فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 522

ترجم لهذا المقصد المهم الإمام البخاري في صحيحه بقوله (( 49 - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا . ) )ثم قال:وَقَالَ عَلِىٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ""

وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ « يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ » . قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ « يَا مُعَاذُ » . قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثَلاَثًا .

قَالَ « مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلاَ أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا قَالَ « إِذًا يَتَّكِلُوا » . وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا . [1]

وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِى نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَخَرَجْتُ أَبْتَغِى رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِى النَّجَّارِ فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا فَلَمْ أَجِدْ فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِى جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « أَبُو هُرَيْرَةَ » . فَقُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « مَا شَأْنُكَ » . قُلْتُ كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ وَهَؤُلاَءِ النَّاسُ وَرَائِى فَقَالَ « يَا أَبَا هُرَيْرَةَ » . وَأَعْطَانِى نَعْلَيْهِ قَالَ « اذْهَبْ بِنَعْلَىَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ » فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ فَقَالَ مَا هَاتَانِ النَّعْلاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقُلْتُ هَاتَانِ نَعْلاَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَنِى بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَىَّ فَخَرَرْتُ لاِسْتِى فَقَالَ ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً وَرَكِبَنِى عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِى فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ » . قُلْتُ لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِى بَعَثْتَنِى بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَىَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاِسْتِى قَالَ ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ » . قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِىَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ « نَعَمْ » . قَالَ فَلاَ تَفْعَلْ فَإِنِّى أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَخَلِّهِمْ » . [2]

وعَنْ أَبِى ظَبْيَانَ قَالَ غَزَا أَبُو أَيُّوبَ الرُّومَ فَمَرِضَ فَلَمَّا حُضِرَ قَالَ أَنَا إِذَا مِتُّ فَاحْمِلُونِى فَإِذَا صَافَعْتُمُ الْعَدُوَّ فَادْفِنُونِى تَحْتَ أقَدْامِكُمْ وَسَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَوْلاَ حَالِى هَذَا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « مَنْ مَاتَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ » . [3]

وعَنْ أَبِى أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « لَوْلاَ أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ » . [4]

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله [5] :

"وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ:"بِمَا يَعْرِفُونَ"أَيْ: يَفْهَمُونَ . وَزَادَ آدَم بْن أَبِي إِيَاس فِي كِتَاب الْعِلْم لَهُ عَنْ عَبْد اللَّه بْن دَاوُدَ عَنْ مَعْرُوف فِي آخِره"وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ"أَيْ: يَشْتَبِه عَلَيْهِمْ فَهْمه . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَج . وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِه لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر عِنْد الْعَامَّة . وَمِثْله قَوْل اِبْن مَسْعُود:"مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة"رَوَاهُ مُسْلِم . وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض أَحْمَد فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان ، وَمَالِك فِي أَحَادِيث الصِّفَات ، وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب ، وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْجِرَابَيْنِ وَأَنَّ الْمُرَاد مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن ، وَنَحْوه عَنْ حُذَيْفَة وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَنْكَرَ تَحْدِيث أَنَس لِلْحَجَّاجِ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي ، وَضَابِط ذَلِكَ أَنْ يَكُون ظَاهِر الْحَدِيث يُقَوِّي الْبِدْعَة وَظَاهِره فِي الْأَصْل غَيْر مُرَاد ، فَالْإِمْسَاك عَنْهُ عِنْد مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْأَخْذ بِظَاهِرِهِ مَطْلُوب . وَاَللَّه أَعْلَم ."

قال صاحب كتاب أشهر مشاهير الإسلام (رفيق العظم رحمه الله) تحت عنوان ما كل حديث تحدث به العامة وندم أبي عبيدة على نقله الحديث لعامة الناس )) [6]

