ثالثًا: إن الطباعة والنشر في هذا العصر في الغالب تقوم على الكتب الإنشائية الفارغة، والتي ضررها أكثر من نفعها؛ لأنها أصحابها يريدون الشهرة والمكانة، وكذلك تقوم على طباعة الكتب التي تغذي توجهات معينة وأفكار معينة لجماعات وفئات تسعى إلى إيجاد مكانة لها في الواقع، وإيهام الناس بأحقية ما هم عليه بسيطرته على دور النشر، وكثرة طباعتهم للكتب.
أما كتب علمائنا النافعة الممثلة لمنهج أهل السنة فإنها أقل ما تطبع وتنشر، بل إن دور النشر والقائمين عليها لا يرغبون بطباعتها في الغالب؛ لأن أهداف كثير منهم مادية فحسب، بل إن الأدهى والأمر من ذلك أن أهل زماننا صاروا يتسابقون في احتكار العلم، فالكتب العملية النافعة نادرًا ما يطبع شيئ منها، ودور المخطوطات المختلفة في البلاد العربية والإسلامية والأجنبية تحتكر هذه الكتب، وتمنع اقتناءها للمختصيين وطلبة العلم إلا بأسعار باهضة لا يحتلمها أحد، بدل أن يقوموا بتيسير تصويرها وهي مخطوطات لتنتشر بين أهل العلم حتى ييسر الله طبعها.
بخلاف ما كان عليه في السابق من توفير هذه الكتب في أوقاف خاصة أشبه بالمكتبات العامة الآن، يكون للطالب الحق في الاستفادة منها كيفما شاء،وقد مرّ ذكر شيئًا من هذا القبيل فيما سبق, وأذكر بعض الأمثلة على ذلك هنا:
في ترجمة يحيى بن عبد الوهاب الدمنهوري الشافعي: (( إنه وقف كتبه بالجامع الظافري... ) ) (1) .
في ترجمة أحمد بن سعد الأندرشي (ت750هـ) : (( إنه وقف كتبه على أهل العلم ) ) (2) .
في ترجمة ببيرس البرجي العثماني: (( إنه الذي جدد الجامع الحكمي بعد الزلزلة ووقف له وقفًا مختصًا وعمر له خزانة كتب فيها أشياء نفيسة من جملتها المصحف الذي كتبه ابن الوحيد بماء الذهبي بخطه المنسوب في سبعة أجزاء ) ) (3) .
(1) ينظر: أعيان العصر 6205، وغيرها.
(2) ينظر: الدرر الكامنة 244، وغيرها.
(3) ينظر: الدرر الكامنة 974، وغيرها.