فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وخانَ رَسُولَهُ وخانَ الْمُؤْمِنِينَ» [1]
فإذا كان الإمام يفعل شركا أو يدعو إلى الشرك فإن إقراره في هذه الحالة كفر لا يجوز بحال، والصلاة خلفه باطلة، فإن المساجد إنما بنيت ليعبد الله وحده لا شريك له، وقد قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18]
المراد بالمساجد- والله أعلم- هو مواطن السجود في الأرض .. فحيث كان مكان في هذه الأرض، يصلح للسجود، ووضع الجباه عليه، فهو لله سبحانه وتعالى، أي هو ملك لله، الذي خلق السموات والأرض .. فالسجود في ملك الله لغير الله، كفر مبين، وضلال عظيم .. إنه عدوان على الله، ومحادّة له .. ويجوز أن تكون المساجد، جمع «مسجد» اسم آلة، وهو العضو المشارك في عملية السجود .. ويكون المراد بالمساجد هنا، أعضاء السجود، وهى عظام الكفّين، وأطراف القدمين، وعظما الركبتين، وعظم الجبهة، وهى سبعة عظام، كما يشير إلى ذلك قول الرسول الكريم: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» .. فهذه الأعضاء- أعضاء السجود، هى لله، وهو سبحانه الذي خلقها، فلا ينبغى أن يسجد بها لغير خالقها .. [2]
فهناك يكون التوحيد الخالص، ويتوارى كل ظل لكل أحد، ولكل قيمة، ولكل اعتبار. وينفرد الجو ويتمحض للعبودية الخالصة لله. ودعاء غير الله قد يكون بعبادة غيره وقد يكون بالالتجاء إلى سواه وقد يكون باستحضار القلب لأحد غير الله. فإن كانت الآية من مقولات الجن فهي توكيد لما سبق من قولهم: «وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً» في موضع خاص، وهو موضع العبادة والسجود. وإن كانت من قول الله ابتداء، فهي توجيه بمناسبة مقالة الجن وتوحيدهم لربهم، يجيء في موضعه على طريقة القرآن. [3]
وعَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18] كَانَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ وَحْدَهُ""
(1) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/ 104) (7023) حسن لغيره
(2) - التفسير القرآني للقرآن (15/ 1233)
(3) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:4649)