''وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه: فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر. فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف ، والله أعلم''. [1]
وقال في نوع المنكر: ''والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ، وعند هذا نقول: المنكر ينقسم إلى قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه''.
''مثال الأول (وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات) رواية مالك (1086 ) حَدَّثَنِى يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَلِىِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ » ..
فخالف مالك غيره من الثقات في قوله 'عمر بن عثمان' بضم العين، وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب التمييز: أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: 'عمرو بن عثمان' -يعني بفتح العين- وذكر أن مالكا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه علمأنهم يخالفونه، وعمرو وعمر جميعا ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو - بفتح العين - وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه. والله أعلم '' [2]
''ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليسَ في راويهِ من الثقةِ والإتقانِ ما يحتملُ معهُ تفرُّدُهُ ، وهوَ ما رواهُ النسائيُّ ، وابنُ ماجه منْ روايةِ أبي زُكَيْرٍ يحيى بنِ محمّدِ بنِ قيسٍ عنْ هِشامِ بنِ عُروةَ عنْ أبيهِ عنْ عائشةَ ؛ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ: (( كلوا البَلَحَ بالتَّمْرِ ، فإنَّ ابنَ آدمَ إذا أكلَهُ غَضِبَ الشيطانُ ، ... الحديثَ ) )، قالَ النسائيُّ هذا حديثٌ منكرٌ ، قالَ ابنُ الصلاحِ تفرّدَ بهِ أبو زُكيرٍ ، وهوَ شيخٌ صالحٌ أخرجَ عنه مسلمٌ في كتابِهِ غيرَ أنَّهُ لَمْ يبلغْ مبلغَ مَنْ يحتملُ تفرُّدُهُ '' [3] اهـ
إن الشاذ والمنكر نوعان آخران من أنواع علوم الحديث التي تقوم عليها مسألة زيادة الثقة بشكل أساسي، وذلك إذا كان الشاذ ينقسم عند ابن الصلاح إلى الحديث الفرد المخالف، والحديث الفرد الذي ينفرد به الضعيف دون أن تكون فيه مخالفة لما رواه غيره فإن القسم الأول يكون قد شمل ما رواه الثقة مخالفا لمن هو أولى بحفظ ذلك، وتكون لهذه المخالفة صور شتى، منها الزيادة والنقص في السند أو في المتن أو في كليهما، كما شرحنا في نوع العلة. فإذا زاد الراوي في الحديث ما أسقطه منه من هو أولى بحفظ ذلك الحديث يكون قد دخل في القسم الأول من الشاذ، وأما إذا كان راوي الزيادة أولى بالحفظ ممن لم يذكرها في الحديث فحديثه صحيح، ولا يكون شاذا، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن إطلاق القبول في زيادة الثقة ينبغي أن يكون على مراعاة الأمور والملابسات التي تجعل راويها أولى بحفظها.
وبهذا الذي فصله الإمام ابن الصلاح في نوعي ''الشاذ'' و''المنكر'' مع ذكر الأمثلة يتبين جليا أن زيادات الثقات منها ما يصدق عليه الشاذ والمنكر، وذلك في حالة مخالفة الزيادة لما رواه من هو أولى بالحفظ والضبط. وعليه فإن قوله: ''إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا''، وكذلك قوله في الأخير: ''القسم الأول: الحديث الفرد المخالف'' كلاهما يشمل زيادة الراوي في الحديث بشرط أن يكون هو مخالفا لمن هو أولى منه بحفظها.
والجدير بالذكر أن ابن الصلاح قد حدد مفهوم الشاذ والمنكر بما هو أعم مما استقر عليه كثير من اللاحقين، حيث إن الحديث الفرد المخالف سواء كان راويه ثقة أم ضعيفا، وكذا الحديث الفرد الذي انفرد به الضعيف من أصله دون وجود مخالفة فيه لما رواه الآخرون أصبحا من مدلولات الشاذ والمنكر في رأي الإمام ابن الصلاح، على حين أن كثيرا من اللاحقين وجل المعاصرين يذهبون إلى أن الشاذ خاص بما رواه الثقة أو الصدوق مخالفا للأوثق أو جماعة من الثقات. وأن المنكر مقيد بما رواه الضعيف مخالفا للثقة. ولهذا وقع تعديل طفيف في نص ابن الصلاح حين لخصه اللاحقون في كتبهم، وإليك بعض النصوص على سبيل المثال:
قال السيوطي: ''فالصحيح التفصيل فإن كان الثقة بتفرده مخالفا أحفظ منه وأضبط كان شاذا مردودا، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر: أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد في حد الشاذ بحسب الاصطلاح'' [4] ، وقد أورد لذلك أمثلة من أحاديث الثقات . ثم ذكر في 'المنكر' نقلا عن الحافظ ابن حجر: ''إن الشاذ والمنكر يجتمعان في اشتراط المخالفة ، ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق ، والمنكر راويه ضعيف. وقد غفل من سوى بينهما'' [5] لعله يريد به ابنَ الصلاح.
وقال العراقي في تعريف الشاذ: ''وذو الشذوذ ما يخالف الثقة فيه الملأ'' [6] وبين السخاوي صورة المخالفة بما يلي: ''أي بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن'' [7] .
وهذه النصوص متفقة على أن الشرط في الشاذ هو أن يكون راويه ثقة مع وجود المخالفة بينه وبين من هو أوثق منه وأحفظ، وعليه فلا يعدُّ حديث الضعيف في هذه الحالة شاذا بل يكون منكرا.
والجدير بالذكر أنه لا فائدة تذكر في التفريق بينهما بهذا الشكل، بل إن ذلك مخالف لصنيع النقاد حيث يطلقون ''المنكر'' على الحديث إذا لم يكن معروفا عن الشخص الذي أضيف إليه سواء أ كان ذلك من ثقة أم ضعيف [8] .
وأما الآخرون من المتأخرين مثل ابن الملقن والصنعاني فلم يختلفوا مع ابن الصلاح في مفهوم مصطلحي الشاذ والمنكر. يقول ابن الملقن في الموضوع نفسه مختصرا كلام ابن الصلاح:-''والصواب التفصيل: وهو أن الراوي إذا انفرد بشيء فإن كان مخالفا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط كان تفرده شاذا مردودا'' [9] . وكذا جاء تلخيص ابن الوزير والصنعاني لقول ابن الصلاح دون تغيير معتبر في سياقه [10]
فالذي يهمنا في هذه المناسبة أن زيادات الثقات فيها ما يصدق عليه الشاذ والمنكر، هذا على رأي ابن الصلاح وغيره، أو الشاذ وحده على رأي الآخرين من المتأخرين. ولذلك نرى الحافظ ابن حجر يصرح بوجود علاقة وثيقة بين الشاذ وزيادة الثقة، حيث يقول تعليقا على ابن الصلاح في مبحث تعارض الوصل والإرسال: ''وهنا شيء يتعين التنبيه عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذا، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددا، ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقا فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددا أو أضبط حفظا أو كتابا على من وصل أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمونه شاذا أم لا؟ لا بد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض'' [11] .
ويؤكد الحافظ ابن حجر من خلال هذا النص وجود صلة وثيقة بين مسألة زيادة الثقة ومسألة الشاذ، لا سيما حين ألزمهم (رحمه الله) في آخر كلامه أحد الأمرين: الاعتراف بالتناقض بين قبولهم زيادة الثقة مطلقا وبين شرطهم في الصحيح أن لا يكون شاذا، أو أن يأتوا بالفرق بينهما.
ثم قال الحافظ في مبحث الشاذ: ''وعلى المصنف (يعني ابن الصلاح) إشكال أشد منه وذلك أنه يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذا كما تقدم، ويقول: إنه لو تعارض الوصل والإرسال قدم الوصل مطلقا سواء كان رواة الإرسال أكثر أو أقل حفظا أم لا، ويختار في تفسير الشاذ أنه الذي يخالف راويه من هو أرجح منه. وإذا كان راوي الإرسال أحفظ ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة فقد ثبت كون الوصل شاذا فكيف يحكم له بالصحة مع شرطه في الصحة أن لا يكون شاذا ؟''.
وتابع الحافظ قائلا: ''هذا في غاية الإشكال، ويمكن أن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحة إنما يقوله المحدثون، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك، والمصنف قد صرح باختيار ترجيح الوصل على الإرسال ولعله يرى عدم اشتراط نفي الشذوذ في شرط الصحيح لأنه هناك لم يصرح عن نفسه باختيار شيء، بل اقتصر على نقل ما عند المحدثين'' [12] .
ويتبين مما سبق أن الحديث الذي وقع فيه الاختلاف بين رواته الثقات بسبب زيادة أحدهم في سنده أو في متنه ينطوي عليه مفهوم الشاذ إذا كانت الزيادة خطأ أو وهما. إذن فلا يطلق القبول فيما زاده الثقة، وهنا حاول الحافظ ابن حجر أن يجيب عن ذلك التناقض بأن الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا هم المحدثون، والذين يقبلون الزيادات التي قد تكون شاذة عند المحدثين هم أهل الفقه والأصول.
هذا وإن أجاب الحافظ ابن حجر عن تناقض الموقف في مبحثي الصحيح و الشاذ بما سبق آنفا فإن ما ذكره ابن الصلاح في مبحث ''العلة'' من دوران الحكم في ما تفرد به الثقة أو فيما خالفه غيره على ما يحيط به من القرائن والملابسات يختلف مع طبيعة تفصيله في نوع الشاذ؛ حيث إن الشاذ هو الحديث الذي خالف فيه الثقة لمن هو أحفظ، وجعل فيه الحكم بأنه مردود بمجرد كونه مخالفا لما رواه الأوثق، ويفهم من ذلك أنه إذا كان الذي زاد في سند الحديث أو في متنه أوثق وأحفظ فزيادته مقبولة، وبذلك أصبح الحكم مخالفا لما بينه في العلة، وإذا كان معنى الشاذ هو ما خالف فيه الثقة لمن هو أوثق منه فإنه لا يوجد فرق أصلا بين هذا النوع وبين نوع العلة؛ إذ العلة تشمل حالة المخالفة وحالة التفرد .
ويمكن الإجابة عن تفاوت الحكم بين المبحثين بما قاله الحافظ ابن حجر، وهو أن ابن الصلاح كان ناقلا عن المحدثين في مبحث العلة دون أن يبرز رأيه فيه، وأما في الشاذ فلعله رجح قول الفقهاء وأئمة الأصول، والله أعلم.
فإذا قيل: إن ما قاله ابن الصلاح في نوع الشاذ يتسم بالدقة؛ حيث يكون سياق كلامه منسجما مع تفاصيل مبحث العلة، وهو اعتبار القرائن في رد زيادة الثقة، ولم يجعل أحوال الرواة معولا عليها في الرد والقبول، إذ قال (رحمه الله) : ''فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك'' أي لذلك الحديث، ولم يقل: ''لما رواه أوثق منه '' كما وقع في نصوص اللاحقين، ويوجد بين السياقين فرق واضح؛ فإن كون الراوي أولى من غيره بحفظ ذلك الحديث الذي وقع فيه الخلاف بينهم لا يعرف إلا من خلال تتبع القرائن والملابسات، وهي كثيرة وغير محددة بالنسبة إلى كل حديث، ولذلك فإن التعويل في مثل هذه المسألة على كون الراوي أثبت وأحفظ وأضبط لا يكون مطردا، وقد يكون هذا أصلا معتمدا في قبول ما رواه أو زاده لكن فقط في حالة ما إذا لم تتوفر فيه القرائن الدالة على أن ذلك خطأ ووهم كما سبق ذكره.
وكذلك كلام الحافظ ابن حجر في هذا الموضوع جاء منسجما مع نوع العلة، حيث نقل عنه السخاوي في فتح المغيث [13] أنه قال: ''فإن خولف - أي الراوي - بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله المرجوح ويقال له الشاذ ، والله أعلم''. وقوله: لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات دليل على أن الحافظ لم يكن معتمدا على حال الراوي وحده في قبول الزيادات وردها.
يقال: بأن تلك الجملة وإن كانت واضحة في إفادة ذلك الذي قلناه آنفا، فإن سياق النصوص يفيد أن الحكم منوط بأحوال الرواة، وليس بالقرائن، فقد قال ابن الصلاح (رحمه الله تعالى) :
''فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر ، فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.''
ويفهم من هذا النص أن ميزان القبول والرد هو الحال العام للراوي، حيث جاء قوله على هذا النسق: ''فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذاك، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به''، فدل على أن أحوال الرواة هي التي تعتمد أساسا في قبول التفرد ورده.
وأما إذا كان المقصود من الفقرة الأولى هو كون الراوي مخالفا لمن هو أولى بحفظ ذلك الحديث فإن الأقسام التالية يجب أن يكون تقسيمها مبنيا على مدى ضعف الراوي في حفظ ذلك الحديث وضبطه وإن كان من أوثق الناس، وليس على تفاوته في الضبط والإتقان بشكل عام كما هو الظاهر من ذلك النص. والفرق بين هاتين الصورتين جلي حيث إن معيار القبول والرد في الصورة الأولى هو القرائن والملابسات، وفي الثانية حال الراوي فقط.
ولذلك جاء تلخيص المتأخرين لتلك الجملة مطابقا لسياق الجمل التي تليها. وانظر على سبيل المثال قول ابن الملقن وهو يلخص ذلك النص: ''أن الراوي إذا انفرد بشيء فإن كان مخالفا لما رواه من هو أحفظ منه وأضبط كان تفرده شاذا مردودا'' [14] فجعل سبب الترجيح محصورا على كون الراوي أوثق وأضبط على الوجه العام، إذ لم يقل: ''أولى بحفظ ذلك''.
والذي نخلص إليه من دراسة نوعي الشاذ والمنكر أن زيادة الثقة التي سقط عنها الأوثق تعد مردودة لكونها داخلة في الشاذ أو المنكر، وأما إذا كانت الزيادة من الأوثق فهي مقبولة لخروجها من حدود هذين النوعين. وبالتالي أصبح القبول والرد في زيادة الثقة دائرين على حال الراوي، وهو خلاف ما سبق في نوع المعلول من دوران الحكم على القرائن.
ولكي تكون أحكام هذه الأنواع موحدة ومنسجمة مع منهج المحدثين النقاد في قبول الأحاديث وردِّها يجب أن يؤخذ ذلك الترابط الموضوعي الوثيق بعين الاعتبار حين يطرح كل منها للدراسة والبحث، كما يجب أن يجعل ما سبق في مبحث العلة ميزانا دقيقا لجميع أنواع علوم الحديث التي تشكل معها وحدة موضوعية. وإن كان هذا الأسلوب هو المتعين في معالجة موضوع زيادة الثقة بشكل خاص فيا ترى كيف عالج ابن الصلاح وغيره هذه المسألة حين أفردوها بالذكر كنوع مستقل؟ وكيف كان تأصيلهم لها؟ هذا ما سندرسه فيما يلي.
4-مسألة زيادة الثقة وتأصيلها عند ابن الصلاح
وقال ابن الصلاح في مبحث زيادة الثقة:
''ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه ناقصا مرة ورواه مرة أخرى وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا. خلافا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقا، وخلافا لمن ردَّ الزيادة منه وقبلها من غيره. وقد قدمنا عنه حكايته عن أكثر أهل الحديث فيما إذا وصل الحديث قوم وأرسله قوم: أن الحكم لمن أرسله، مع أن وصله زيادة من الثقة''.
''وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:
أحدها أن يقع مخالفا منافيا لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ ''.
''الثاني: أن لا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلا لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا ، فهذا مقبول، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه وسبق مثاله في نوع الشاذ''.
''الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين ، مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث. مثاله: ما رواه الترمذى (678 ) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ حَدَّثَنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ وَزَادَ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ نَافِعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِى هَذَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَبِيدٌ غَيْرُ مُسْلِمِينَ لَمْ يُؤَدِّ عَنْهُمْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِىِّ وَأَحْمَدَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُؤَدِّى عَنْهُمْ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِىِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ.
ومن أمثلة ذلك حديث في صحيح مسلم (1193 ) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِى مَالِكٍ الأَشْجَعِىِّ عَنْ رِبْعِىٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: « فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلاَئِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ » . [15]
فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي، وسائر الروايات لفظها:"جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ''."
''فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بها الحكم. ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما ''
''وأما زيادة الوصل مع الإرسال فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدح في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. ويجاب عنه بأن الجرح قدم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع من وصل. والله أعلم'' [16] اهـ.
لعل من الأفضل أن نقوم بتحليل هذه النصوص لننظر: كيف كان الحكم في زيادة الثقة التي أفرد ابن الصلاح موضوعها كنوع مستقل من أنواع علوم الحديث. وهل روعيت في هذا الحكم صلتها الوثيقة بالأنواع المذكورة. أم أن الحكم مبني على أن زيادة الثقة نوع مستقل له أبعاده وخصائصه.
لقد سرد الإمام ابن الصلاح في مستهل حديثه عن هذا النوع طائفة من الآراء المتباينة حول زيادة الثقة، فحكى فيه آراء الفقهاء والمحدثين بشكل لا يصفو للقارئ من كدر الإشكال والغموض. ولعل ابن الصلاح أحس بذلك في نفسه، ولهذا تحوَّل إلى تقسيم الخبر الذي ينفرد به الثقة عموما إلى ثلاثة أقسام بعد أن ذكر في نوعي الشاذ والمنكر أقسام ما ينفرد به الراوي دون تقييده بالثقة، وذلك لترتسم في ذهن القارئ الصورة الحقيقية لهذه المسألة تمهيدا لفصل الحكم فيها، لكنه في آخر الأمر توقف عن إعطاء حكم مناسب لمسألة زيادة الثقة، حين قال:
''الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث،'' ثم ختمه بقوله بعد سرد الأمثلة: ''فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بها الحكم، ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث إنه لا منافاة بينهما''.
إذن فلم يبتَّ ابن الصلاح الحكم هنا في زيادة الثقة، وهذا ما قاله الحافظ ابن حجر: ''لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من قبول ورد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال'' [17] .
وهنا نقطتان مهمتان:
الأولى: هل يكون هذا التقسيم خاصا بزيادة الثقة أم شاملا لجميع ما ينفرد به الثقة من المرويات بما فيه زياداته؟
الذي يبدو من تحليل تلك النصوص أن الذي قسمه ابن الصلاح هو ما ينفرد به الثقة عموما بحيث تدخل فيه الزيادة، وليس التقسيم مقيدا بزيادة الثقة، إذ قال: ''وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام'' ولم يقل: ''تقسيم ما يزيده الثقة''، والفرق بينهما جلي إذ الأول أعم من الثاني.
ويتأيد ذلك بما ورد في القسم الثاني من قوله: ''أن لا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلا لما رواه غيره، كالحديث الذي تفرد برواية ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا، فهذا مقبول، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه وسبق مثاله في نوع الشاذ''.
وسياق هذا النص الذي جعل الحديث الفرد أنموذجا للقسم الثاني دليل على أن التقسيم كان شاملا لجميع ما ينفرد به الثقة بحيث يدخل فيه الحديث الفرد، ولذا ختم القسم الثاني بقوله: ''فهذا مقبول؛ وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء عليه، وسبق مثاله في نوع الشاذ''، إذ من المعلوم أن الخطيب إنما يدعي الاتفاق في قبول الحديث الفرد الذي ينفرد به الثقة من أصله ولم يشاركه أحد في روايته، وهذا نصه:
(1) - - مقدمة ابن الصلاح ص: 78 - 79 ، والسيوطي ، تدريب الراوي 1/124، والصنعاني، توضيح الأفكار 1/344
(2) - انظر المسند الجامع - (ج 1 / ص 230) (139)
(3) - - مقدمة ابن الصلاح ص: 80 - 82، وتدريب الراوي 1/127، وتوضيح الأفكار 2/5 ، وروى الحديث ابن ماجة في الأطعمة ، باب أكل البلح بالتمر 2/1105
(4) - تدريب الراوي 1/124 - 125
(5) - المصدر السابق 1/128
(6) - - انظر فتح المغيث للسخاوي 1/185
(7) - - فتح المغيث 1/185
(8) - - انظر منهج النقد ص: 430 للأستاذ نور الدين عتر ، والحديث المعلول ص: 66 - 76 ، ونظرات جديدة في علوم الحديث ص: 31 كلاهما لحمزة المليباري
(9) - - المقنع 1/169
(10) - - توضيح الأفكار 1/345
(11) - - النكت 2/612
(12) - - النكت 2/653
(13) - - فتح المغيث - في مبحث الشاذ - 1/185
(14) - - المقنع 1/169
(15) - المسند الجامع - (ج 5 / ص 119) (3277)
(16) - - مقدمة ابن الصلاح ص: 50 - 51
(17) - - النكت 2/687