" (( كلُّ مسلم أكتنه كنه الدين الإسلامي ووقف على حكمه وأسراره يرى من آياته العظمى في الترغيب والترهيب ما لو أحسن استعماله ووضع في موضعه لكفى لإزعاج النفوس الشريرة عن مواطن الرذيلة مهما التصقت بها وأمعنت فيها، ولجعل النفوس البارة نورًا على نور وألبسها من الفضيلة لباسًا لا يصيبه بلى وقد جاء الكتاب الكريم بالترغيب ليكون باعثا للنفوس على العمل الصالح رجاء الثواب الأخروي الذي أعده الله لعباده الصالحين ، لا ليكون لاستدراج النفوس في مدارج الاستباحة طمعًا في عفو الله، لهذا جاء بإزاء الترغيب بالترهيب لترسم على صفحات النفوس صورة العقاب كما ارتسمت صورة الثواب فيكون لها منها داع إلى الخير يذكرها بالثواب ويمكن منها الرغبة فيه لا إلى حد الطمع والغرور ثم الاستدراج في الشرور وزاجر عن الشر يذكرها بالعقاب ويمكن منها الرهبة منه لا إلى حد الانقطاع إلى تقويم أود النفس وتعطيل وظائف الحياة، ولا إلى حد اليأس والقنوط ثم الاسترسال في الشهوات واقتراف المنكرات ،على ذلك الأساس بنيَ الترغيب والترهيب في الإسلام ،وكل ما جاء منه في الحديث النبوي فالمراد منه عين ما أراده القرآن،ولكن ما الحيلة وقد أولعَ كثيرٌ من علماء المسلمين بالإفراط في الوعظ ترغيبًا وترهيبا ،وحملوا عامة الناس على طريقتهم في فهم الدين فأكثروا من حمل الحديث وروايته دون التفهم له والعلم بمقاصده ووضع كل شيء منه في محله والتفريق بين صحيحه وموضوعه ،حتى أغروا العامة بعقيدة الإباحة لكثرة ما يروون لهم من أحاديث الترغيب ، ولو موضوعة كفضائل الصيام والصلاة وفضائل الشهور والأيام وفضائل التلاوات، وجلُّها - إن لم نقل كلها - من الموضوع الذي تستدرج به العامة للاستباحة لاعتقادهم بأن من صام كذا غفر له من السيئات كذا وكذا ومن تنفل بيوم كذا محيت سيئاته إلى كذا، ولقد بلغ ببعضهم سوء الفهم للدين أن جعلوا لبعض القصائد النبوية من الفضائل ما لم يجعلوه للقرآن فقالوا إن البيت الفلاني منها لشفاء الأسقام والآخر لمحو الذنوب والآثام والثالث للنجاة من ظلم الحكام ،فليت شعري إذا اعتقد العامي أن تلاوة بيت من قصيد يكفيه لمحو كل ما يقترفه في يومه من الآثام فإلى أية درجة ينتهي فساد أخلاقه وشرور نفسه، وماذا ينفعه القرآن بأوامره ونواهيه ووعده ووعيده وحكمه وأحكامه، اللهم إن هذا لغاية الاستهانة بالدين والجهل بمقاصد الإسلام، ومنشؤه اضطراب الأفهام وتلبس الحقائق بالأوهام منذ أخذ الوضاعون بالكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأدخلوا في الدين ما ليس منه..."اهـ

ـــــــــــــــ

(1) - صحيح البخارى (128 )

(2) - صحيح مسلم (156 )

أجهش: هم بالبكاء احتفز: تضامم ليسعه المدخل الحائط: البستان الربيع: النهر الصغير

(3) - مسند أحمد (24276) صحيح لغيره

(4) - صحيح مسلم (7139 )

قَالَ الطِّيبِيُّ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَسْلِيَةٌ لِلْمُنْهَمِكِينَ فِي الذُّنُوبِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغِرَّةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا بُعِثُوا لِيَرْدَعُوا النَّاسَ عَنْ غَشَيَانِ الذُّنُوبِ بَلْ بَيَانٌ لِعَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُجَاوِزْهُ عَنْ الْمُذْنِبِينَ لِيَرْغَبُوا فِي التَّوْبَةِ ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ كَمَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ الْمُحْسِنِينَ أَحَبَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ الْمُسِيئِينَ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْغَفَّارُ الْحَلِيمُ التَّوَّابُ الْعَفُوُّ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِيَجْعَلَ الْعِبَادَ شَأْنًا وَاحِدًا كَالْمَلَائِكَةِ مَجْبُولِينَ عَلَى التَّنَزُّهِ مِنْ الذُّنُوبِ بَلْ يَخْلُقُ فِيهِمْ مَنْ يَكُونُ بِطَبْعِهِ مَيَّالًا إِلَى الْهَوَى مُتَلَبِّسًا بِمَا يَقْتَضِيهِ ثُمَّ يُكَلِّفُهُ التَّوَقِّيَ عَنْهُ وَيُحَذِّرُهُ عَنْ مُدَانَاتِهِ وَيُعَرِّفُهُ التَّوْبَةَ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ فَإِنْ وَفَّى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ فَالتَّوْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ .تحفة الأحوذي - (ج 8 / ص 436)

(5) - فتح الباري لابن حجر - (ج 1 / ص 203)

(6) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 142)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت