1-تمهيدٌ:
لقد انتهت أنواع المردود الستة التي سبب ردِّها سَقْطٌ من الإسناد ، لكن لما كان المعنعن والمؤنن مُختَلفًا فيهما ، هل هما من نوع المنقطع أو المتصل ، لذا رأيت إلحاقهما بأنواع المردود بسبب سقط من الإسناد .
2-تعريفُ المعنعن:
لغة:المعنعن اسم مفعول من"عَنْعَن"بمعنى قال"عَنْ ، عَنْ".
اصطلاحًا: هو قول الرَّاوي فُلان عن فُلان بلفظ: عن, من غير بيان للتحديث, والإخبار, والسَّماع.. [2]
3-مثالُه:
ما رواه أبو داود [3] حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ » .
فسفيان يقول عن أسامة بن زيد ، وأسامة بن زيد يقول عن عثمان بن عروة ، وعروة عن عائشة ، فليس فيه التصريح بالتحديث
4-هل هو من المتصلِ أو المنقطع ؟ [4] :
"اختلفوا في حكمِ الإسنادِ المعنعنِ ، فالصحيحُ الذي عليهِ العملُ ، وذهبَ إليهِ الجماهيرُ من أئمة الحديثِ وغيرِهم ، أنَّهُ من قبيلِ الإسنادِ المتصلِ بشرطِ سلامةِ الراوي الذي رواهُ بالعنعنةِ من التدليسِ . وبشرطِ ثبوتِ ملاقاتِهِ لمَنْ رواهُ عنه بالعنعنةِ ."
قالَ ابنُ الصلاحِ [5] : (( وكادَ ابنُ عبد البرِّ يَدَّعي إجماعَ أئمةِ الحديثِ على ذلك ) ). قلتُ: لا حاجةَ لقولِهِ: كاد ، فقد ادّعاهُ . وادّعى أبو عَمْرو الدانيُّ إجماعَ أهلِ النقلِ على ذلكَ ، لكنَّهُ اشترطَ أنْ يكونَ معروفًا بالروايةِ عنه ، .. . لكن قد يظهرُ عدمُ اتّصالِهِ بوجهٍ آخرَ ، كما في الإرسالِ الخفيِّ ..، وما ذكرناهُ من اشتراطِ ثبوتِ اللقاءِ هو مذهبُ عليِّ بنِ المدينيِّ ، والبخاريِّ وغيرِهما من أئمة هذا العلمِ .
وأنكرَ مسلمٌ في خُطبةِ صحيحِهِ اشتراطَ ذلك ، وادّعى أنَّهُ قولٌ مخترعٌ لم يسبقْ قائِلُه إليهِ ،حيث قال [6] :
"وَهَذَا الْقَوْلُ - يَرْحَمُكَ اللَّهُ - فِى الطَّعْنِ فِى الأَسَانِيدِ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ مُسْتَحْدَثٌ غَيْرُ مَسْبُوقٍ صَاحِبُهُ إِلَيْهِ وَلاَ مُسَاعِدَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنَّ كُلَّ رَجُلٍ ثِقَةٍ رَوَى عَنْ مِثْلِهِ حَدِيثًا وَجَائِزٌ مُمْكِنٌ لَهُ لِقَاؤُهُ وَالسَّمَاعُ مِنْهُ لِكَوْنِهِمَا جَمِيعًا كَانَا فِى عَصْرٍ وَاحِدٍ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِى خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا وَلاَ تَشَافَهَا بِكَلاَمٍ فَالرِّوَايَةُ ثَابِتَةٌ وَالْحُجَّةُ بِهَا لاَزِمَةٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلاَلَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الرَّاوِىَ لَمْ يَلْقَ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا فَأَمَّا وَالأَمْرُ مُبْهَمٌ عَلَى الإِمْكَانِ الَّذِى فَسَّرْنَا فَالرِّوَايَةُ عَلَى السَّمَاعِ أَبَدًا حَتَّى تَكُونَ الدَّلاَلَةُ الَّتِى بَيَّنَّا. فَيُقَالُ لِمُخْتَرِعِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِى وَصَفْنَا مَقَالَتَهُ أَوْ لِلذَّابِّ عَنْهُ قَدْ أَعْطَيْتَ فِى جُمْلَةِ قَوْلِكَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ عَنِ الْوَاحِدِ الثِّقَةِ حُجَّةٌ يَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ ثُمَّ أَدْخَلْتَ فِيهِ الشَّرْطَ بَعْدُ فَقُلْتَ حَتَّى نَعْلَمَ أَنَّهُمَا قَدْ كَانَا الْتَقَيَا مَرَّةً فَصَاعِدًا أَوْ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا فَهَلْ تَجِدُ هَذَا الشَّرْطَ الَّذِى اشْتَرَطْتَهُ عَنْ أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ وَإِلاَّ فَهَلُمَّ دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمْتَ فَإِنِ ادَّعَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ بِمَا زَعَمَ مِنْ إِدْخَالِ الشَّرِيطَةِ فِى تَثْبِيتِ الْخَبَرِ طُولِبَ بِهِ وَلَنْ يَجِدَ هُوَ وَلاَ غَيْرُهُ إِلَى إِيجَادِهِ سَبِيلًا وَإِنْ هُوَ ادَّعَى فِيمَا زَعَمَ دَلِيلًا يَحْتَجُّ بِهِ قِيلَ لَهُ وَمَا ذَاكَ الدَّلِيلُ فَإِنْ قَالَ قُلْتُهُ لأَنِّى وَجَدْتُ رُوَاةَ الأَخْبَارِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَرْوِى أَحَدُهُمْ عَنِ الآخَرِ الْحَدِيثَ وَلَمَّا يُعَايِنْهُ وَلاَ سَمِعَ مِنْهُ شَيْئًا قَطُّ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمُ اسْتَجَازُوا رِوَايَةَ الْحَدِيثِ بَيْنَهُمْ هَكَذَا عَلَى الإِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ - وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِى أَصْلِ قَوْلِنَا وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ - احْتَجْتُ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ سَمَاعِ رَاوِى كُلِّ خَبَرٍ عَنْ رَاوِيهِ فَإِذَا أَنَا هَجَمْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنْهُ لأَدْنَى شَىْءٍ ثَبَتَ عِنْدِى بِذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرْوِى عَنْهُ بَعْدُ فَإِنْ عَزَبَ عَنِّى مَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَوْقَفْتُ الْخَبَرَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِى مَوْضِعَ حُجَّةٍ لإِمْكَانِ الإِرْسَالِ فِيهِ فَيُقَالُ لَهُ فَإِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِى تَضْعِيفِكَ الْخَبَرَ وَتَرْكِكَ الاِحْتِجَاجَ بِهِ إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ لَزِمَكَ أَنْ لاَ تُثْبِتَ إِسْنَادًا مُعَنْعَنًا حَتَّى تَرَى فِيهِ السَّمَاعَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ عَلَيْنَا بِإِسْنَادِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَبِيَقِينٍ نَعْلَمُ أَنَّ هِشَامًا قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ وَأَنَّ أَبَاهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقُلْ هِشَامٌ فِى رِوَايَةٍ يَرْوِيهَا عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنِى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِى تِلْكَ الرِّوَايَةِ إِنْسَانٌ آخَرُ أَخْبَرَهُ بِهَا عَنْ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْهَا هُوَ مِنْ أَبِيهِ لَمَّا أَحَبَّ أَنْ يَرْوِيَهَا مُرْسَلًا وَلاَ يُسْنِدَهَا إِلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْهُ وَكَمَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِى هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ أَيْضًا مُمْكِنٌ فِى أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَكَذَلِكَ كُلُّ إِسْنَادٍ لِحَدِيثٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ سَمَاعِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ عُرِفَ فِى الْجُمْلَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ صَاحِبِهِ سَمَاعًا كَثِيرًا فَجَائِزٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْزِلَ فِى بَعْضِ الرِّوَايَةِ فَيَسْمَعَ مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ بَعْضَ أَحَادِيثِهِ ثُمَّ يُرْسِلَهُ عَنْهُ أَحْيَانًا وَلاَ يُسَمِّىَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ وَيَنْشَطَ أَحْيَانًا فَيُسَمِّىَ الرَّجُلَ الَّذِى حَمَلَ عَنْهُ الْحَدِيثَ وَيَتْرُكَ الإِرْسَالَ وَمَا قُلْنَا مِنْ هَذَا مَوْجُودٌ فِى الْحَدِيثِ مُسْتَفِيضٌ مِنْ فِعْلِ ثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَسَنَذْكُرُ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِى ذَكَرْنَا عَدَدًا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىَّ وَابْنَ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعًا وَابْنَ نُمَيْرٍ وَجَمَاعَةً غَيْرَهُمْ رَوَوْا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِحِلِّهِ وَلِحُرْمِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ. فَرَوَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِعَيْنِهَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَدَاوُدُ الْعَطَّارُ وَحُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِى إِلَىَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. فَرَوَاهَا بِعَيْنِهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَرَوَى الزُّهْرِىُّ وَصَالِحُ بْنُ أَبِى حَسَّانَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ فِى هَذَا الْخَبَرِ فِى الْقُبْلَةِ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَطْعَمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لُحُومَ الْخَيْلِ وَنَهَانَا عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ."
فَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - . وَهَذَا النَّحْوُ فِى الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِى الْفَهْمِ. فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ فِى فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِىَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا إِمْكَانَ الإِرْسَالِ فِيهِ لَزِمَهُ تَرْكُ الاِحْتِجَاجِ فِى قِيَادِ قَوْلِهِ بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ إِلاَّ فِى نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِى فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَقَلُوا الأَخْبَارَ أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا وَلاَ يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الأَخْبَارَ وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىِّ وَابْنِ عَوْنٍ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِىٍّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَتَّشُوا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِى الأَسَانِيدِ كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِى وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ إِذَا كَانَ الرَّاوِى مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِى الْحَدِيثِ وَشُهِرَ بِهِ فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِى رِوَايَتِهِ وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ كَىْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِى زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الأَئِمَّةِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِىَّ وَقَدْ رَأَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَيْسَ فِى رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا وَلاَ حَفِظْنَا فِى شَىْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ وَلاَ وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى وَلاَ مِمَّنْ أَدْرَكْنَا أَنَّهُ طَعَنَ فِى هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِى مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لاَقَيْنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ وَقَوِيِّهَا يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا وَالاِحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ وَهِىَ فِى زَعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِى عَمَّنْ رَوَى وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ وَنُحْصِيهَا لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّى ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِىُّ وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا وَنَقَلاَ عَنْهُمُ الأَخْبَارَ حَتَّى نَزَلاَ إِلَى مِثْلِ أَبِى هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَلَمْ نَسْمَعْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِىُّ وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَكَانَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلًا وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَيْنِ وَأَسْنَدَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وُلِدَ فِى زَمَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَسْنَدَ قَيْسُ بْنُ أَبِى حَازِمٍ وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىِّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - ثَلاَثَةَ أَخْبَارٍ وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِى لَيْلَى وَقَدْ حَفِظَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَصَحِبَ عَلِيًّا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَأَسْنَدَ رِبْعِىُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثَيْنِ وَعَنْ أَبِى بَكْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَقَدْ سَمِعَ رِبْعِىٌّ مِنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ وَرَوَى عَنْهُ وَأَسْنَدَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِى شُرَيْحٍ الْخُزَاعِىِّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَأَسْنَدَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِى عَيَّاشٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ ثَلاَثَةَ أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَسْنَدَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِىُّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَأَسْنَدَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثًا وَأَسْنَدَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَادِيثَ فَكُلُّ هَؤُلاَءِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ نَصَبْنَا رِوَايَتَهُمْ عَنِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ سَمَاعٌ عَلِمْنَاهُ مِنْهُمْ فِى رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا وَلاَ أَنَّهُمْ لَقُوهُمْ فِى نَفْسِ خَبَرٍ بِعَيْنِهِ وَهِىَ أَسَانِيدُ عِنْدَ ذَوِى الْمَعْرِفَةِ بِالأَخْبَارِ وَالرِّوَايَاتِ مِنْ صِحَاحِ الأَسَانِيدِ لاَ نَعْلَمُهُمْ وَهَّنُوا مِنْهَا شَيْئًا قَطُّ وَلاَ الْتَمَسُوا فِيهَا سَمَاعَ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ إِذِ السَّمَاعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُمْكِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ لِكَوْنِهِمْ جَمِيعًا كَانُوا فِى الْعَصْرِ الَّذِى اتَّفَقُوا فِيهِ وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ الَّذِى أَحْدَثَهُ الْقَائِلُ الَّذِى حَكَيْنَاهُ فِى تَوْهِينِ الْحَدِيثِ بِالْعِلَّةِ الَّتِى وَصَفَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يُعَرَّجَ عَلَيْهِ وَيُثَارَ ذِكْرُهُ إِذْ كَانَ قَوْلًا مُحْدَثًا وَكَلاَمًا خَلْفًا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سَلَفَ وَيَسْتَنْكِرُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ خَلَفَ فَلاَ حَاجَةَ بِنَا فِى رَدِّهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا شَرَحْنَا.
إِذْ كَانَ قَدْرُ الْمَقَالَةِ وَقَائِلِهَا الْقَدْرَ الَّذِى وَصَفْنَاهُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى دَفْعِ مَا خَالَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ وَعَلَيْهِ التُّكْلاَنُ."اهـ"
قال ابنُ الصلاحِ [7] : (( وفيما قالَهُ مسلمٌ نظرٌ . - قال -: وهذا الحكمُ لا أراهُ يَستمرُّ بعدَ المتقدّمينَ فيما وُجِدَ من المصنّفينِ في تصانيفهم مما ذكروهُ عن مشايخهِم قائلين فيه: ذكرَ فلانٌ ، قال فلانٌ ، ونحو ذلك . أي: فليسَ له حكمُ الاتصالِ ، إلا إنْ كان له من شيخِهِ إجازةٌ .. .اهـ
ولم يكتفِ أبو المظفرِ السمعانيُّ بثبوتِ اللقاءِ ، بل اشترطَ طولَ الصُّحبةِ بينهما . واشترطَ أبو عمرو الدانيُّ أنْ يكونَ معروفًا بالروايةِ عنه.واشترط أبو الحسنِ القابسيُّ أنْ يُدْرِكَهُ إدراكًا بَيِّنًَا . وهذا داخلٌ فيما تقدّمَ من الشروطِ ، وبيانُ الإدراكِ لابدَّ منه . وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الإسنادَ المعنعنَ من قبيلِ المرسلِ والمنقطعِ،حتى يتبينَ اتصالُهُ بغيرهِ،.""
وقال السيوطي [8] :
"ومنهم من شرطَ اللِّقاء وحدهُ, وهو قول البُخَاري وابن المَدِيني والمُحقِّقين من أئمة هذا العلم. [9] "
قيل: إلاَّ أنَّ البُخَاري لا يشترط ذلك في أصل الصحَّة, بل التزمه في «جامعه» وابن المَدِيني يشترطه فيها. [10]
ونصَّ على ذلكَ الشَّافعي في «الرِّسالة» . [11]
(1) - صحيح مسلم - (ج 1 / ص 111) ومقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 10) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 7) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 3) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 83) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 24) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 154) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 10)
(2) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 154) وقارن بمنهج النقد في علوم الحديث ص 351
(3) - برقم (676 ) وهو حديث صحيح لغيره
(4) - فتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 154) والنكت على ابن الصلاح - (ج 2 / ص 583) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 160) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 75) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 154)
(5) - في علوم الحديث ص 83 و مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 11) الوراق
(6) صحيح مسلم (8 ) باب صِحَّةِ الاِحْتِجَاجِ بِالْحَدِيثِ الْمُعَنْعَنِ
(7) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 12) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 155) وشرح شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر - (ج 1 / ص 676) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 165)
(8) - تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 154)
(9) - في وصف النووي أصحاب هذا القول ب (المحققين) إشارة منه إلى أنه القول المختار عنده ، وقد صرح بذلك في مقدمة (شرح البخاري) له ص 12 فقال: وهو مذهب علي بن المديني والبخاري وأبي بكر الصيرفي الشافعي والمحققين ، وهو الأصح اهـ
(10) - صاحب هذا القول هو ابن كثير في اختصار علوم الحديث ص 43و44 وقد ردَّ عليه الحافظ ابن حجر في النكت 2/595 قائلًا: وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث بمجرد ذلك .
