وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، لاَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الإِسْنَادِ ، وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّى الرَّجُلَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَاهُ.
وقال أيضًا: وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلاَ نَعْلَمُ أَيْضًا يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلاَ نَعْلَمُ سَمَّى الرَّجُلَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ أَحَدٌ وَلَوْ عَرَفْنَاهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الإِسْنَادِ أَخْرَجْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ أَجَلَّ مِنْهُ.
المعْجَم الأوسط للطبراني [1] .
وعدد أحاديثه حوالي تسعة آلاف حديث ونيِّف ، وفي موقع جامع الحديث النبوي [2] ،وهو أهم موقع للسنَّة النبوية ، بلغ عدد أحاديثه (11544 )
وله طبعات عديدة ومنها بتحقيق الدكتور/ محمود الطحان وفيه الصحيح والحسن والضعيف والواهي ، ويحتاج لتخريج كامل أحاديثه .
أمثلة:
1 -حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال: نا يحيى بن صالح الوحاظي قال: نا سعيد بن يزيد بن ذي عصوان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « أمتي أمة مرحومة ، لا عذاب عليها في الآخرة ، فإذا كان يوم القيامة ، دفع إلى كل رجل من المسلمين رجل من أهل الكتابين ، فيقال: يا مسلم ، هذا فداؤك من النار » [3] لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا سعيد بن يزيد ، ولا عن سعيد بن يزيد إلا يحيى بن صالح الوحاظي
2 -حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال: نا أبو المغيرة قال: نا الضحاك بن حمرة قال: نا قتادة ، أن أبا مجلز ، أخبره عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فِى بَعِيرٍ ادَّعَيَاهُ كِلاَهُمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَهُ وَجَاءَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَانِ أَنَّ الْبَعِيرَ لَهُ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. لم يرو هذا الحديث عن قتادة ، عن أبي مجلز إلا الضحاك ، تفرد به: أبو المغيرة ( قلت: الضحاك ضعيف )
3 -حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال: نا أبو المغيرة قال: نا مبشر بن عبيد ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن عطاء ، وعمرو بن دينار ، عن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء ، ولا يزوجهن إلا الأولياء ، ولا مهر دون عشرة دراهم » لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا الحجاج ، تفرد به: مبشر بن عبيد (( قلت: وهو متروك ) )
5 -حدثنا أحمد بن عبد الوهاب قال: نا أبو المغيرة قال: نا عفير بن معدان ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين ، وكان أعمى يصلي بالناس » لم يرو هذا الحديث عن قتادة إلا عفير . تفرد به: أبو المغيرة ( قلت: هو صحيح ) )
8-أشهر المصنفات فيه:
أ) غرائب مالك للدارقطني .
ب) الأفرْاد للدارقطني أيضا .
وهو مطبوع بدار الكتب العلمية في خمس مجلدات ، وعدد أحاديثه (6400) حديث ،و غالبها غير صحيح .
أمثلة منه:
1-حديث: اطلع عمر على أبي بكر وهو يَمُدُّ لسانه فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله... الحديث .
تفرد به عبد الصمد بن عبد الوارث عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: ابن صاعد كذا قال عبد الصمد أدرج الحديث المسند بالموقوف وفَصَلهَ لنا عبد الله بن عمران العابدي عن الدراوردي عن زيد عن أبيه: أن عمر اطلع أبي بكر وهو يذلع لسانه آخذه بيده فقال: ما تصنع يا خليفة رسول الله؟ فقال: وهل أوردني الموارد إلا هذا. [4]
2-حديث: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ قَدْ تَوَضَّأَ وَبَقِيَ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ مِثْلُ ظُفُرِ إِبْهَامِهِ، فَأَبْصَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: ارْجِعْ فَأَتِمَّ وُضُوءَكَ، قَالَ: فَفَعَلَ.
