5-الكتابة: [1]
وهي أن يكتب الشَّيخ مَسْمُوعه أو شيئا من حديثه لحاضر عنده أو غائب عنه, سواء كتب بخطِّه أو كتب عنه بأمره.
وهي ضَرْبان: مُجرَّدة عن الإجَازة, ومقرُونة بأجزتكَ ما كتبت لكَ, أو كتبت إليك, أو ما كتبت به إليك ونحوه من عِبَارة الإجَازة, وهذا في الصحَّة والقوة, كالمُنَاولة المقرونة بالإجَازة.
ورواه البَيْهقي في «المدخل» عنهم, وقال: في الباب آثار كثيرة عن التَّابعين فمن بعدهم, وكُتب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عماله بالأحكام, شَاهدة لقولهم.
وغير واحد من الشَّافعيين منهم أبو المُظفَّر السَّمعاني وأصْحَاب الأصُول منهم الرَّازي وهو الصَّحيح المشهور بين أهل الحديث, ويُوجد في مُصنَّفاتهم كثيرًا كتب إليَّ فُلان, قال: حدَّثنا فُلان, والمُرَاد به هذا, وهو معمول به عندهم, معدُود في الموصُول من الحديث دُون المنقطع لإشْعَاره بمعنى الإجَازة, وزاد السَّمعاني فقال: هي أقْوَى من الإجَازة.
قلتُ: وهو المُخْتار, بل وأقْوَى من أكثر صُور المُنَاولة.
وفي «صحيح» البُخَاري في الأيمان والنذور: (6673 ) قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَتَبَ إِلَىَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِىِّ قَالَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَكَانَ عِنْدَهُمْ ضَيْفٌ لَهُمْ فَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَذْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ ، لِيَأْكُلَ ضَيْفُهُمْ ، فَذَبَحُوا قَبْلَ الصَّلاَةِ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِى عَنَاقٌ جَذَعٌ ، عَنَاقُ لَبَنٍ هِىَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَىْ لَحْمٍ . فَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ يَقِفُ فِى هَذَا الْمَكَانِ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِىِّ ، وَيُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَقِفُ فِى هَذَا الْمَكَانِ وَيَقُولُ لاَ أَدْرِى أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لاَ .
وليس فيه بالمُكَاتبة عن شُيوخه غيره, وفيه وفي «صحيح» مُسلم أحاديث كثيرة بالمُكَاتبة في أثناء السَّند.
منها: ما في صحيح البخارى (1477 ) ومسلم (1370 ) عَنِ الشَّعْبِىِّ حَدَّثَنِى كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَىَّ بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ » .
وفي صحيح البخارى (2541 ) ومسلم (4616 ) حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ الْحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ فَكَتَبَ إِلَىَّ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَغَارَ عَلَى بَنِى الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ . حَدَّثَنِى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَكَانَ فِى ذَلِكَ الْجَيْشِ.
وفي صحيح مسلم (4640 ) عَنْ أَبِى النَّضْرِ عَنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ حِينَ سَارَ إِلَى الْحَرُورِيَّةِ يُخْبِرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ فِى بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِى لَقِىَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ » .ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَالَ « اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِىَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ » .
وفي صحيح مسلم (3749 ) عَنْ هِشَامٍ - يَعْنِى الدَّسْتَوَائِىَّ - قَالَ كَتَبَ إِلَىَّ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِى الْحَرَامِ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
وفي صحيح مسلم (4815 ) عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلاَمِى نَافِعٍ أَنْ أَخْبِرْنِى بِشَىْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ فَكَتَبَ إِلَىَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِىُّ يَقُولُ « لاَ يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ » . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ « عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ بَيْتَ كِسْرَى أَوْ آلِ كِسْرَى » . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ « إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ » . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ « إِذَا أَعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ » . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ « أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ » ..
ثمَّ يَكْفي في الرِّواية بالكِتَابة مَعْرفته أي المكتُوب له خطِّ الكاتب وأن لم تَقُم البَيِّنة عليه.
ومنهم من شرطَ البَيِّنة عليه, لأنَّ الخط يُشبهُ الخطَّ, فلا يَجُوز الاعتماد على ذلك وهو ضعيف.
قال ابن الصَّلاح [2] : لأنَّ ذلك نادر, والظَّاهر أنَّ خط الإنسان لا يشتبه بغيره, ولا يَقَع فيه إلْبَاس, وإن كانَ الكَاتب غير الشَّيخ فلا بد من ثُبوت كونهُ ثقة كمَا تقدَّمت الإشَارة إليه في نَوْع المُعلَّل. ثُمَّ الصَّحيح أنَّهُ يَقُول في الرِّواية بها: كتبَ إليَّ فُلان قال: حدَّثنا فُلان, أو أخبرني فُلان مُكَاتبة, أو كِتَابة, أو نحوه وكذا حدَّثنا مُقيدًا بذلك. ولا يَجُوز إطلاق حدَّثنا أو أخبرنا, وجوَّزه اللَّيث ومنصُور وغير واحد من عُلماء المُحدِّثين وكِبَارهم وجوَّز آخرون أخبرنا دون حدَّثنا.
روى البَيْهقي في «المَدْخل» عن أبي عِصْمة سعد بن مُعَاذ قال: كُنتُ في مَجْلس أبي سُليمان الجَوْزقاني, فجَرَى ذكر حدَّثنا, وأخبرنا, فقلتُ: إن كلاهما سواء, فقال: بينهما فرقٌ, ألا ترى محمَّد بن الحسين قال: إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذَا فأنت حُر, فكتب إليه بذلك صارَ حُرَّا, وإن قال: إن حدَّثتني بكذا, فأنتَ حُر, فكتب إليه بذلك لا يُعتق.
وأمَّا الكِتَابة المُجرَّدة عن الإجَازة فمنعَ الرِّواية بها قومٌ, منهم القَاضي أبو الحسن المَاوردي الشَّافعي في «الحَاوي» والآمدي وابن القطَّان.
وأجَازهَا كَثيرُونَ من المُتقدِّمين والمُتأخِّرين, منهم: أيُّوب السِّخْتياني, ومنصُور, واللَّيث, وغير واحد من الشَّافعيين وأصْحَاب الأصُول, وهو الصَّحيحُ المَشْهُورِ بين أهل الحَدِيث, ويُوجد في مُصْنَّفاتهم: كتبَ إليَّ فُلانٌ, قال: حدَّثنا فُلانٌ, والمُرَاد به هذا, وهو مَعْمُولٌ به عِنْدهم معدُودٌ في الموصُولِ لإشْعَاره بمعنى الإجَازة, وزاد السَّمعاني فقال: هي أقْوَى من الإجَازةِ.
ـــــــــــــــ
(1) - التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 11) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 313)
(2) - علوم الحديث ص 197