فإن مثله إنما يصارُ إليه عند التعارض ، وكقولهم: فلان أحفظُ لحديث فلان من غيره ، فيرجِّحون حديثه على حديث غيره لذلك ، وإن كان في الآخر ألفُ وجه من الرجحان .
وكان اهتمامُ جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برؤوسِ المعاني دون الاعتباراتِ التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية ، فاستدلالهُم بنحو الفاء والواو وتقديم كلمة وتأخيرها ونحو ذلك من التعمق ، وكثيرًا ما يعبِّرُ الراوي الآخر عن تلك القصة ، فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر ، والحقُّ أن كلَّ ما يأتي به الراوي فظاهرُه أنه كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإن ظهرَ حديثٌ آخرَ أو دليلٌ آخر وجبَ المصيرُ إليه .
ينبغي للمخرِّج أن لا يخرِّجَ قولًا لا يفيده نفسُ كلام أصحابه:
ولا ينبغي لمخرج أن يخرجَ قولًا لا يفيده نفسُ كلام أصحابه ، ولا يفهمُه منه أهلُ العرف والعلماء باللغة ، ويكون بناء على تخريج مناطٍ أو حملِ نظيرِ المسألةِ عليها مما يختلف فيه أهلُ الوجوه وتتعارضُ الآراء ، ولو أن أصحابه سئلوا عن تلك المسألة ربما يحملون النظيرَ على النظير المانعِ ، وربما ذكروا علةًّ غير ما خرَّجه هو وإنما جاز التخريجُ لأنه في الحقيقة من تقليدِ المجتهدِ ، ولا يتمُّ إلا فيما يفهمُ من كلامه .
رعايةُ الحديث أوجبُ:
ولا ينبغي أن يردَّ حديثًا أو أثرًا تطابقَ عليه القومُ لقاعدة استخرجَها هو أو أصحابُه كردِّ حديث المصرَّاةِ [1] وكإسقاط سهم ذوي القربى ، فإن رعايةَ الحديثِ أوجبُ من رعاية تلك القاعدة المخرَّجة ، وإلى هذا المعنى أشار الشافعيُّ حيث قال [2] :"مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَتَذْهَبُ عَلَيْهِ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَتَعْزُبُ عَنْهُ ، فَمَهْمَا قُلْت مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَصَّلْت مِنْ أَصْلٍ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خِلَافَ مَا قُلْت فَالْقَوْلُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَهُوَ قَوْلِي ، وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ ."
وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَتْهُ عَامَّةٌ أَوْ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ فِي أَنْ فَرَضَ اللَّهُ اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إلَّا اتِّبَاعَهُ ، وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلُ رَجُلٍ قَالَ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَإِنَّ مَا سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا ، وَإِنْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَى مَنْ بَعْدَنَا وَقَبْلَنَا فِي قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَاحِدٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفَرْضُ ، وَوَاجِبٌ قَبُولُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلَّا فِرْقَةٌ سَأَصِفُ قَوْلَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ..اهـ
تتبعُ الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية:
ومنها أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب:
أعلاها أن يحصلَ له من معرفة الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ما يتمكنُ به من جوابِ المستفتينَ في الوقائع غالبًا بحيث يكونُ جوابُه أكثرَ مما يتوقف فيه ، وتخصُّ (أي هذه المعرفة) باسمِ الاجتهاد .
الإمعانُ في الروايات:
وهذا الاستعدادُ يحصل تارة بالإمعان في جمع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها كما أشار إليه أحمدُ بن حنبل مع ما لا ينفكُّ منه العاقلُ العارفُ باللغة من معرفة مواقع الكلام ، وصاحبِ العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات وترتيب الاستدلالات ونحو ذلك ، وتارةً بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه مع معرفة جملة صالحةٍ من السنَن والآثار، بحيث يعلم أن قوله لا يخالفُ الإجماعَ .
معرفةُ القرآن والسنن تمكِّنُ من معرفة مسائل الفقه:
وهذه طريقةُ أصحاب التخريج وأوسطها من كلتا الطريقتين أن يحصلَ له من معرفة القرآن والسُّنن ما يتمكَّن به من معرفة رؤوس مسائل الفقه المجمَع عليها بأدلتِها التفصيلية ، ويحصل له غايةَ العلم ببعضِ المسائل الاجتهادية من أدلتها، وترجيح بعض الأقوالِ على بعضٍ ونقدِ التخريجات ومعرفة الجيد والزيف .
وقال الخطابي في مقدمة معالم السنن:"رأيتُ أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين أصحاب حديث وأثر ، وأهل فقه ونظر ، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة ، لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل ، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع ، وكلُّ بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهارُ ، وكلُّ أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفرٌ وخرابٌ ."
ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في المنزلتين وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه إخوانًا متهاجرين ، وعلى سبيل الحقِّ بلزوم التناصر والتعاون غيرُ متظاهرين .
فأما هذه الطبقة الذين هم أهلُ الأثر والحديث فإنَ الأكثرين منهم إنمّا وكدُهم الروايات وجمعُ الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سيرها ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم مخالفة السُّننِ ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرونُ ،وبسوء القول فيهم آثمون .
وأمَّا الطبقة الأخرى وهم أهلُ الفقه والنظر فإن أكثرهم لا يعرِّجون من الحديث إلاّ على أقلِّه ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ، ولا يعرفون جيده من رديئه ولا يعبؤون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبولِ الخبر الضعيفِ والحديثِ المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهرَ عندهم وتعاورتْه الألسنُ فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علمٍ به ، فكان ذلك ضلةً من الرأي وغبنًا فيه، وهؤلاء وفقنا اللّه وإياهم لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قولٌ يقولُه باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤوا له العهدة . فتجدُ أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلاّ ما كان من رواية ابن القاسم والأشهب وضربائهم من تلاد أصحابه، فإذا وجدت روايةُ عبد اللّه بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلًا .
وترى أصحاب أبي حنيفة لا يقبلون من الرواية عنه إلاّ ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعليةُ من أصحابه، والأجلَّةُ من تلامذته ، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قولٍ بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه .
وكذلك تجدُ أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي ، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ولم يعتدُّوا بها في أقاويله . وعلى هذا عادةُ كلِّ فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأستاذيهم .
فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع وروايتها عن هؤلاء الشيوخ إلاّ بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهمِّ والخطب الأعظم وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة ، الواجبِ حكمُه اللازمةِ طاعتُه ، الذي يجب علينا التسليمَ لحكمه والانقيادَ لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجًا مما قضاه ولا في صدورنا غلًا من شيء مما أبرمه وأمضاه
أرأيتم إذا كان للرجل أن يتساهل في أمر نفسه ويتسامح عن غرمائه في حقه فيأخذ منهم الزيف ويغضي لهم عن العيب، هل يجوز له أن يفعل ذلك في حقِّ غيره إذا كان نائبًا عنه كولي الضعيف ووصي اليتيم ووكيل الغائب ؟ وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد وإخفارًا للذمة ؟ .
فهذا هو ذاك إمَّا عيان حسٍّ وإما عيان مثل ، ولكن أقوامًا عساهم استوعروا طريق الحقِّ واستطالوا المدة في درك الحظِّ وأحبُّوا عجالة النيل فاختصروا طريق العلم واقتصروا على نتفٍ وحروفٍ منتزعة عن معاني أصولِ الفقهِ، سموها عللًا وجعلوها شعارًا لأنفسهم في الترسم برسم العلم ، واتخذوها جُنّة عند لقاء خصومهم ونصبوها دريئة للخوض والجدال، يتناظرون بها ويتلاطمون عليها ، وعند التصادر عنها قد حكم للغالبِ بالحذقِ والتبريزِ فهو الفقيهُ المذكور في عصره ، والرئيسُ المعظم في بلده ومصره ، هذا وقد دسّ لهم الشيطانُ حيلةً لطيفةً وبلغ منهم مكيدة بليغةً . فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علمٌ قصير وبضاعةٌ مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية، فاستعينوا عليه بالكلامِ وصِلوه بمقطعات منه ، واستظهروا بأصول المتكلِّمين يتسعُ لكم مذهبُ الخوض ومجالُ النظر ، فصدَّق عليهم ظنُّه وأطاعه كثيرٌ منهم واتبعوه إلاّ فريقًا من المؤمنين .
فيا للرجال والعقول أنّى يذهب بهم وأنّى يختدعهم الشيطانُ عن حظِّهم وموضع رشدِهم واللّه المستعان . اهـ
ـــــــــــــــ
(1) - كما في صحيح البخارى (2151 ) ومسلم (3907 ) عن ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى زِيَادٌ أَنَّ ثَابِتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا ، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا ، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِى حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ » .
المصراة: الشاة يجمع اللبن في ضرعها عند إرادة البيع فتبدو أنها كثيرة اللبن
وفي إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 73) :
وَمِمَّا قِيلَ إنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ ، قَالُوا: وَهُوَ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّهُ تَضَمَّنَ رَدَّ الْبَيْعِ بِلَا عَيْبٍ وَلَا خَلْفَ فِي صِفَةٍ ، وَمِنْهَا أَنَّ { الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ } ؛ فَاللَّبَنُ الَّذِي يَحْدُثُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ إيَّاهُ ، وَمِنْهَا أَنَّ اللَّبَنَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ وَقَدْ ضَمَّنَهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ مِثْلِهِ ، وَمِنْهَا أَنَّهُ إذَا انْتَقَلَ مِنْ التَّضْمِينِ بِالْمِثْلِ فَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ إلَى الْقِيمَةِ ، وَالتَّمْرُ لَا قِيمَةَ وَلَا مِثْلَ ، وَمِنْهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَضْمُونَ إنَّمَا يُضْمَنُ بِقَدْرِهِ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ ، وَقَدْ قُدِّرَ هَاهُنَا الضَّمَانُ بِصَاعٍ .
قَالَ أَنْصَارُ الْحَدِيثِ: كُلُّ مَا ذَكَرْتُمُوهُ خَطَأٌ ، وَالْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِهَا ، وَلَوْ خَالَفَهَا لَكَانَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ لَا يُضْرَبُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ ، كَمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَنْ يُضْرَبَ كِتَابُ اللَّهِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا كُلِّهَا ، وَيُقَرُّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى أَصْلِهِ وَمَوْضِعِهِ ؛ فَإِنَّهَا كُلُّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ شَرْعَهُ وَخَلْقَهُ ، وَمَا عَدَا هَذَا فَهُوَ الْخَطَأُ الصَّرِيحُ .
فَاسْمَعُوا الْآنَ هَدْمَ الْأُصُولِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يُعْتَرَضُ بِهَا عَلَى النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ: أَمَّا قَوْلُكُمْ:"إنَّهُ تَضَمَّنَ الرَّدَّ مِنْ غَيْرِ عَيْبٍ وَلَا فَوَاتِ صِفَةٍ"فَأَيْنَ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْحِصَارِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَتَكْفِينَا هَذِهِ الْمُطَالَبَةُ ، وَلَنْ تَجِدُوا إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى الْحَصْرِ سَبِيلًا ؛ ثُمَّ نَقُولُ: بَلْ أُصُولُ الشَّرِيعَةِ تُوجِبُ الرَّدَّ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْتُمْ ، وَهُوَ الرَّدُّ بِالتَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ ، فَإِنَّهُ هُوَ وَالْخُلْفُ فِي الصِّفَةِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ، بَلْ الرَّدُّ بِالتَّدْلِيسِ أَوْلَى مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، فَإِنَّ الْبَائِعَ يُظْهِرُ صِفَةَ الْمَبِيعِ تَارَةً بِقَوْلِهِ وَتَارَةً بِفِعْلِهِ ، فَإِذَا أَظْهَرَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ عَلَى صِفَةٍ فَبَانَ بِخِلَافِهَا كَانَ قَدْ غَشَّهُ وَدَلَّسَ عَلَيْهِ ، فَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَالْفَسْخِ ، وَلَوْ لَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِذَلِكَ لَكَانَ هُوَ مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُوجَبُ الْعَدْلِ ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا بَذَلَ مَالَهُ فِي الْمَبِيعِ بِنَاءً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُ الْبَائِعُ ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِهَا لَمْ يَبْذُلْ لَهُ فِيهَا مَا بَذَلَ ، فَإِلْزَامُهُ لِلْمَبِيعِ مَعَ التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ الَّذِي تَتَنَزَّهُ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْخِيَارَ لِلرُّكْبَانِ إذَا تُلُقُّوا وَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطُوا السُّوقَ وَيَعْلَمُوا السِّعْرَ ، وَلَيْسَ هَاهُنَا عَيْبٌ وَلَا خُلْفٌ فِي صِفَةٍ ، وَلَكِنْ فِيهِ نَوْعُ تَدْلِيسٍ وَغِشٍّ .
(2) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (ج 2 / ص 427)