غريب من حديث سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عن أبي بكر تفرد به الوازع بن نافع عنه وتفرد به المغيرة بن سقلاب عن الوازع. [5]
3-حديث: أنه قام خطيبا فقال: إن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قام فينا عام أول.. الحديث. غريب من حديث حميد بن عبد الرحمن الحميري عن عبد الله بن عباس عن عمر عنه.
وغريب من حديث سليم بن حيان عن قتادة عنه تفرد به الأصمعي عبد الملك قريب عنه وتفرد به يحيى بن سويد الحنفي عن الأصمعي. [6]
وتفرد به حاتم عن يحيى.
ورواه في موضع آخر وقال: تفرد به الأصبغ عن سليم وصلة عن ابن عباس.
ج) السنن التي تفرد بكل سنَّة منها أهل بلدة لأبي داود السجستاني .
ــــــــــــــ
الفصلُ الثاني
"الخبرُ المقبولُ"
ينقسم خبر الآحاد ـ من مشهور وعزيز وغريب ـ من حيثُ قوته وضعفه إلى قسمين وهما:
ا-مقبولٌ: وهو ما تَرَجَّح صِدْقُ المخْبِرِ به، وحكمه: وجوب الاحتجاج والعمل به
ب- مردودٌ: وهو ما لم يَتَرَجَّح صِدق المخْبِرِ به ، وحكمه: أنه لا يحتج به ولا يجب العمل به ، ولكلٍّ من المقبول والمردود أقسامٌ وتفاصيل سنذكرها في فصلين مستقلين إن شاء الله تعالى
المبحث الأول: أقسام المقبول.
المبحث الثاني: تقسيم المقبول إلى معمول به وغير معمول به.
المبحثُ الأول"أقسام المقبول" [7]
يقسمُ المقبول بالنسبة إلى تفاوت مراتبه إلى قسمين رئيسين هما: صحيح وحسن. وكلٌّ منهما يقسم إلى قسمين هما ، لذاته ولغيره ، فَتئول أقسام المقبول في النهاية إلى أربعة أقسام هي:
صحيحٌ لذاته .
حسنٌ لذاته .
صحيحٌ لغيره.
حسنٌ لغيره .
وإليك بحث هذه الأقسام تفصيلا
ــــــــــــــ
الصَّحيحُ [8]
1-تعريفُه:
لغة: الصحيح ضد السقيم، وهو حقيقة في الأجسام مجاز في الحديث وسائر المعاني.
اصطلاحًا: المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذًا، ولا مردودًا، ولا معللًا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورًا أو غريبًا. [9] .
2-شرح التعريف:
اشتمل التعريف السابق على أمور يجب توفرها حتى يكون الحديث صحيحًا،وهذه الأمور هي:
اتّصال السند: سماعُ كلِّ راوٍ من الراوي الذي يليه، من أول السند إلى منتهاه.
عدم الشذوذ: أي أن لا يكون الحديث شاذًا، والشذوذ: مخالفةُ الثّقةِ لِمَنْ هو أوثقُ منهُ أو أكثر منهُ عددًا.
العّلةَ القادحةَ وهي: سببٌ يقدحُ في صحّةِ حديثٍ ظاهرهُ الصحّةُ والخلوُّ منها، ولا تتبيّنُ إلاّ للنقّاد الجهابذة .
العدلُ: كلُّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ سليم من أسبابِ الفسق وخوارمِ المروءة، فأخرجَ هذا التعريفُ الكافرَ وغيرَ البالغِ، وفي المميّزِ نزاعٌ، والمجنونَ، والفاسقَ وهو: من يفعلُ الكبيرةَ ويُصرُّ على الصغيرةِ، والفسق نوعان: بشبهةٍ كالخوارج والشيعة، وبشهوةٍ كشرب الخمر والسرقة، وأخرجَ مَن يخالفُ الآدابَ الشرعيّةَ وعرفَ المجتمعِ المسلمِ.
الضبطُ: الحفظُ، وهو قسمان: ضبطُ الصدرِ وهو أن يَحفظَ ما سمعهُ حفظًا يمكنهُ من استحضاره متى شاء، وضبطُ الكتابِ وهو صيانتهُ عنده منذ سمع فيه وصحّحه إلى أن يؤدّيه.
3-شروطُه:
يتبين من شرح التعريف أن شروط الصحيح التي يجب توفرها حتى يكون الحديث صحيحًا خمسة وهي: { اتصال السند ـ عدالة الرواة ـ ضبط الرواة ـ عدم العلة القادحة ـ عدم الشذوذ }
فإذا اختلَّ شرطٌ واحدٌ من هذه الشروط الخمسة فلا يسمَّى الحديث حينئذ صحيحًا .
4-مثالُه:
ما أخرجه البخاري في صحيحه قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَرَأَ فِى الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ [10] .
فهذا الحديث صحيح لأن:
سنده متصل: إذ أن كل راو من رواته سمعه من شيخه . وأما عنعنة [11] مالك وابن شهاب وابن جبير فمحمولة على الاتصال لأنهم غير مٌدَلِّسِيْنَ .
ولأن رواته عدول ضابطون: وهذه أوصافهم عند علماء الجرح والتعديل .
-عبد الله بن يوسف التنيسي بمثناة ونون ثقيلة بعدها تحتانية ثم مهملة أبو محمد الكلاعي أصله من دمشق ثقة متقن من أثبت الناس في الموطأ من كبار العاشرة مات سنة ثماني عشرة خ د ت س [12]
-مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة رأس المتقنين وكبير المتثبتين حتى قال البخاري أصح الأسانيد كلها مالك عن نافع عن بن عمر من السابعة مات سنة تسع وسبعين وكان مولده سنة ثلاث وتسعين وقال الواقدي بلغ تسعين سنة ع [13]
-محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو بكر الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه وهو من رؤوس الطبقة الرابعة مات سنة خمس وعشرين وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين ع [14]
-محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي ثقة عارف بالنسب من الثالثة مات على رأس المائة ع [15]
-جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي صحابي عارف بالأنساب مات سنة ثمان او تسع وخمسين ع [16]
د) ولأنه غير شاذ: إذ لم يعارضه ما هو أقوى منه .
هـ) ولأنه ليس فيه علة من العلل القادحة .
5-حكمُه:
وجوب: العمل به بإجماع أهل الحديث ومن يٌعْتَدَّ به من الأصوليين والفقهاء ، فهو حجة من حجج الشرع ، لا يَسَعٌ المسلم ترك العمل به .
قال العلامة القاسميُّ رحمه الله: [17]
"بيانُ أنَّ خبرَ الواحدِ الثقةِ حجَّةٌ يلزمُ به العملُ"
قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مقدمة مسلم [18] : (( هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّه تَنْبِيهٌ عَلَى الْقَاعِدَة الْعَظِيمَة الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا مُعْظَمُ أَحْكَام الشَّرْع ، وَهُوَ وُجُوب الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ؛ فَيَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِهَا وَالِاعْتِنَاءُ بِتَحْقِيقِهَا ، وَقَدْ أَطْنَبَ الْعُلَمَاء - رَحِمَهُمْ اللَّه - فِي الِاحْتِجَاج لَهَا وَإِيضَاحِهَا ، وَأَفْرَدَهَا جَمَاعَة مِنْ السَّلَف بِالتَّصْنِيفِ ، وَاعْتَنَى بِهَا أَئِمَّةُ الْمُحَدِّثِينَ وَأُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأَوَّلُ مَنْ بَلَغَنَا تَصْنِيفُهُ فِيهَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: رَحِمَهُ اللَّه ، وَقَدْ تَقَرَّرَتْ أَدِلَّتُهَا النَّقْلِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ فِي كُتُبِ أُصُول الْفِقْه وَنَذْكُرُ هُنَا طُرَفًا فِي بَيَانِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْمَذَاهِبِ فِيهِ مُخْتَصَرًا .
قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْخَبَرُ ضَرْبَانِ: مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ .
فَالْمُتَوَاتِر ، مَا نَقَلَهُ عَدَد لَا يُمْكِنُ مُوَاطَأَتُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ مِثْلِهِمْ وَيَسْتَوِي طَرَفَاهُ وَالْوَسَطُ ، وَيُخْبِرُونَ عَنْ حِسِّيٍّ لَا مَظْنُونٍ وَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِمْ . ثُمَّ الْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُضْبَطُ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُخْبِرِينَ الْإِسْلَامُ وَلَا الْعَدَالَةُ . وَفِيهِ مَذَاهِبُ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ ، وَتَفْرِيعَات مَعْرُوفَة مُسْتَقْصَاة فِي كُتُبِ الْأُصُول .
وَأَمَّا خَبَر الْوَاحِد: فَهُوَ مَا لَمْ يُوجَد فِيهِ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ سَوَاء كَانَ الرَّاوِي لَهُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ . وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ ؛ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ: أَنَّ خَبَر الْوَاحِد الثِّقَةِ حُجَّةٌ مِنْ حُجَجِ الشَّرْعِ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا ، وَيُفِيدُ الظَّنَّ وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَأَنَّ وُجُوب الْعَمَل بِهِ عَرَفْنَاهُ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ . وَذَهَبَتْ الْقَدَرِيَّة وَالرَّافِضَة وَبَعْض أَهْل الظَّاهِر إِلَى أَنَّهُ يَجِب الْعَمَل بِهِ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول: مَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ دَلِيلُ الْعَقْلِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول: مَنَعَ دَلِيلُ الشَّرْعِ . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى أَنَّهُ يَجِب الْعَمَل بِهِ مِنْ جِهَة دَلِيل الْعَقْل . وَقَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَة: لَا يَجِب الْعَمَل إِلَّا بِمَا رَوَاهُ اِثْنَانِ عَنْ اِثْنَيْنِ . وَقَالَ غَيْره . لَا يَجِب الْعَمَل إِلَّا بِمَا رَوَاهُ أَرْبَعَة عَنْ أَرْبَعَة . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْل الْحَدِيث إِلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ . وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ إِلَى أَنَّ الْآحَادَ الَّتِي فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَوْ صَحِيح مُسْلِم تُفِيدُ الْعِلْمَ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْآحَاد . وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا الْقَوْل وَإِبْطَاله فِي الْفُصُول وَهَذِهِ الْأَقَاوِيل كُلّهَا سِوَى قَوْلِ الْجُمْهُور بَاطِلَةٌ ، وَإِبْطَالُ مَنْ قَالَ لَا حُجَّةَ فِيهِ ظَاهِرٌ ؛ فَلَمْ تَزَلْ كُتُبُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَآحَادُ رُسُلِهِ يُعْمَلُ بِهَا ، وَيُلْزِمُهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْعَمَلَ بِذَلِكَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ . وَلَمْ تَزَلْ الْخُلَفَاء الرَّاشِدُونَ وَسَائِر الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ السَّلَف وَالْخَلَفِ عَلَى اِمْتِثَال خَبَر الْوَاحِد إِذَا أَخْبَرَهُمْ بِسُنَّةٍ ، وَقَضَائِهِمْ بِهِ ، وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ فِي الْقَضَاء وَالْفُتْيَا ، وَنَقْضِهِمْ بِهِ مَا حَكَمُوا بِهِ خِلَافه ، وَطَلَبِهِمْ خَبَرَ الْوَاحِدِ عِنْدَ عَدَمِ الْحُجَّة مِمَّنْ هُوَ عِنْده وَاحْتِجَاجِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ ، وَانْقِيَادِ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ . وَهَذَا كُلُّهُ مَعْرُوفٌ لَا شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ . وَالْعَقْل لَا يُحِيل الْعَمَل بِخَبَرِ الْوَاحِد وَقَدْ جَاءَ الشَّرْع بِوُجُوبِ الْعَمَل بِهِ ، فَوَجَبَ الْمَصِير إِلَيْهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ يُوجِبُ الْعِلْمَ: فَهُوَ مُكَابِرٌ لِلْحَسَنِ . وَكَيْفَ يَحْصُلُ الْعِلْمُ وَاحْتِمَالُ الْغَلَطِ وَالْوَهْمِ وَالْكَذِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، مُتَطَرِّقٌ إِلَيْهِ ؟ وَاَللَّه أَعْلَمُ . )) انتهى
(1) - الطَّبَرَانِيُّ أَبُو القَاسِمِ سُلَيْمَانُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ ، هُوَ:الإِمَامُ، الحَافِظُ، الثِّقَةُ، الرَّحَّالُ، الجَوَّالُ، مُحَدِّثُ الإِسلاَمِ، علمُ المعمَّرينَ، أَبُو القَاسِمِ سُلَيْمَانُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَيُّوْبَ بنِ مُطَيّرٍ اللَّخْمِيُّ، الشَّامِيُّ، الطَّبَرَانِيُّ، صَاحبُ المَعَاجِمِ الثَّلاَثَةِ.مَوْلِدُهُ:بِمدينَةِ عكَّا، فِي شَهْرِ صَفَرٍ، سنَةَ سِتِّيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَكَّاوِيَّةً.
