فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 522

1-تعريفُه:

أ) لغة: اسم مفعول من"الوَقف"كأن الراوي وقف بالحديث عند الصحابي، ولم يتابع سرد باقي سلسلة الإسناد.

ب) اصطلاحًا: ما أُضِيفَ إلى الصحابي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة ..

وأجمل ذلك الخطيب ، فقال:"الْمَوْقُوفُ مَا أَسْنَدَهُ الرَّاوِي إِلَى الصَّحَابِيِّ وَلَمْ يَتَجَاوَزْهُ" [2] .

وقال الحاكم:"أَنْ يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَى الصَّحَابِيِّ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ ، وَلَا إِعْضَالٍ ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّحَابِيَّ ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا ، وَكَانَ يَفْعَلُ كَذَا ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِكَذَا وَكَذَا" [3] .

قلت: اشتراط الحاكم عدم الانقطاع إرسالًا أو إعضالًا ، ليس هو المشهور في تعريف ( الموقوف ) .

2-شرحُ التعريف:

أي هو ما نُسِبَ أو أُسْنِدَ إلى صحابي أو جَمْع من الصحابة سواء كان هذا المنسوب إليهم قولا أو فعلا أو تقريرًا ، وسواء كان السند إليهم متصلا أو منقطعًا.

3-أمثلةٌ:

أ) مثال الموقوف القولي: قول الراوي ، قال على بن أبي طالب رضي الله عنه:"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" [4]

ب) مثال الموقوف الفعلي: عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِى صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ. [5]

ج) مثال الموقوف التقريري: كقول بعض التابعين مثلًا:"فعلت كذا أمام أحد الصحابة ولم يُنْكِر عَلَيَّ ، كما روي عَنْ نَافِعٍ ؛ أَنَّ مَوْلاَةً لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا ، حَتَّى اخْتَلَعَتْ بِبَعْضِ ثِيَابِهَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْهُ. [6] "

4-استعمالٌ آخرُ له:

يستعمل اسم الموقوف فيما جاء عن غير الصحابة لكن مقيدًا فيقال مثلا:"هذا حديث وقفه فلان على الزهري أو على عطاء [7] ونحو ذلك ."

كما في معرفة السنن والآثار للبيهقي ( 1344 ) أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ: أَنَّهَا جَاءَتْ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ، إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ ، فَبَالَ عَلَيْهِ قَالَتْ: قُلْتُ: اخْلَعْ إِزَارَكَ ، وَالْبَسْ ثَوْبًا غَيْرَهُ ، حَتَّى أَغْسِلَهُ قَالَ:"إِنَّمَا يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ

( 1345 ) وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ: كُنْتُ خَادِمَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَجِيءَ بِالْحَسَنِ ، أَوِ الْحُسَيْنِ ، فَبَالَ عَلَى صَدْرِهِ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغْسِلُوهُ ، فَقَالَ:"رُشُّوهُ رَشًّا ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَيُرَشُّ بَوْلُ الْغُلَامِ"، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

( 1346 ) أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاسَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ:"يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ، وَيُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ ، مَا لَمْ يَطْعَمْ"قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: فَذَكَرَ مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ"مَا لَمْ يَطْعَمِ الطَّعَامَ"قَالَ قَتَادَةُ: هَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا ، هَذَا حَدِيثٌ وَقَفَهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَرَفَعَهُ هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ وَهُوَ حَافِظٌ ثِقَةٌ"."

5-اصطلاح فقهاء خراسان:

يسمي فقهاء خراسان:

ا ) المرفوع: خبراًٍ. ...

ب) والموقوف: أثرًا.

أما المحدثون فيسمون كل ذلك"أثرًا"لأنه مأخوذ من"أَثَرَتُ الشيء"أي رويته.

