فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 522

'' بَابُ الْقَوْلِ فِي حُكْمِ خَبَرِ الْعَدْلِ إِذَا انْفَرَدَ بِرِوَايَةِ زِيَادَةٍ فِيهِ لَمْ يَرْوِهَا غَيْرُهُ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ , إِذَا انْفَرَدَ بِهَا وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ زِيَادَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيُّ أَوْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ , وَبَيْنَ زِيَادَةٍ تُوجِبُ نُقْصَانًا مِنْ أَحْكَامٍ تَثْبُتُ بِخَبَرٍ لَيْسَتْ فِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ , وَبَيْنَ زِيَادَةٍ تُوجِبُ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ , أَوْ زِيَادَةٍ لَا تُوجِبُ ذَلِكَ , وَسَوَاءٌ كَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي خَبَرٍ رَوَاهُ رَاوِيهِ مَرَّةً نَاقِصًا , ثُمَّ رَوَاهُ بَعْدُ وَفِيهِ تِلْكَ الزِّيَادَةُ , أَوْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ قَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ وَلَمْ يَرْوِهَا هُوَ , وَقَالَ فَرِيقٌ مِمَّنْ قَبِلَ زِيَادَةَ الْعَدْلِ الَّذِي يَنْفَرِدُ بِهَا: إِنَّمَا يَجِبُ قَبُولُهَا إِذَا أَفَادَتْ حُكْمًا يَتَعَلَّقُ بِهَا , فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ فَلَا , وَقَالَ آخَرُونَ: يَجِبُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى , وَحُكِيَ عَنْ فِرْقَةٍ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا قَالَتْ: تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ إِذَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِ الرَّاوِي , فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي رَوَى النَّاقِصَ , ثُمَّ رَوَى الزِّيَادَةَ بَعْدُ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ , وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: زِيَادَةُ الثِّقَةِ إِذَا انْفَرَدَ بِهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ , مَا لَمْ يَرْوِهَا مَعَهُ الْحُفَّاظُ , وَتَرْكُ الْحُفَّاظِ لِنَقْلِهَا وَذَهَابُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهَا يُوهِنُهَا وَيُضْعِفُ أَمْرَهَا وَيَكُونُ مُعَارِضًا لَهَا , وَالَّذِي نَخْتَارُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْوَارِدَةَ مَقْبُولَةٌ عَلَى كُلِّ الْوُجُوهِ , وَمَعْمُولٌ بِهَا إِذَا كَانَ رَاوِيهَا عَدْلًا حَافِظًا وَمُتْقِنًا ضَابِطًا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أُمُورٌ ، أَحَدُهَا: اتِّفَاقُ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَوِ انْفَرَدَ الثِّقَةُ بِنَقْلِ حَدِيثٍ لَمْ يَنْقُلْهُ غَيْرُهُ , لَوَجَبَ قَبُولُهُ , وَلَمْ يَكُنْ تَرْكُ الرُّوَاةِ لِنَقْلِهِ إِنْ كَانُوا عَرَفُوهُ وَذَهَابُهُمْ عَنِ الْعِلْمِ بِهِ مُعَارِضًا لَهُ , وَلَا قَادِحًا فِي عَدَالَةِ رَاوِيهِ , وَلَا مُبْطِلًا لَهُ , فَكَذَلِكَ سَبِيلُ الِانْفِرَادِ بِالزِّيَادَةِ , فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ سَمَاعُ الْوَاحِدِ لِلْحَدِيثِ مِنَ الرَّاوِي وَحْدَهُ , وَانْفِرَادُهُ بِهِ , وَيَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ سَمَاعُ الْجَمَاعَةِ لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ وَذَهَابُ زِيَادَةٍ فِيهِ عَلَيْهِمْ وَنِسْيَانِهَا إِلَّا الْوَاحِدَ , بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ مِنْهُمْ , فَافْتَرَقَ الْأَمْرَانِ ؟ قُلْتُ: هَذَا بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ , أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي حَدَّثَ بِالْحَدِيثِ فِي وَقْتَيْنِ , وَكَانَتِ الزِّيَادَةُ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْوَقْتِ الْآخَرِ , وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ كَرَّرَ الرَّاوِي الْحَدِيثَ فَرَوَاهُ أَوَّلًا بِالزِّيَادَةِ , وَسَمِعَهُ الْوَاحِدُ , ثُمَّ أَعَادَهُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ اقْتِصَارًا عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَتَمَّهُ مِنْ قَبْلُ , وَضَبَطَهُ عَنْهُ مَنْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِخَبَرِهِ , إِذَا رَوَاهُ عَنْهُ , وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ , وَرُبَّمَا كَانَ الرَّاوِي قَدْ سَهَا عَنْ ذِكْرِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ , لَمَّا كَرَّرَ الْحَدِيثَ وَتَرَكَهَا غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِحَذْفِهَا , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ , وَفِي أَوَّلِهِ الزِّيَادَةُ , ثُمَّ دَخَلَ دَاخِلٌ فَأَدْرَكَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَسْمَعِ الزِّيَادَةَ , فَنَقَلَ مَا سَمِعَهُ , وَيَكُونُ السَّامِعُ الْأَوَّلُ قَدْ وَعَاهُ بِتَمَامِهِ , وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا فِي خَبَرٍ جَرَى الْكَلَامُ فِيهِ بَيْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَبَيْنَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ''

