فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 522

29 -قولهم :( لا يتابع على حديثه ).

قال ابن القطان الفاسيُّ:"يُمسُّ بهذا من لا يعرف بالثقة ، فأما من عرف بها فانفراده لا يضره ، إلا أن يكثر ذلك منه" [1] .

قلت: والأمر كما قال ، وأكثر من استعمل هذه العبارة من المتقدِّمين البخاري ، وإذا قالها في راو فإنه يعني تفرده بما لا يعرف إلا من طريقه ، وفي الغالب هو حديثٌ معيَّنٌ ليس لذلك الراوي سواه ، ولذا فهذه اللفظة إذا قالها البخاري في راو فهو تضعيف ؛ لأنها غالبًا إمَّا في مجهول أو مُقلِّ ، ومن كان بهذه المنزلة ولا يروي إلا حديثًا واحدًا يتفرد به ، فلا يحتجُّ به .

ففي تاريخ البخاري (ج 1 / ص 45) [ 237 ] محمد بن الزبير إمام مسجد حران عن حجاج الرقي عن عكرمة عن بن عباس سمع منه النفيلي لا يتابع في حديثه عن حجاج.

وتاريخ البخاري (ج 1 / ص 57) [ 313 ] محمد بن سلام الخزاعي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يأتي البهيمة والرجل يصبح في غضب الله قاله دحيم عن ابن أبي الفديك قال حدثني محمد لا يتابع عليه.

وتاريخ البخاري (ج 1 / ص 67) [ 378 ] محمد بن عبد الله الكناني عن عطاء وعامر بن عبد الله بن الزبير وعمرو بن دينار قاله لي يعقوب بن محمد سمع إسحاق بن جعفر روى عن عمرو بن دينار عن ابن عباس دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة كالمستطعم السائل رافعا يديه لا يتابع فيه.

وتبعه على استعمالها العقيلي ، وأطلقها على جماعة من الرواة هم بهذه المثابة .

لكنه ذكر بعض الثقات أيضًا ، وقال فيهم مثل ذلك ، وربما أورد الحديث مما يعنيه أن ذلك الراوي لم يتابع عليه .

فقالها مثلًا في سعد بن طارق الأشجعي ، وسلام بن سليمان أبي المنذر ، وعقبة بن خالد السَّكونيِّ ، ويحيى بن عثمان الحربي [2] ، وغيرهم ، وهؤلاء ثقات ، والتفرد لا يضر في قبول ما رووا .

وقال في ( عبد الله بن خَيرانَ البغدادي ) [3] :"لا يتابع على حديثه"، فتعقَّبه الخطيب فقال:"قد اعتبرت من رواياته أحاديث كثيرة ، فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته" [4] .

فمثل هذا من العُقيلي يتثبَّت فيه ، ولا يُسلَّم ابتداء كسبب في رد حديث الموصوف به .

وقال الذهبي رحمه الله رادا عليه:"وهذا أبو عبد الله البخاري - وناهيك به - قد شحن صحيحه بحديث علي بن المدينى، وقال: ما استصغرت نفسي بين يدى أحد إلا بين يدي علي بن المديني، ولو تركت حديث علي، وصاحبه محمد، وشيخه عبد الرزاق، وعثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن سعد، وعفان، وأبان العطار، وإسرائيل، وأزهر السمان، وبهز بن أسد، وثابت البناني، وجرير بن عبدالحميد، لغلقنا الباب، وانقطع الخطاب، ولماتت الآثار، واستولت الزنادقة، ولخرج الدجال."

أفما لك عقل يا عقيلي، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدِّثٌ، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدلَّ على اعتنائه بعلم الاثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنَّة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كلُّ واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرضُ هذا، فإن هذا مقررُ على ما ينبغي في علم الحديث.

وإنْ تفرد الثقةُ المتقن يعدُّ صحيحا غريبا.

وإنْ تفرد الصدوقُ ومن دونه يعدُّ منكرا.

وإنَّ إكثار الراوى من الأحاديث التي لا يوافَق عليها لفظًا أو إسنادًا يصيِّره متروكَ الحديث، ثم ما كلُّ أحدٍ فيه بدعة أو له هفوةٌ أو ذنوبٌ يقدحُ فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيرا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة ،أو لهم أوهامٌ يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أنَّ غيرهم أرجحُ منهم وأوثقُ إذا عارضَهم أو خالفَهم، فزنِ الأشياءَ بالعدلِ والورعِ.

وأمَّا علي بن المدينى فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي، مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه." [5] "

ـــــــــــــــ

(1) - بيان الوهم والإيهام ( 5 / 363 ) .

(2) - انظر: الضعفاء ( 2 / 119 ، 160 ، و 3 / 355 ، و 4 / 420 ) .

(3) - الضعفاء ( 2 / 245 ) .

(4) - تاريخ بغداد ( 9 / 451 ) .

(5) - ميزان الاعتدال - (ج 3 / ص 140) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت