1-المراد بزيادات الثقات:
إن المقصود منها: أن يروي جماعة حديثا واحدا بإسناد واحد، فيزيد بعض الثقات فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة، [2] سواء أكان ذلك في السند أم في المتن أم كان في كليهما. ولذا فإن هذه المسألة تشمل جميع صور الزيادة التي تقع من الثقة، سواء أكان الثقة واحدا أم أكثر، وسواء أكانت الزيادة صحيحة أم ضعيفة، وسواء أكانت في السند والمتن أم في أحدهما. ويستثنى منها ما يذكره الصحابي من الزيادات فإنها مقبولة دون خلاف [3] .
هذا وقد نص الحافظ ابن حجر على أن في زيادة الثقة ما هو مقبول وما هو مردود تبعا للقرائن المحيطة بها، وقد يكون من القرائن ما يدلُّ على أن الزيادة مدرجة في الحديث، وأنها كانت من قول فلان، أو من حديث آخر. يقول الحافظ في صدد قبول الزيادة وردها ضمن دفاعه مجملا عن الإمام البخاري، حيث انتقده الإمام الدارقطني في ذلك:
'' ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقلِّ فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثرٌّ كما في الحديث الرابع والثلاثين'' [4] ، وعليه فهذا النوع من الزيادات يكون مردودا لثبوت إدراج تلك الزيادة في الحديث، يعني أن ما أدرجه الثقة لا يكون من لفظ الحديث وغير مقبول جعله جزءا منه.
وإن كانت زيادة الثقة تشملُ السند والمتن، فمسألة تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، والمزيد في متصل الأسانيد، وتعارض الزيادة والنقص في المتن، والشاذ والمنكر والمعلول عموما، تشكِّلُ أساسيات في زيادة الثقة. وهي إما أن تكون صحيحة أو ضعيفة، وذلك لأنه إذا تبين للناقد أن الراوي الثقة لم يكن واهما حين زاد في الحديث؛ لوجود قرائن تدلُّ على ذلك، فيكون ما زاده صحيحا. وإذا تبين أن الراوي كان واهما لكونه قد أدرج في الحديث ما ليس منه بسبب الاختلاط، أو لنقله بالمعنى، أو غير ذلك من الأسباب فتكون تلك الزيادة معلولة، وإن شئت سمها شاذة، أو منكرة [5] ، أو مدرجة، أو مقلوبة. وإذا لم يتبين الخطأ ولا الصواب في تلك الزيادة التي زادها أحد الثقات فتصير مقبولة نظرا إلى الأصل في حاله. ومن ثم فإن زيادة الثقة لا تشكِّلُ نوعا مستقلا عن تلك الأنواع المذكورة، وإنما تكون متداخلة فيها. وعلى هذا الواقع ينبغي أن نعالجها ونبين تفاصيلها ونؤسس أحكامها وفق منهج المحدثين الحفاظ.
ولتكون المسألة أكثر وضوحا فإني أذكر فيما يلي مثالين فقط:
مثال توضيحي
قال الإمام مسلم: (931 ) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِىُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِىُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِى كَامِلٍ - قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِىِّ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ صَلاَةً فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أُقِرَّتِ الصَّلاَةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ - قَالَ - فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلاَةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ فَقَالَ أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَأَرَمَّ الْقَوْمُ ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا فَأَرَمَّ الْقَوْمُ فَقَالَ لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا قَالَ مَا قُلْتُهَا وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِى بِهَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا قُلْتُهَا وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلاَّ الْخَيْرَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ فِى صَلاَتِكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلاَتَنَا فَقَالَ « إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَالَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ. يُجِبْكُمُ اللَّهُ فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ » . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَتِلْكَ بِتِلْكَ وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ.
يَسْمَعُ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ.
وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَتِلْكَ بِتِلْكَ. وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِىُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ » .
( 932 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِىُّ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا أَبِى ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ كُلُّ هَؤُلاَءِ عَنْ قَتَادَةَ فِى هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. وَفِى حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ قَتَادَةَ مِنَ الزِّيَادَةِ « وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا » . وَلَيْسَ فِى حَدِيثِ أَحَدٍ مِنْهُمْ « فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ » . إِلاَّ فِى رِوَايَةِ أَبِى كَامِلٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِى عَوَانَةَ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ أُخْتِ أَبِى النَّضْرِ فِى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ مُسْلِمٌ تُرِيدُ أَحْفَظَ مِنْ سُلَيْمَانَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَحَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ فَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ يَعْنِى وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا. فَقَالَ هُوَ عِنْدِى صَحِيحٌ. فَقَالَ لِمَ لَمْ تَضَعْهُ هَا هُنَا قَالَ لَيْسَ كُلُّ شَىْءٍ عِنْدِى صَحِيحٍ وَضَعْتُهُ هَا هُنَا. إِنَّمَا وَضَعْتُ هَا هُنَا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ.
(933 ) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ فِى الْحَدِيثِ « فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ » . [6] .
أوضح مسلم هنا أن سعيد بن أبي عروبة وهشاما الدستوائي وسليمان التيمي شاركوا مع أبي عوانة في نقل الحديث عن قتادة، وزاد سلميان فيه كلمة:''وإذا قرأ فأنصتوا''.وسليمان التيمي ثقة، كما نصَّ على أن أبا كامل زاد في حديثه عن أبي عوانة عن قتادة: ''فإن الله قال على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - سمع الله لمن حمده''، غير أن مسلما أشار إلى أن هذه الزيادة لها أصل في حديث قتادة، حين رواه في آخر الباب عن طريق معمر عن قتادة.
وأما الزيادة الأولى - وهي ''وإذا قرأ فأنصتوا'' - فقد أعلَّها نقادُ الحديث قاطبة، وسبب الإعلال هو ما صرح به الإمام مسلم آنفا من مخالفة سليمان التيمي لجماعة من الثقات. ولذا يحتمل أن يكون مسلم قد ذكر هذه الزيادة هنا في معرض بيان الفرق بين سليمان التيمي وبين الثقات حين جمع بين رواياتهم، كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقي [7] ، ولم يكن غرضه في ذلك هو تصحيح هذه الزيادة والاعتماد عليها.
ويتأيد ذلك بأن الإمام مسلما لم يذكر شيئا يشير إلى ثبوتها في حديث قتادة، بعد أن أشار إلى الاختلاف، كما صنع في الزيادة الثانية، كما أنه لم يورد هذا الحديث في موضوع قراءة المأموم، بل أورده في موضوع التشهد. وهذا التوجيه محلُّ نزاع بين المتأخرين، إذ يرى بعضهم أن الإمام مسلما صحح هذه الزيادة بحجة أنه ذكره في صحيحه. وعلى كل حال فلا مانع هنا أن نجعل هذا الحديث مثالا لنوعين من زيادة الثقة: المردودة والمقبولة حسب رأي النقاد.
مثال شبيه بمسألة زيادة الثقة
أما النوع الذي يعدُّه بعض المعاصرين [8] من قبيل زيادة الثقة دون أن يكون منها حقيقة فمثاله ما روى عَنْ أَبِى قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ أَبَا قَيْسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالصَّحِيحُ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. [9] .
ورواه أيضا عن المغيرة جماعة كثيرة من أهل المدينة والكوفة والبصرة، لكن بلفظ: ''أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين'' [10] .
وقال ابن دقيق العيد: '' وَمَنْ يُصَحِّحُهُ يَعْتَمِدُ بَعْدَ تَعْدِيلِ أَبِي قَيْسٍ عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِرِوَايَةِ الْجُمْهُورِ مُخَالَفَةَ مُعَارِضَةٍ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا رَوَوْهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ، وَلَا سِيَّمَا، وَهُوَ طريق مستقل برواية هذيل، عَنْ الْمُغِيرَةِ لَمْ يُشَارِكْ الْمَشْهُورَاتِ فِي سَنَدِهَا، '' [11] . ولعل ابن دقيق العيد قصد بذلك الإمام الترمذي لأنه هو الذي صحح هذا الحديث حيث قال في سننه: ''حسن صحيح'' [12] .
وقال بعض الأفاضل مؤيدا للإمام الترمذي في تصحيحه لهذا الحديث: ''أعله بعض العلماء بعلة غير قادحة، منهم أبو داود فقد قال عقبه: 'كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين'، وهذا ليس بشيء لأن السند صحيح ورجاله ثقات، وليس فيه مخالفة لحديث المغيرة المعروف في المسح على الخفين فقط، بل فيه زيادة عليه، والزيادة من الثقة مقبولة كما هو المقرر في المصطلح، فالحق أن ما فيه حادثة أخرى غير الحادثة التي فيها المسح على الخفين ، وقد أشار لهذا العلامةُ ابن دقيق العيد، وقد ذكر قوله الزيلعي في نصب الراية [13] .
قلت:يعني بذلك قول ابن دقيق العيد: ''بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه''، ووجه الإشارة: أنه لا يعقل أنه - صلى الله عليه وسلم - مسح الخفين والجوربين جميعا في حادثة واحدة، فدلَّ ذلك على تعددها. ولعل هذا مجرد توجيه منه لتصحيح الترمذي ذلك الحديث.
ونحن ذكرنا هذا المثال في هذه المناسبة لأن حديث هزيل بن شرحبيل جعله البعض من قبيل زيادة الثقة، ثم أتبعه القول: ''والزيادة من الثقة مقبولة كما هو المقرر في المصطلح'' [14] .
أقول: ليس هذا الحديث من نوع زيادة الثقة ،لأن هزيل بن شرحبيل لم يرو عن المغيرة ''مسح الخفين'' أصلا، حتى يقال إنه زاد في لفظ الحديث، وإنما استبدل حديث المغيرة في المسح على الجوربين والنعلين، بما اشتهر عن المغيرة من حديث المسح على الخفين، ويكون بذلك قد خالف الناس في نقل الحديث من أصله عن المغيرة، وهذا هو رأي النقاد.
يقول عَلِىُّ ابْنُ الْمَدِينِىِّ: ''حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِى الْمَسْحِ رَوَاهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ ، وَرَوَاهُ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنِ الْمُغِيرَةِ إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَخَالَفَ النَّاسَ" [15] ."
ويقول ابن معين: '' النَّاسُ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ أَبِى قَيْسٍ. [16] . يعني عن المغيرة. وكذا أعلَّه سفيان وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل ومسلم والبيهقي [17] .
ومن هنا أصبح الفرق واضحا بين المثالين السابقين؛ لأنه إذا كان الحديث الأول مثالا لزيادة الثقة، فإن الحديث الثاني يكون نموذجا لتفرد الراوي الثقة بالحديث من أصله، فقد قال الحافظ ابن حجر: إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر [18] .
وبعد تحديد المقصود من مصطلح ''زيادة الثقة'' وإزالة الغموض عن مدلوله آن الأوان لندخل في دراسة هذا النوع في كتب المصطلح، وعلاقته بالمعلول والشاذ والمنكر. وقد آثرنا في ذلك كتاب ابن الصلاح؛ لأن معظم الكتب في مصطلح الحديث التي جاءت بعده قد انتهجت منهجه في معالجة زيادة الثقة دون استدراك عليه ولا نقد يذكر.
2-العلة وعلاقتها بزيادة الثقة
قال الإمام ابن الصلاح (رحمه الله تعالى) :
فالحديث المعلل هو: ''الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة منها. ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه'' [19] .
وقوله هذا يضم مسألة زيادة الثقة بشكل واضح، وذلك أن المخالفة بين الرواة تكون في صور أشار إليها ابن الصلاح آنفا. وهي وصل المرسَل، ورفع الموقوف، وتداخل الأحاديث، وغير ذلك من الأوهام، ومن أظهر صور هذه المخالفة وأكثرها وقوعا أن يزيد أحدهم في الحديث ما لم يذكره غيره إما في الإسناد، أو في المتن أو في كليهما. فإذا زاد الثقة راويا أو كلمة أسقطها غيره من الرواة، ظهرت المخالفة بينهم، وبذلك أصبحت مسألة زيادة الثقة داخلة في نوع العلة.
وما ذكره ابن الصلاح في هذا النوع من تفاصيل الحكم يتسم بغاية من الدقة؛ إذ جعل حكم الحديث الذي يتفرد به الراوي الثقة أو خالف فيه غيره من الثقات دائرا على القرائن المحيطة بذلك الحديث. وهذا بعينه منهج المحدثين النقاد في معالجة ظاهرة المخالفة والتفرد، التي تشهدها أحاديث الثقات والضعفاء، ليتم لهم تمييز الخطأ عن الصواب. ولذا فإن جميع الأنواع التي تشترك مع نوع ''العلة'' في نقطتي التفرد والمخالفة يجب أن يكون الحكم فيها دائرا على القرائن وحدها، ومن تلك الأنواع مسألة ''زيادة الثقة''، وفي ضوء ذلك يمكن استخلاص حكم زيادة الثقة بما يلي:
أنه إذا دلت القرينة على أن الثقة حين زاد في الحديث كلمة، كان واهما أو ناسيا،فتعد ... الزيادة معلولة،وأما إذا لم تدلَّ القرينة على ذلك فإنها قد تكون صحيحة أو حسنة؛ وذلك تبعا لدلالة القرائن المحيطة بالحديث وقوتها ووضوحها لدى النقاد.
ويتضح ذلك جليا من قول الحافظ ابن حجر وهذا نصه:
''وهذا (يعني قبول زيادة الثقة مطلقا) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول، وجرى على هذا الشيخ محيى الدين النووي في مصنفاته. وفيه نظر كثير؛ لأنه يردُ عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها لحفظهم أو لكثرتهم، ولا سيما إن كان شيخهم ممن يجمع حديثه ويعتنى بمروياته كالزهري وأضرابه بحيث يقال: إنه لو رواها لسمعها منه حفاظ أصحابه ولو سمعوها لرووها ولما تطابقوا على تركها، والذي يغلب على الظن في هذا وأمثاله تغليط راوي الزيادة''.
''وقد نص الشافعي في ''الأم'' على نحو هذا فقال في زيادة مالك ومن تابعه في حديث (فقد عتق منه ما عتق [20] : إنما يغلط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو بأن يأتي بشيء يشركه فيه من لم يحفظه عنه، وهم عدد وهو فرد، فأشار إلى أن الزيادة متى تضمنت مخالفة الأحفظ أو الأكثر عددا أنها تكون مردودة'' [21] .
وبناء على ذلك فما يتعين فهمه من قول ابن الصلاح فيما يتصل بالعلة، أن زيادة الثقة لها صلة وثيقة بموضوع العلة، وأن قبول الزيادة وردها متوقفان على نوعية القرائن التي تحف بها، فإن دلت القرينة على أن الزيادة وهم من الراوي، فيحكم عليها بالرد، وإن دلت على ثبوتها فتعدّ صحيحة.
ومن الجدير بالذكر أن القرينة تختلف من حديث لآخر، وليس لها ضابط تقاس عليه الأحاديث كلها، وليست محصورة على مخالفة الثقة لعدد من الثقات أو لأوثق منه كما سبق. ولا يتأهل لإدراك نوعية القرائن وطبيعة دلالتها وأبعادها العلمية سوى نقاد الحديث كما أشار إليه ابن الصلاح حين قال: ''مع قرائن تنضمُّ إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن''، ويعني بالعارف بهذا الشأن ناقد الحديث دون غيره.
3-'الشاذ' و'المنكر' وصلتهما بزيادة الثقة
قال ابن الصلاح في نوع ''الشاذ'' بعد ذكر الآراء المختلفة حول مدلوله:
''فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة''.
(1) - مقدمة ابن الصلاح - (ج 1 / ص 16) والتقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث - (ج 1 / ص 5) وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث - (ج 1 / ص 198) وألفية السيوطي في علم الحديث - (ج 1 / ص 14) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 183) وتيسير مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 24) والنكت على ابن الصلاح - (ج 1 / ص 111) والشذا الفياح من علوم ابن الصلاح - (ج 1 / ص 192) وألفية العراقي في علوم الحديث - (ج 1 / ص 16) وشرح التبصرة والتذكرة - (ج 1 / ص 82) والغاية في شرح الهداية في علم الرواية - (ج 1 / ص 102) وزيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث - (ج 1 / ص 3)
(2) - ابن رجب الحنبلي، شرح العلل 1/425
(3) - انظر النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/691
(4) - - الحافظ ابن حجر، مقدمة فتح الباري، الفصل الثامن ، القسم الثالث ص: 507
(5) - - يلاحظ أن النقاد لم يخصصوا مصطلح (المنكر) بما رواه الضعيف مخالفا للثقات، بل أطلقوه فيما لم يكن معروفا عندهم من الأحاديث، سواء أكان راويه ثقة أم ضعيفا، وإن كان إطلاقهم بذلك فيما رواه الضعيف أكثر
(6) - بكع: وبخ ، أرم: سكت ولم يجب ، أقرت: استقرت معها وقرنت بها
(7) - - أنظر تفصيله في ''عبقرية الإمام مسلم في ترتيب مسنده الصحيح''ص: 75 - 76
(8) - - انظر إرواء الغليل 1/138 ، وتعليقات الشيخ أحمد شاكر على سنن الترمذي 1/167 - 168
(9) - سنن النسائى (126 ) ومصنف ابن أبي شيبة (ج 1 / ص 188) (1985 ) وانظر الروايات في المسند الجامع - (ج 15 / ص 602) (11740)
(10) - انظر المسند الجامع - (ج 15 / ص 597) (11735) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ والمسند الجامع - (ج 15 / ص 601) (11739) عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛
(11) - - الزيلي ، نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية 1/185
(12) - - سنن الترمذي 1/167 - 168 (تحقيق أحمد شاكر)
(13) - - الشيخ الألباني، محمد ناصر ، إرواء الغليل 1/138، والشيخ أحمد شاكر، تعليقه على سنن الترمذي 1/167 - 168
(14) - - نجد في المعاصرين من بنى على هذه القاعدة مسائل كثيرة يختلف بها مع الآخرين، وفيها ما يخالف جماهير العلماء، مسوغا ذلك بقوله: ''وهذه المسألة مثال من جملة الأمثلة الكثيرة على أهمية هذه الطريقة التي تفردنا بها في هذا العصر -فيما أعلم- من تتبع الزيادات من مختلف روايات الحديث وجمع شملها وضمها إلى أصل الحديث مع تحري الثابت منها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.'' (آداب الزفاف في السنة المطهرة ص: 232)
أقول باحترام وتقدير: لو كان تحري الثابت منها وفق قواعد النقاد، ومنهجهم في نقد المرويات، ويديره على القرائن لكان ذلك منهجا سليما يجب على الجميع قبوله، وأما إذا كان ذلك على أساس قبول زيادة الثقة فالأمر جلل وتكون عواقبه خطيرة، والله تعالى يعصمنا وإياه من ذلك.
(15) - - سنن البيهقي 1/284
(16) - نفسه
(17) - - المصدر السابق، وكتاب ابن القطان الفاسي، 'بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام' 4/448
(18) - النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/691
(19) - علوم الحديث (المشهور بمقدمة ابن الصلاح) ص: 90 ، وكذا في بقية كتب المصطلح وإن كان فيما بينها بعض التفاوت في السياق فإن المعنى واحد، انظر على سبيل المثال كتاب المقنع 1/211 - 212، فتح المغيث للسخاوي 1/210-211، وتوضيح الأفكار للصنعاني 2/22 - 23، وتدريب الراوي للسيوطي 1/135
(20) - رواه البخاري في العتق باب إذا أعتق عبدا بين اثنين.. 2/892 ، ومسلم في أول كتاب العتق 2/1139 عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ - أَوْ شِرْكًا أَوْ قَالَ نَصِيبًا - وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ ، فَهْوَ عَتِيقٌ ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ » . قَالَ لاَ أَدْرِى قَوْلُهُ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ . قَوْلٌ مِنْ نَافِعٍ أَوْ فِى الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -
(21) - النكت 2/688