وَأَوَّلُ سمَاعِهِ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ، وَارْتَحَلَ بِهِ أَبُوْهُ، وَحَرَصَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبَ حَدِيْثٍ، مِنْ أَصْحَابِ دُحَيْمٍ ، فَأَوَّلُ ارتحَالِهِ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ، فَبقِي فِي الارتحَالِ وَلقِيِّ الرِّجَالِ ستَّةَ عشرَ عَامًا، وَكَتَبَ عَمَّنْ أَقبلَ وَأَدبرَ، وَبَرَعَ فِي هَذَا الشَّأْنِ، وَجَمَعَ وَصَنَّفَ وَعُمِّرَ دَهْرًا طَوِيْلًا، وَازدحَمَ عَلَيْهِ المحدِّثُونَ، وَرحلُوا إِلَيْهِ مِنَ الأَقطَارِ.
وَكَانَ الطَّبَرَانِيُّ - فِيمَا بلغنَا - يَقُوْلُ عَنِ (الأَوسطِ) :هَذَا الكِتَابُ رُوحي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي عَلِيٍّ:سَأَلَ أَبِي أَبا القَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ كَثْرَةِ حَدِيْثِهِ، فَقَالَ:كُنْتُ أَنَامُ عَلَى البوَارِي، ثَلاَثِيْنَ سَنَةً.
قَالَ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مَنْدَةَ:أَبُو القَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ أَحدُ الحُفَّاظِ المذكورينَ،
قَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي عَلِيٍّ المُعَدَّلُ:الطَّبَرَانِيُّ أَشهرُ مِنْ أَنْ يدلَّ عَلَى فضلِهِ وَعلمِهِ، كَانَ وَاسِعَ العِلْمِ كَثِيْرَ التَّصَانِيْفِ ،وَقَدْ عَاشَ الطَّبَرَانِيُّ مائَةَ عَامٍ وَعشرَةَ أَشهرٍ.سير أعلام النبلاء (16/120) (86 ) فما بعدها
(3) - سنن ابن ماجه (4433) عن أنس ومسند أحمد (20127 و20200) وهو حديث صحيح
(4) - قلت: لم يتفرد به بل تابعه عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمى مولاهم القواريرى ( وهو ثقة ثبت) في الزهد لأحمد بن حنبل (587 ) حدثنا عبد الله ، حدثني عبيد الله بن عمر ، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، حدثنا زيد بن أسلم ، عن أبيه أن عمر رأى أبا بكر وهو مدل لسانه ، آخذه بيده ، فقال: « ما تصنع يا خليفة رسول الله ؟ » فقال: « وهل أوردني الموارد إلا هذا » وهذا إسناد صحيح
(5) - قلت: أخرجه أبو عوانة في مسنده (538 ) وسنن الدارقطنى (392 ) ونصب الراية في تخريج أحاديث الهداية - (ج 1 / ص 75) والتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير - (ج 1 / ص 171) (103)
وقال في البدر المنير - (ج 2 / ص 241) :"رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» وَقَالَ: الْوَازِع ضَعِيف . وَالطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي «أَوسط معاجمه» لَكِن من رِوَايَة أبي بكر وَحده ، ثمَّ قَالَ: لَا يرْوَى عَن أبي بكر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد (وَإِن ابْن السقلاب تفرد بِهِ) . وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ إِلَّا من هُوَ مثله . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل بِهَذَا الْإِسْنَاد ، والوازع بن نَافِع ضَعِيف الحَدِيث ."
قلت: والحديث أخرجه مسلم من طريق آخر (599 ) حَدَّثَنِى سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَعْيَنَ حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ عَنْ أَبِى الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَخْبَرَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ فَأَبْصَرَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ » . فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى.
(6) - عَنْ عُمَرَ ، قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَطَبَنَا ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ فِينَا عَامَ أَوَّلَ ، فَقَالَ: أَلاَ إِنَّهُ لَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَفْضَلُ مِنَ الْمُعَافَاةِ بَعْدَ الْيَقِينِ ، أَلاَ إِنَّ الصِّدْقَ وَالْبِرَّ فِي الْجَنَّةِ ، أَلاَ إِنَّ الْكَذِبَ وَالْفُجُورَ فِي النَّارِ.
أخرجه أحمد 1/9 (49) قال: حدَّثنا بَهْز بن أسد . و"النَّسائي"في"عمل اليوم والليلة"885 قال: أخبرنا إسحاق بن منصور ، عن أحمد بن حنبل ، قال: حدَّثنا بَهْز بن أسد .
كلاهما (بَهْز، وابن مهدي) قالا: حدَّثنا سليم بن حَيّأن ، قال: سمعت قتادة ، يُحَدِّث عن حُميد بن عبد الرحمان ، أن عمر قال ، فذكره. المسند الجامع - (ج 9 / ص 1133) (7124) (تعليق شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره وإسناده ضعيف لانقطاعه)
وفي مسند البزار (75) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ ، عَنْ أَوْسَطَ الْبَجَلِيِّ ، يَتَقَارَبَانِ فِي أَلْفَاظِهِمَا ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، قَامَ فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ فِينَا عَامَ أَوَّلَ فَاسْتَعْبَرَ فَبَكَى فَقَعَدَ ، ثُمَّ إِنَّهُ قَامَ أَيْضًا ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَامَ فِينَا عَامَ أَوَّلَ ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّهُ مِنَ الْبِرِّ ، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مِنَ الْفُجُورِ ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَقَاطَعُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِنَّهُ لاَ يُعْطَى عَبْدٌ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ بَعْدَ يَقِينٍ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذِهِ الأَلْفَاظِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ ، وَهَذَا الإِسْنَادُ مِنَ الأَسَانِيدِ الْحِسَانِ الَّتِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَلاَ نَعْلَمُ رَوَى أَوْسَطُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلاَّ هَذَا الْحَدِيثَ.
(7) - نزهة النظر - (ج 1 / ص 67)
(8) - تيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 6)
(9) - الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث - (ج 1 / ص 2) والمختصر في أصول الحديث - (ج 1 / ص 1) وقواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 33) والتعريفات الندية على المنظومة البيقونية - (ج 1 / ص 4) وتوضيح الأفكار - (ج 1 / ص 156)
(10) - صحيح البخارى برقم (765 )
(11) - العنعنة: رواية الحديث عن الشيخ بلفظ"عن"وسيأتي تفصيل حكم العنعنة في نوع المعنعن .
(12) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 330 ] (3721 )
(13) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 516 ] (6425 )
(14) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 506 ] (6296 )
(15) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 471 ] (5780 )
(16) - تقريب التهذيب [ ج 1 - ص 138 ] (903 )
(17) - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 147) فما بعدها
(18) - شرح النووي على مسلم - (ج 1 / ص 64)