المبحث الثاني
بيان كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة [1] :
"واعلم أن تلقي الأمة منه الشرع على وجهين:"
أحدهما تلقي الظاهر ، ولا بد أن يكون بنقلٍ إما متواترا أو غير متواتر، والمتواتر منه المتواتر لفظًا كالقرآن العظيم، وكنبذٍ يسيرةٍ من الأحاديث منها عَنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِى الْبَدْرَ - فَقَالَ « إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لاَ تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا » . ثُمَّ قَرَأَ ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) . قَالَ إِسْمَاعِيلُ افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ [2] .
ومنه المتواتر معنى ، ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام ، وغير المتواتر أعلى درجاته المستفيضُ وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدا ثم لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة الخامسة ، وهذا قسم كثير الوجود ،وعليه بناء رءوس الفقه ثم الخبر المقضي له بالصحة أو الحسن على ألسنة حفاظ المحدثين وكبرائهم، ثم أخبارٌ فيها كلام قبِلَها بعضٌ ولم يقبلها آخرون ، فما اعتضد منها بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو العقل الصريح وجبَ إتباعه.
وثانيهما التلقي دلالةً، وهي أن يرى الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ويفعل فاستنبطوا من ذلك حكمًا من الوجوبِ وغيره ، فأخبروا بذلك الحكم، فقالوا: الشيء الفلاني واجب وذلك الآخر جائز، ثم تلقَّى التابعون من الصحابة كذلك فدوَّن الطبقةُ الثالثة فتاواهم وقضاياهم وأحكموا الأمر، وأكابر هذا الوجه عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، لكن كان من سيرة عمر رضي الله عنه أنه كان يشاور الصحابة ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ويأتيه الثلج، فصار غالبُ قضاياه وفتاواه متبعةٌ في مشارق الأرض ومغاربها، فعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ:"لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانِ، وَوُضِعَ عَلْمُ أَهْلِ الأَرْضِ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَ عِلْمُهُ بِعِلْمِهِمْ"، قَالَ وَكِيعُ: قَالَ الأَعْمَشُ: فَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقَالَ: وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ:"إِنِّي لأَحْسِبُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ ذَهَبَ يَوْمَ ذَهَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ". [3]
وعَنْ قَتَادَةَ، وَحَمَّادٍ، قَالا: سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: سَمِعَهُمَا يَقُولانِ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ , يَقُولُ:"إِنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ كَانَ حِصْنًا حَصِينًا لِلإِسْلامِ يُدْخَلُ فِي الإِسْلامِ، وَلا يُخْرَجُ مِنْهُ، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ، انْثَلَمَ مِنَ الْحِصْنِ ثُلْمَةُ فَهُوَ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلا يَدْخُلُ فِيهِ، وَكَانَ إِذَا سَلَكَ طَرِيقًا، وَجَدْنَاهُ سَهْلا، فَإِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّ هَلا بِعُمَرَ، كَانَ فَصْلَ مَا بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَخْدُمُ مِثْلَهُ حَتَّى أَمُوتَ أَمُوتَ". [4]
وكان علي رضي الله عنه لا يشاور غالبا ، وكان أغلب قضاياه بالكوفة فلم يحملها عنه إلا ناس ، وكان ابن مسعود رضي الله بالكوفة فلم يحمل عنه غالبا إلا أهل تلك الناحية ، وكان ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد بعد عصر الأولين فناقضهم في كثير من الأحكام واتبعه في ذلك أصحابه من أهل مكة ، ولم يأخذ بما تفرد به جمهورُ أهل الإسلام ، وأمَّا غيرُ هؤلاء الأربعة فكانوا يروون دلالة، ولكن ما كانوا يميزون الركن والشرط من الآداب والسنن، ولم يكن لهم قولٌ عند تعارض الأخبار وتقابل الدلائل إلا قليلًا كابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة الفقهاءُ السبعةُ لا سيما ابن المسيب بالمدينة وبمكة عطاء ابن أبي رباح ، وبالكوفة إبراهيم وشريح والشعبي، وبالبصرة الحسن، وفي كلٍّ من الطريقتين خللٌ إنما ينجبر بالأخرى ، ولا غنى لإحداهما عن صاحبتها ،أما الأولى فمن خللها ما يدخل في الرواية بالمعنى من التبديل ، ولا يؤمن من تغيير المعنى ، ومنه ما كان الأمر في واقعة خاصة فظنَّه الراوي حكما كليًّا ، ومنه ما أخرج فيه الكلام مخرجَ التأكيد ليعضوا عليه بالنواجذ، فظنَّ الراوي وجوبا أو حرمة ، وليس الأمر على ذلك فمن كان فقيهًا وحضر الواقعة استنبط من القرائن حقيقة الحال؛ كقول زيد رضي الله عنه في النهي عن المزارعة [5] وعن بيع الثمار قبل أن يبدوا صلاحها إن ذلك كان كالمشورة [6] .
وأمَّا الثانية فيدخل فيها قياساتُ الصحابة والتابعين واستنباطهم من الكتاب والسنة وليس الاجتهاد مصيبًا في جميع الأحوال، وربما كان لم يبلغ أحدهم الحديث أو بلغه بوجهٍ لا ينتهض بمثله الحجَّة فلم يعمل به، ثم ظهر جلية الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في التيمم عن الجنابة [7] وكثيرا ما كان اتفاقُ رءوس الصحابة رضي الله عنهم على شيء من قبل دلالة العقل على ارتفاق، فعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا بَعْدَ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ رَجُلٌ إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِىٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلاَلَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ » . [8]
وليس من أصول الشرع، فمن كان متبحرا في الأخبار وألفاظ الحديث يتيسر له التفصي عن مزالِّ الأقدام ،ولما كان الأمرُ كذلك وجبَ على الخائض في الفقه أن يكون متضلعًا من كلا المشربين ، ومتبحرًا في كلا المذهبين، وكان أحسن شعائر الملة ما أجمعَ عليه جمهور الرواة وحملة العلم، وتطابق فيه الطريقتانِ جميعا، والله أعلمُ""
ـــــــــــــــ
(1) - حجة الله البالغة - (ج 1 / ص 253)
(2) - صحيح البخارى (554 ) ونظم المتناثر - (ج 1 / ص 238) (307 )
(3) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 8 / ص 76) (8721 ) صحيح
(4) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 8 / ص 75) (8719 ) حسن لغيره
(5) - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلاَنِ - قَالَ مُسَدَّدٌ مِنَ الأَنْصَارِ ثُمَّ اتَّفَقَا - قَدِ اقْتَتَلاَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَلاَ تُكْرُوا الْمَزَارِعَ » . زَادَ مُسَدَّدٌ فَسَمِعَ قَوْلَهُ « لاَ تُكْرُوا الْمَزَارِعَ » .سنن أبى داود (3392 ) حسن
(6) - ففي صحيح البخارى (2193 ) عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّاسُ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ أَصَابَهُ مُرَاضٌ أَصَابَهُ قُشَامٌ - عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ فِى ذَلِكَ « فَإِمَّا لاَ فَلاَ يَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ » . كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ . وَأَخْبَرَنِى خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ .
الدمان: عاهة تصيب الثمرة القشام: عاهة تصيب الثمرة المراض: عاهة تصيب الثمرة
(7) - أي لا يغني عن الجنابة
(8) - سنن الترمذى (2891 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
النواجذ: جمع ناجذ وهو أقصى الأضراس