المتكلمين فقالوا له: صف ربك الذي تعبده. قال: تدخل البيت لا يخرج كذا وكذا، قال ثم خرج عليهم بعد أيام ذكرها فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو من شيء، كذب عدو اللّه، إن اللّه تعالى في السماء كما وصف نفسه.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنا أبو محمد بن حيان أنا أحمد بن جعفر بن نصر حدثنا يحيى بن يعلى قال سمعت نعيم بن حماد يقول سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهما فدخلت الكوفة فأظنني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إن هاهنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة «1» ، فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك؟ أين إلهك الذي تعبده؟
فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها، ثم خرج إليها وقد وضع كتابان: اللّه تبارك في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أ رأيت قول اللّه عز وجل وهُوَ مَعَكُمْ «2» قال هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه. قلت: لقد أصاب أبو حنيفة رضي اللّه عنه فيما نفى عن اللّه عز وجل من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله إن اللّه عز وجل في السماء، ومراده من ذلك واللّه أعلم إن صحت الحكاية عنه ما ذكرنا في معنى قوله أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ «3» وقد روي عنه أبو عصمة أنه ذكر مذهب أهل السنة، وذكر في جملة ذلك وإنا لا نتكلم في اللّه بشيء، وهو نظير ما روينا عن سفيان بن عيينة «4» فيما أخبرنا أبو
(1) هو النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي أبو حنيفة إمام الحنفية الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، قيل أصله من أبناء فارس، ولد ونشأ بالكوفة، وكان يبيع الخز، ويطلب العلم في صباه، ثم انقطع للتدريس والافتاء وأراده عمر بن هبيرة على القضاء فامتنع ورعا وأراده المنصور العباسي بعد ذلك على القضاء ببغداد فأبي فحلف عليه ليفعلن، فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل، فحبسه إلى أن مات عام 150 ه.
راجع تاريخ بغداد 13: 323 - 423 وابن خلكان 2: 163 والنجوم الزاهرة 2: 12.
(2) سورة الحديد آية 4.
(3) سورة الملك آية 16.
(4) هو سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي الكوفي، أبو محمد، محدث الحرم المكي من الموالي، ولد بالكوفة عام 107 ه وسكن مكة وتوفي بها عام 198 ه كان حافظا ثقة، واسع العلم كبير القدر. قال الشافعي رضي اللّه عنه لو لا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، وكان أعور وحج-