(11) - قيل للشافعي: فقال: فما بالُك قبِلْتَ ممن لم تعرفه بالتَّدْليسِ أن يقول: ( عن ) وقد يُمْكِنُ فيه أنْ يكونَ لمْ يسْمَعْه ؟
فقلت له: المسلمون العُدول عُدولٌ أصِحَّاءُ الأمْر في أنفسهم وحالُهُم في أنفسهم غيرُ حالهم في غيرهم ألا ترى أنِّي إذا عرَفتهم بالعدل في أنفسهم قَبِلْتُ شَهادَتهم وإذا شَهِدوا على شهادة غيرِهم لمْ أقْبلْ شهادَة غيرِهم حتى أعرف حاله ؟ ولم تكن معرفتي عدْلَهم معرفتي عدلَ من شَهِدوا على شهادَتِه ،وقولُهم عن خبر أنفسهم وتسميتُهم: على الصِّحة حتى نسْتَدِلَّ مِنْ فِعلهم بما يخالف ذلك فَنَحْتَرِسَ منهم في الموضع الذي خالَف فِعْلُهم فيه ما يجب عليهم
ولم نَعْرِفْ بالتدليس بِبَلدنا فيمن مضى ولا مَنْ [ أدْرَكْنا مِن أصحابنا إلاَّ حديثًا فإن منهم من قبله عن من لو تركه عليه كان خيرًا له ،وكان قول الرجل: ( سمعتُ فلانًا يقول سمعت فلانًا ) وقولُه: ( حدّثَني فلانٌ عنْ فُلان ) : سَواءً عنْدهم لا يحدِّثُ واحد منهم عن من لَقِيَ إلاَّ ما سَمِع منه ممن عَنَاه بهذه الطريق قَبِلْنا منه: ( حدثني فلان عن فلان )
ومَن عرَفْناه دلَّس مَرَّةً فقَدْ أبَان لَنَا عوْرَته في رِوايتِه ،وليستْ تلك العورةُ بالكذب فنَرُدَّ بها حديثَه ولا النَّصيحَةِ في الصِّدق فنقْبَلَ مِنه ما قَبِلْنا مِن أهل النصيحة في الصدق .
فقلْنا: لا نقبل مِن مُدَلِّسٍ حديثًا حتى يقولَ فيه: ( حدثني ) أو ( سمعْتُ ) ..اهـ الرسالة للشافعي ص378-380
فذكر أنه إنما سمع العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس ، وإنما يقول عن (عن) فيما سمع ؛ فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولومرة حملت عنعنة غير المدلس على السماع ، مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك أيضًا .
وهذا الذي فهمه الحافظ ابن حجر من كلام الإمام الشافعي ، فهم صحيح ، وقد سبقه إليه الإمام ابن رجب الحنبلي ، فقال في شرح العلل 1/360 بعد أن ذكر كلام الشافعي هذا:وظاهر هذا أنه لا يقبل العنعنة إلا عمن عرف منه أنه لا يدلس ولا يحدث إلا عمن لقيه ما سمع منه .
وهذا قريب من قول من قال: إنه لا يقبل العنعنة إلا عمن ثبت أنه لقيه ، وفيه زيادة أخرى عليه ، وهي اشترط أنه يعرف أنه لا يدلس عمن لقيه أيضًا ، ولا يحدث إلا بما سمعه .
وقد فسره أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة باشتراط ثبوت السماع لقبول العنعنة ، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يعم التدليس ، وإذا لم يعلم سمع أو لم يسمع وقف . فإذا صح السماع فهو عليه حتى يعلم غيره . قال: وهذا الذي قاله صحيح )) انتهى .