الموقوف ـ كما عرفت ـ قد يكون صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا، لكن حتى ولو ثبتت صحته فهل يحتج به ؟

قال الزركشي في البحر المحيط [8] :

"اتفقوا على أن قول الصحابي في مسائل الاجتهاد ليس بحجة على صحابي آخر مجتهد, إماما أو حاكما أو مفتيا. نقله القاضي, وتبعه المتأخرون, منهم الآمدي وابن الحاجب وغيرهما [9] . فإن قيل: يقدح فيه قول إمام الحرمين: قال الشافعي رضي الله عنه في بعض أقواله: إذا اختلف الصحابة فالتمسك بقول الخلفاء أولى. قال الإمام: وهذا كالدليل على أنه لم يسقط الاحتجاج بأقوال الصحابة من أجل الاختلاف."

قلنا: مراده أنه حجة علينا, لا على من عاصره من الصحابة. نعم, هنا مسألتان:"إحداهما": بالنسبة إلى وجوب التقليد, و"الثانية": بالنسبة إلى جوازه, والقاضي إنما حكى الاتفاق في الأولى, وحكى الخلاف في الثانية فقال: وقد اتفق على أنه لا يجب على الصحابي تقليد مثله من الصحابة, فبذلك لا يجب تقليد غيرهم من العلماء لهم, لتساوي أحوالهم. قال: وقد أجاز بعضهم تقليد بعض الصحابة بعضا, واحتجوا بإجابة عثمان إلى تقليد أبي بكر وعمر في الأحكام, وإن لم نعتبر وجوب ذلك. انتهى.

وقد يدعي أنها مسألة واحدة. و يلزم من القول بالجواز الوجوب, وكلام الشيخ في اللمع"يقتضي ذلك, فإنه قال: إذا أجمعوا بين الصحابة على قولين بنى على القولين في أنه حجة أم لا. فإن قلنا ليس بحجة لم يكن قول بعضهم حجة على بعض, ولم يجز تقليد واحد منهما, بل يرجع إلى الدليل. وإن قلنا إنه حجة فهاهنا دليلان تعارضا فيرجح أحدهما على الآخر بكثرة العدد من الجانبين, أو يكون فيه إمام. انتهى."

ثم هذا الاتفاق صحيح بالنسبة إلى زمنهم. أما بالنسبة إلى من بعدهم إذا اختلفوا فقد ظنَّ قوم أن حجية قول الصحابي تزول إذا خالفه غيره من الصحابة, لأنه ليس اتباع قول أحدهما أولى من الآخر, وتعلقوا بما تقدم من نقل الإجماع. وهذا ضعيف, لأن ذلك إنما هو بالنسبة إلى غيره من الصحابة, وإنما الخلاف المشهور في أنه هل هو حجة على التابعين ومن بعدهم من المجتهدين؟ وفيه أقوال:

الأول: أنه ليس بحجة مطلقا, كغيره من المجتهدين, وهو قول الشافعي في الجديد, وإليه ذهب جمهور الأصوليين من أصحابنا والمعتزلة. و يومئ إليه الإمام أحمد, واختاره أبو الخطاب من أصحابه. وزعم عبد الوهاب أنه الصحيح الذي يقتضيه مذهب مالك, لأنه نص على وجوب الاجتهاد واتباع ما يؤدي إليه صحيح النظر فقال: وليس في اختلاف الصحابة سعة, إنما هو خطأ أو صواب.

الثاني: أنه حجة شرعية مقدمة على القياس, وهو قوله في القديم. ونقل عن مالك وأكثر الحنفية. قال صاحب"التقويم": قال أبو سعيد البردعي: تقليد الصحابة واجب, يترك بقوله القياس, وعليه أدركنا مشايخنا. وذكر محمد بن الحسن: إن شرى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز. واحتج بأثر عائشة - رضي الله عنها - والقياس, وقال: وليس عن أصحابنا المتقدمين مذهب ثابت والمروي عن أبي حنيفة:"إذا أجمعت الصحابة سلمنا لهم, وإذا جاء التابعون زاحمناهم, لأنه كان منهم, فلا يثبت لهم بدون إجماع. انتهى."