(1295 ) أَخْبَرَناهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّاهِدُ بِالْبَصْرَةِ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَادِرَائِيُّ ، ثنا جُنَيْدُ بْنُ حَكِيمٍ ، حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ ، ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ:"سَمِعَ الزُّبَيْرُ , رَجُلًا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَلَمَّا فَرَغَ الرَّجُلُ مِنْ حَدِيثِهِ , قَالَ لَهُ الزُّبَيْرُ: هَلْ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: صَدَقْتَ , وَلَكِنَّكَ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ غَائِبًا وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ , فَجِئْتَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ , وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ , فَحَسِبْتَ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ نَفْسِهِ ، هَذَا وَشَبَهُهُ يَمْنَعُنَا مِنَ الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -"وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ""

( 1296) أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُعَدِّلُ , وَأَبُو الْفَتْحِ هِلَالُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحَفَّارُ ـ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا , وَقَالَ هِلَالٌ: ـ أنا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَيَّاشٍ الْقَطَّانُ ، ثَنَا أَبُو الْأَشْعَثِ أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ ، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ , ح وَأَخْبَرَنا الْقَاضِي أَبُو عُمَرَ الْقَاسِمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْهَاشِمِيُّ ، ثنا أَبُو عَلِيِّ ابْنُ عَمْرٍو اللُّؤْلُؤِيُّ ، ثنا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ ـ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وثنا مُسَدَّدٌ ، ثنا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ الْمُفَضَّلِ الْمَعْنِيَّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ , عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي الْوَلِيدِ , عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَا وَاللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ , إِنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ ـ قَالَ مُسَدَّدٌ ـ مِنَ الْأَنْصَارِ , ثُمَّ اتَّفَقَا: قَدِ اقْتَتَلَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ"زَادَ مُسَدَّدٌ فَسَمِعَ قَوْلَهُ لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ - وَاللَّفْظُ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ"وَيَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الرَّاوِي الِاثْنَانِ وَالثَّلَاثَةُ فَيَنْسَى اثْنَانِ مِنْهُمَا الزِّيَادَةَ وَيَحْفَظُهَا الْوَاحِدُ وَيَرْوِيهَا , وَيَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ الْجَمَاعَةُ سَمَاعَ الْحَدِيثِ فَيَتَطَاوَلُ حَتَّى يَغْشَى النَّوْمُ بَعْضَهُمْ أَوْ يَشْغَلَهُ خَاطِرُ نَفْسٍ وَفِكْرُ قَلْبٍ فِي أَمْرٍ آخَرَ فَيَقْتَطِعُهُ عَمَّا سَمِعَهُ غَيْرُهُ وَرُبَّمَا عَرَضَ لِبَعْضِ سَامِعِي الْحَدِيثِ أَمْرٌ يُوجِبُ الْقِيَامَ وَيَضْطَرُّهُ إِلَى تَرْكِ اسْتِتْمَامِ الْحَدِيثِ , وَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ جَائِزًا فَسَدَ مَا قَالَهُ الْمُخَالِفُ"

( 1297 ) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ الْإِمَامُ بِأَصْبَهَانَ ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ ثنا سُلَيْمَانُ: وَثَنا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، قَالَا: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةَ الْمُحَارِبِيِّ , عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ , قَالَ: أَتَى نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - , فَقَالَ:"اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ", فَقَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا , فَرُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - , فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ:"اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ", قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَدِّثُ بِبَدْءِ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ , فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ رَاحِلَتَكَ فَقُمْتُ , فَلَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ""

وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ , أَنَّ الثِّقَةَ الْعَدْلَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَحَفِظْتُ مَا لَمْ يَسْمَعِ الْبَاقُونَ , وَهُمْ يَقُولُونَ: مَا سَمِعْنَا وَلَا حَفِظْنَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ , وَإِنَّمَا إِخْبَارٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمَا عَلِمَهُ , وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ عِلْمَهُ بِهِ , وَلِهَذَا الْمَعْنَى وَجَبَ قَبُولُ الْخَبَرِ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ دُونَهُمْ وَلِأَجْلِهِ أَيْضًا قُبِلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الشَّهَادَةِ إِذَا شَهِدُوا جَمِيعًا بِثُبُوتِ الْحَقِّ وَشَهِدَ بَعْضُهُمْ بِزِيَادَةِ حَقٍّ آخَرَ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَلَمْ يَشْهَدِ الْآخَرُونَ"."

فَأَمَّا عِلَّةُ مَنِ اعْتَلَّ فِي تَرْكِ قَبُولِهَا بِبُعْدِ ذَهَابِهَا عَنِ الْجَمَاعَةِ وَحِفْظِ الْوَاحِدِ لَهَا فَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ وَجَوَازَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ , وَأَمَّا مَنْ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مُوجِبَةً لِحُكْمٍ أَوْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لَهُ فَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ قَبُولُهَا مَعَ إِيجَابِهَا حُكْمًا زَائِدًا فَبِأَنْ تُقْبَلَ إِذَا لَمْ تُوجِبْ زِيَادَةَ حُكْمٍ أَوْلَى لِأَنَّ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ أَشَدُّ فِي هَذَا الْبَابِ""

( 1298) مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْحَافِظُ بِنَيْسَابُورَ ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَمْدَانَ ، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شِيرَوَيْهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ , عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ , عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ , وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا , وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ", وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى قَوْلُهُ: وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا , زِيَادَةٌ لَمْ يَرْوِهَا فِيمَا أَعْلَمُ , غَيْرُ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ , فَكُلُّ الْأَحَادِيثِ لَفْظُهَا: وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا""

(1299) أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، أنا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ ، ثنا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمِ بْنِ حَسَّانَ ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، ثنا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ , عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ , عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ:"الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا", قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ:"الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ:"بُرُّ الْوَالِدَيْنِ"قَوْلُهُ: فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا , زِيَادَةٌ لَا نَعْلَمُ رَوَاهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَّا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ , وَكُلُّ الرُّوَاةِ قَالُوا عَنْ مَالِكٍ الصَّلَاةُ , لِوَقْتِهَا ,.

وَأَمَّا فَصْلُ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ فِي الْخَبَرِ مِنْ رِوَايَةِ رَاوِيهِ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ , وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ , لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُ الْحَدِيثَ مُتَكَرِّرًا تَارَةً بِزِيَادَةٍ , وَتَارَةً بِغَيْرِ زِيَادَةٍ كَمَا يَسْمَعُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مِنْ رِوَايَتَيْنِ ، وَقَدْ يَنْسَى الزِّيَادَةَ تَارَةً فَيَرْوِيهِ بِحَذْفِهَا مَعَ النِّسْيَانِ لَهَا وَالشَّكِّ فِيهَا , وَيَذْكُرُهَا فَيَرْوِيهَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْيَقِينِ , وَكَمَا أَنَّهُ لَوْ رَوَى الْحَدِيثَ وَنَسِيَهُ , وَقَالَ: لَا أَذْكُرُ أَنِّي رَوَيْتُهُ , وَقَدْ حَفِظَ عَنْهُ ثِقَةٌ , وَجَبَ قَبُولُهُ بِرِوَايَةِ الثِّقَةِ عَنْهُ , فَكَذَلِكَ هَذَا , وَكَمَا لَوْ رَوَى حَدِيثًا مُثْبِتًا لِحُكْمٍ , وَحَدِيثًا نَاسِخًا لَهُ , وَجَبَ قَبُولُهُمَا , فَكَذَلِكَ حُكْمُ خَبَرِهِ إِذَا رَوَاهُ تَارَةً زَائِدًا وَتَارَةً نَاقِصًا , وَهَذِهِ جُمْلَةٌ كَافِيَةٌ" [1] ."

ومن هنا يتعين أن يكون القسم الثاني منحصرا في الحديث الفرد، وأما إذا قلنا غير ذلك وجعلنا قوله: ''كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا'' مجرد تمثيل للقسم الثاني بما هو أقرب إلى فهم القارئ دون أن يدرجه في هذا القسم، وحملنا الإشارة في قوله ''فهذا مقبول'' على المثال وحده فإن السياق يصبح غير مستقيم لكون المثال محل تركيز في بيان الحكم دون القسم الثاني، والخروج من الموضوع بهذا الشكل يعد خللا في المنهج. ولو جاء النص هكذا: ''فهذا مقبول كالحديث الذي تفرد برواية ثقة'' لأصبح ذلك مقبولا جدا، يعني أن هذا القسم مقبول كقبول الحديث الفرد.

هذا إذا جعلنا الإشارة في قوله ''فهذا مقبول'' للمثال، وأما إذا كان المشار إليه هو القسم الثاني، الذي هو الزيادة غير المنافية، فيكون فيه الإشكال من وجهين:

الأول: وقوع الخطأ فيما نقله عن الخطيب؛ إذ الخطيب لم يدع الاتفاق على قبول زيادة الثقة كما أوضحنا آنفا.

الثاني: وقوع التداخل بين القسم الثاني والثالث ويكون مغزاهما واحدا، وهذا غير سليم حيث فرق بينهما وجعل الثالث مترددا بين الثاني والأول.

وكذلك أيضا ما ورد في القسم الثالث يفيد بأن تقسيم ابن الصلاح إنما كان عاما شاملا لجميع ما ينفرد به الثقة دون أن يخصص بالزيادات، حيث قال في تحديد هذا القسم:''ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث.'' يفهم من هذا السياق أن ما سبق ذكره من الأقسام لم يكن بخصوص زيادة لفظة، إذ جعل الفاصل بين هذا القسم وبين سابقيه هو زيادة لفظة لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث، ولم يقل: زيادة لفظة تشبه الأول من جهة وتشبه الثاني من جهة أخرى.

ويتأيد ذلك بما قاله الحافظ ابن حجر تعقيبا على ابن الصلاح: ''لم يحكم ابن الصلاح على هذا الثالث بشيء، والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من قبول ورد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال''. ومن المعلوم أن هذا الذي ذكره الحافظ إنما هو فيما يخص مسألة زيادة الثقة بقضها وقضيضها بغض النظر عن وجود المنافاة فيها.

