وأخرج عبد بن حميد عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ: كَيْفَ يَصْنَعُ أَهْلُ هَذِهِ (الْأَهْوَاءِ الْخَبِيثَةِ) بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي آلِ عِمْرَانَ: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} قال:"نبذوها وربّ الكعبة وراء ظهورهم". [1] .
وقوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} أي تبيضّ وجوه أهل الإيمان، وتسودّ وجوه أهل الكفر وأهل البدعة والفرقة.
وقال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153]
دَلَّ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ عَلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إِلَيْهِ تَعَالَى، وَدَعَاهُمْ إلى اتِّبَاعِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: إنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً لاَ عِوَجَ فِيهِ، فَعَلَيْكُمْ أِنْ تَتَّبِعُوهُ إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الهِدَايَةَ، وَالفَوْزَ بِرِضَا رَبِّكُمْ وَرِضْوَانِهِ. فَاتَّبِعُوا سَبِيلَ اللهِ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، لأنَّهُ سَبيلٌ وَاضِحٌ وَاحِدٌ، وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ المُتَفَرِّقَةَ المُضِلَّةَ، حَتَّى لا تَتَفَرَّقُوا شِيَعاً وَأَحْزَاباً، وَتَبْعُدُوا عَنْ صِرَاطِ اللهِ السَّوِيِّ. [2]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:151] وَأَمَرَكُمْ بِالْوَفَاءِ بِهِ، هُوَ صِرَاطُهُ، يَعْنِي طَرِيقَهُ وَدِينَهُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ. {مُسْتَقِيمًا} [النساء:68] يَعْنِي: قَوِيمًا لَا اعْوِجَاجَ بِهِ عَنِ الْحَقِّ. {فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام:153] يَقُولُ: فَاعْمَلُوا بِهِ، وَاجْعَلُوهُ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهَاجًا تَسْلِكُونَهُ فَاتَّبِعُوهُ. {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام:153] يَقُولُ: وَلَا تَسْلُكُوا طَرِيقًا سِوَاهُ، وَلَا تَرْكَبُوا مَنْهَجًا غَيْرَهُ، وَلَا تَبْغُوا دِينًا خِلَافَهُ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمِلَلِ، فَإِنَّهَا بِدَعٌ وَضَلَالَاتٌ. {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153] يَقُولُ: فَيُشَتِّتُ بِكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ السُّبُلَ الْمُحْدَثَةَ الَّتِي لَيْسَتْ لِلَّهِ بِسُبُلٍ وَلَا طُرُقٍ وَلَا أَدْيَانٍ، اتِّبَاعَكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ، يَعْنِي: عَنْ طَرِيقِهِ وَدِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمْ وَارْتَضَاهُ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي وَصَّى بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَأَمَرَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَكُمْ. {ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام:151] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي وَصَّاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْلِهِ لَكُمْ: إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
(1) - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني (1/ 78) صحيح
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:943،بترقيم الشاملة آليا)