ومن كلام الشافعي في القديم, لما ذكر الصحابة رضوان الله عليهم: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك فيه علم أو استنبط, وآراؤهم لنا أجمل وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلم للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه سنة إلى قولهم إن أجمعوا, وقول بعضهم إن تفرقوا. فهكذا نقول: إذا اجتمعوا أخذنا باجتماعهم, وإن قال واحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله, وإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم ولم نخرج عن أقاويلهم كلهم. [10]

وقال في موضع آخر منه: فإن لم يكن على قول أحدهم دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - أحبَّ إليَّ أن أقول من غيرهم أن أخالفهم, من قبل أنهم أهل علم وحكاية. ثم قال: وإن اختلف المفتون بعد الأئمة - يعني من الصحابة - ولا دليل فيما اختلفوا فيه, نظرنا إلى الأكثر, فإن تكافئوا نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا.

واعلم أن هذا القول اشتهر نقله عن القديم, وقد نص عليه الشافعي في الجديد أيضا, وقد نقله البيهقي, وهو موجود في كتاب الأم [11] , في باب خلافه مع مالك, وهو من الكتب الجديدة فلنذكره بلفظه, لما فيه من الفائدة:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"مَا كَانَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِمَا , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِرْنَا إِلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ وَاحِدِهِمْ , ثُمَّ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ،"إِذَا صِرْنَا إِلَى التَّقْلِيدِ أَحَبَّ إِلَيْنَا وَذَلِكَ إِذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِي الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشْهُورٌ مَا يَلْزَمُ النَّاسَ , وَمَنْ لَزِمَ قَوْلُهُ النَّاسَ كَانَ أَشْهَرَ مِمَّنْ يُفْتِي الرَّجُلَ أَوِ النَّفْرَ ، وَقَدْ يَأْخُذُ بُفُتْيَاهُ وَيدَعُهَا وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ يُفْتُونَ الْخَاصَّةَ فِي بُيوتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ , وَلَا يُعْنَى الْعَامَّةُ بِمَا قَالُوا عِنَايَتَهُمْ بِمَا قَالَ الْإِمَامُ , وَقَدْ وَجَدْنَا الْأَئِمَّةَ يُنْتَدَبُونَ فَيُسْأَلُونَ عَنِ الْعِلْمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِيمَا أَرَادُوا , وَأَنْ يَقُولُوا فِيهِ وَيَقُولُونَ ، فَيُخْبَرُونَ بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ فَيَقْبَلُونَ مِنَ الْمُخْبِرِ وَلَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ أَنْ يَرْجِعُوا لِتَقْوَاهُمُ اللَّهَ وَفَضْلِهِمْ فِي حَالَاتِهِمْ , فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنِ الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنَ اتِّبَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ"قَالَ: وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ: الْأُولَى: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ , ثُمَّ الثَّانِيةُ: الْإِجْمَاعُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سَنَةٌ , وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْهُمْ , وَالرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَرَضِيَ عَنْهُمْ , وَالْخَامِسَةُ: الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ وَلَا يُصَارُ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ , بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ ، فَقَالَ:"وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرِعٍ وَعَقْلٍ وَأَمْرٍ اسْتُدْرِكَ بِهِ عِلْمٌ وَاسْتُنْبِطَ بِهِ , وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَحْمَدُ وَأَوْلَى بِنَا مِنْ آرَائِنَا عِنْدَنَا لِأَنْفُسِنَا , وَ اللَّهُ أَعْلَمُ , وَمَنْ أَدْرَكْنَا مِمَّنْ أَرْضِي أَوْ حُكِيَ لَنَا عَنْهُ بِبَلَدِنَا صَارُوا فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ سَنَةً إِلَى قَوْلِهِمْ إِنِ اجْتَمِعُوا ، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ إِنْ تَفَرَّقُوا ، فَهَكَذَا نَقُولُ إِذَا اجْتَمَعُوا أَخَذْنَا بِاجْتِمَاعِهِمْ ، وَإِنْ قَالَ وَاحِدُهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِ , فَإِنِ اخْتَلَفُوا أَخَذْنَا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَلَمْ نُخَرِّجْ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ كُلِّهِمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَإِذَا قَالَ الرَّجُلَانِ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَظَرْتُ ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ أَشْبَهُ بِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَخَذْتُ بِهِ , لِأَنَّ مَعَهُ شَيْئًا يَقْوَى بِمِثْلِهِ لَيْسَ مَعَ الَّذِي يُخَالِفُهُ مِثْلُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْلَيْنِ دَلَالَةٌ بِمَا وَصَفْتُ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَرْجَحُ عِنْدَنَا مِنْ أَحَدٍ ، لَوْ خَالَفَهُمْ غَيْرُ إِمَامٍ وَذَلِكَ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَقَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْقَوْلِ دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سَنَةٍ كَانَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ، أَوْ عُمَرَ ، أَوْ عُثْمَانَ ، أَوْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَقُولَ بِهِ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِمْ إِنْ خَالَفَهُمْ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ وَحُكَّامٌ ، ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِنِ اخْتَلَفَ الْحُكَّامُ اسْتَدْلَلْنَا الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فِي اخْتِلَافِهِمْ فَصِرْنَا إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَقَلَّ مَا يَخْلُو اخْتِلَافُهُمْ مِنْ دَلَائِلِ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ , وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَفْتُونَ يَعْنِي مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ بِلَا دَلَالَةٍ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ نَظَرْنَا إِلَى الْأَكْثَرِ , فَإِنْ تَكَافَؤُوا نَظَرْنَا إِلَى أَحْسَنِ أَقَاوِيلِهِمْ مَخْرَجًا عِنْدَنَا ، وَإِنْ وَجَدْنَا لِلْمُفْتِينَ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ اجْتِمَاعًا فِي شَيْءٍ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ تَبِعْنَاهُ ، وَكَانَ أَحَدَ طُرُقِ الْأَخْبَارِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: كِتَابُ اللَّهِ , ثُمَّ سَنَةُ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - , ثُمَّ الْقَوْلُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ , ثُمَّ اجْتِمَاعُ الْفُقَهَاءِ , فَإِذَا نَزَلَتْ نَازِلَةٌ لَمْ نَجِدْ فِيهَا وَاحِدَةً مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْبَارِ فَلَيْسَ السَّبِيلُ فِي الْكَلَامِ فِي النَّازِلَةِ إِلَّا اجْتِهَادُ الرَّأْيِ . [12]

وقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ [13] :"مَا كَانَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِمَا ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صِرْنَا إِلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ كَانَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَيْ: أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ أَوْ عُثْمَانَ - قَالَ فِي الْقَدِيمِ: أَوْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - إِذَا صِرْنَا إِلَى التَّقْلِيدِ أَحَبُّ إِلَيْنَا وَذَلِكَ إِذَا لَمْ نَجِدْ دَلَالَةً فِي الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ عَلَى أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الَّذِي مَعَهُ الدَّلَالَةُ ، ثُمَّ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي تَرْجِيحِ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنْ قَالَ: فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عَنِ الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الدِّينِ فِي مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ ، وَكَانَ اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا مِنَ اتِّبَاعِ مَنْ بَعْدَهُمْ . قَالَ: وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ: الْأُولَى: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ ، ثُمَّ الثَّانِيَةُ: الْإِجْمَاعُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ، وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا مِنْهُمْ ، وَالرَّابِعَةُ: اخْتِلَافُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالْخَامِسَةُ: الْقِيَاسُ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ . وَلَا يُصَارُ إِلَى شَيْءٍ غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَهُمَا مَوْجُودَانِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ مِنْ أَعْلَى . قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَاضِي: وَغَيْرِ جَائِزٍ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا مِنْ أَهْلِ دَهْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَبْيَنَ فَضْلًا فِي الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ مِنْهُ ، وَلَا يَقْضِي أَبَدًا إِلَّا بِمَا يَعْرِفُ ثُمَّ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ لَهُ عُلَمَاءٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ أَوِ افْتَرَقُوا فَسَوَاءٌ لَا يَقْبَلُهُ إِلَّا تَقْلِيدًا لِغَيْرِهِمْ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ يُدِلُّونَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْقِلَهُ كَمَا عَقَلُوهُ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عَلَى التَّقْلِيدِ أَوِ الْقِيَاسِ . قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: رُوِّينَا فِي حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ:"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - , فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ وَانْتَخَبَهُ بِعِلْمِهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَعْدَهُ فَاخْتَارَ لَهُ أَصْحَابَهُ ، فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ""

وهذا صريح منه في أن قول الصحابي عنده حجة مقدمة على القياس, كما نقله عنه إمام الحرمين, فيكون له قولان في الجديد, وأحدهما موافق للقديم وإن كان قد غفل عن نقله أكثر الأصحاب.

ويقتضي أيضا أن الصحابة إذا اختلفوا كان الحجة في قول الخلفاء الأربعة إذا وجد عنهم, للمعنى الذي أشار إليه الشافعي, وهو اشتهار قولهم ورجوع الناس إليهم, وقد استعمل الشافعي ذلك في الأم في مواضع كثيرة"منها"قال في كتاب الحكم في قتال المشركين ما نصه [14] :

"وكل من يحبس نفسه بالترهب تركنا قتله, اتباعا لأبي بكر رضي الله عنه, ثم قال: وإنما قلنا هذا اتباعا لا قياسا, وقال في كتاب"اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى"في باب الغصب: أن عثمان قضى فيما إذا شرط البراءة في العيوب في الحيوان. قال: وهذا يذهب إليه, وإنما ذهبنا إلى هذا تقليدا. وإنما كان القياس عدم البراءة. وقال ابن الصباغ: إنما احتج الشافعي بقول عثمان في الجديد لأن مذهبه إذا لم ينتشر ولم يظهر له مخالف كان حجة. انتهى. وقال في عتق أمهات الأولاد: لا يجوز بيعها تقليدا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه."

(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 7) والباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 5) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 2) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 4) وقواعد التحديث للقاسمي - (ج 1 / ص 89) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 101) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 125)

(2) - الكفاية ( ص: 58 ) ، وبنحوه تعريف ابن عبد البر في"التمهيد" ( 1 / 25 ) .

(3) - معرفة علوم الحديث ( ص: 19 ) .

(4) - صحيح البخارى برقم (127 )

(5) - صحيح البخارى برقم (848 )

(6) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 5 / ص 125) (18845) حسن

(7) - الزهري وعطاء كلاهما من التابعين .

(8) - 4/358-377 و انظر: المستصفى - (ج 1 / ص 257) وكشف الأسرار - (ج 6 / ص 81) والتقرير والتحبير - (ج 4 / ص 312) وشرح الكوكب المنير - (ج 1 / ص 500) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 1 / ص 211) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 5 / ص 373) والفصول في الأصول - (ج 2 / ص 230)

(9) - انظر مختصر ابن الحاجب"2/287"الإحكام للآمدي"4/149"أصول السرخسي"2/109".

(10) - المدخل إلى السنن الكبرى (21)

(11) - الأم"7/265".

(12) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (21 )

(13) - معرفة السنن والآثار للبيهقي باب:أَقَاوِيلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , وَمَا يُقْضَى وَمَا يُفْتَى بِهِ

(14) - انظر الأم"4/240".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت