكن مسألة أمة، ثم يُنظر إذا قام الحاكم بالواجبات التي كلّفته الأمة بها -طبعًا بتكليف الشارع-، فالسيادة للشرع ولكن السلطة الأمة، فيُنظر إذا تخلَّف الإمام عن قيامه بهذه الواجبات فيجب على الأمة أن تقوم عليه.
ونحن هنا لا نتكلم عن ذات الحاكم -هل كفر بذاته-، فقد يأتي بعمل يتعلق بالأمة ولكن فيه المعصية البواح وفيه الكفر البواح، قد ينشر الظلم، قد يدعو إلى الزنا، قد يسهّل المعاصي ويلاحق أصحاب الطاعات،