والذي شرحناه آنفا يكون مستندا قويا لحمل التقسيم على شموليته لجميع ما ينفرد به الثقة. وإلا فلا يخلو تخصيص التقسيم بالزيادة من تكلف ظاهر. وربما يثير هذا الفهم شيئا من الغرابة لدى القارئ لكون ذلك مخالفا لما في كتب المصطلح، حيث تتفق كلها على أن التقسيم كان في زيادات الثقات وليس بتقسيم شامل لجميع ما ينفرد به الراوي.

مثلا: قال الإمام النووي: ''وقسمه الشيخ أقساما:

أحدها: زيادة تخالف الثقات فترد كما سبق .

الثاني: ما لا مخالفة فيه كتفرد ثقة بجملة حديث ، قال الخطيب: يقبل باتفاق العلماء.

الثالث: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته [2] .

وقال الحافظ العلائي:''وأما الشيخ تقي الدين بن الصلاح فإنه توسط بين أهل الحديث وأئمة الأصول ، وقسم الزيادة إلى ثلاثة أقسام'' [3]

وقال الإمام ابن الملقن: ''أحدها زيادة تخالف الثقات فترد -كما سبق في نوع الشاذ-. ثانيها: ما لا مخالفة فيه كتفرد ثقة بجملة حديث فتقبل، وقد ادعى الخطيب فيه اتفاق العلماء وقد سبق مثاله في نوع الشاذ. ثالثها: زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر رواته'' [4] .

وقال الحافظ ابن حجر: ''قوله -يعني ابن الصلاح- وقد رأيت تقسيم الزيادات إلى ثلاثة أقسام'' [5] .

وقال الحافظ السخاوي: ''وقد قسمه أي ما ينفرد به الثقة من الزيادة'' [6] .

ومع ذلك فإننا نلحظ في سياق كلام الإمام النووي وابن الملقن ما يكون نصا صريحا على أن الحديث الفرد هو نموذج القسم الثاني، وإذا تقرر أن هذا التقسيم شامل لجميع ما ينفرد به الثقة دون حده بالزيادة، فالذي يفصله عما ذكره في الشاذ والمنكر هو أن التقسيم هنا مقيد بما ينفرد به الثقة، وأما هناك فيشمل الثقة والضعيف غير المتروك. وبالتالي فكل ما جاء هنا ينطبق على نوعي الشاذ والمنكر مما يتصل برواية الثقات. ولهذا قال ابن الصلاح: ''فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ''.

والنقطة الثانية: ماذا يعني ابن الصلاح بالمنافاة ؟ وهل هي قيد زائد على المخالفة التي أطلقها في نوعي الشاذ والمنكر؟ أو هي المنافاة نفسها التي ذكرها هنا؟ وما مصدر ابن الصلاح في إضافة هذا القيد إذا كان بينهما فرق؟

ففي ضوء ما بينه ابن الصلاح في مبحث زيادة الثقة فالحديث المخالف لا يردُّ إلا إذا كان منافيا لما رواه سائر الناس. وبهذا أصبحت المنافاة مقياسا هنا لرد الحديث المخالف لما رواه الناس، وهذا كما ترى فيه تضييق لما سبق في الشاذ الذي أطلق فيه المخالفة بقوله: ''إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا'' دون أن يضيف فيه المنافاة. وبالتالي يكون رد الحديث المخالف متوقفا على مخالفته لمن هو أضبط وأحفظ وإن لم يكن منافيا لما رواه هذا الأضبط، وبين هذين المقياسين لرد الحديث المخالف فرق واضح، إلا إذا قلنا إن المخالفة المذكورة في نوعي الشاذ والمنكر ليست هي على إطلاقها، وإنما بمعنى المنافاة؛ بدليل قوله في نوع زيادة الثقة: ''فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ.'' حيث سوى ابن الصلاح بين هذا القسم الأول وبين ما وقع في الشاذ والمنكر في سبب رد الحديث.

(1) - - الخطيب البغدادي، الكفاية ص 425

(2) - - تدريب الراوي 1/131

(3) - - نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد ص: 215

(4) - - المقنع في علوم الحديث 1/192

(5) - - النكت 2/687

(6) - - فتح المغيث 1/202

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت