فهرس الكتاب

الصفحة 612 من 778

عليه، فلا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أكون له سمعا وبصرا» «1» وهذا القول من الرسول صلى اللّه عليه وسلم من لطيف التمثيل عند ذوي التحصيل، البعيد من التشبيه، المكين من التوحيد، وهو أن يستولي الحق على المتقرب إليه بالنوافل حتى لا يسمع شيئا إلا به، ولا ينطق إلا عنه، نشرا لآلائه، وذكرا لنعمائه، وإخبارا عن منته المستغرقة للخلق، فهذا معنى قوله يسمع به وينطق ولا يقع نظره على منظور إليه إلا رآه بقلبه موحدا، وبلطائف آثار حكمته ومواقع قدرته من ذلك المرئي المشاهد، يشهده بعين التدبير وتحقيق التقدير، وتصديق التصوير.

وفي كل شيء له شاهد ... يدل على أنه واحد

فتقرب العبد بالإحسان، وتقرب الحق بالامتنان، يريد أنه الذي أدناه وتقرب العبد إليه بالتوبة والإنابة، وتقرب الباري إليه بالرحمة والمغفرة، وتقرب العبد إليه بالسؤال، وتقربه إليه بالنوال، وتقرب العبد إليه بالسر وتقربه إليه بالبشر، لا من حيث توهمته الفرقة المضلة الأعمال والمتغابية بالأعثار.

وقد قيل في معناه إذا تقرب العبد إلي بما به تعبدته، تقربت إليه بما له عليه وحدته، وقيل في معناه: إنما هو كلام خرج على طريق القرب من القلوب دون الحواس، مع السلامة من العيوب، على حسب ما يعرفه المشاهدون، ويجده العابدون، من أخبار دنو من يدنو منه، وقرب من يتقرب إليه، فقال على هذه السبيل، وعلى مذهب التمثيل ولسان التعليم بما يقرب من التفهيم، إن قرب الباري من خلقه يقربهم إليه بالخروج فيما أوجبه عليهم، هكذا القول في الهرولة، إنما يخبر عن سرعة القبول، وحقيقة الإقبال ودرجة الوصول، والوصف الذي يرجع إلى المخلوق مصروف على ما هو به لائق، وبكونه متحقق، والوصف الذي يرجع إلى اللّه سبحانه وتعالى يصرفه لسان التوحيد، وبيان التجريد، إلى نعوته المتعالية، وأسمائه الحسنى، ولو لا

(1) الحديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب الرقاق 28 باب التواضع 6502 بسنده عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكره. وأخرجه الإمام أحمد في كتاب المسند 6:

256 (حلبي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت