ومما يحكى: أن بعض الناس تتبع رخص المذاهب من أقوال العلماء . وجمعها في كتاب, وذهب به إلى بعض الخلفاء, فعرضه على بعض العلماء الأعيان, فلما رآها قال: يا أمير المؤمنين, هذه زندقة في الدين, ولا يقول بمجموع ذلك أحد من المسلمين )) .
وقال العلامة شهاب الدين الرملي (1) : (( وحمل على ذلك قول ابن الصلاح: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة: أي في إفتاء أو قضاء ومحل ذلك وغيره ما لم يتتبع الرخص في سائر صور التقليد بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه وإلا أثم به, بل ذهب بعضهم إلى أنه فسق, والأوجه خلافه.
وقيل: محلّ الخلاف في حالة تتبعها من المذاهب المدونة وإلا فسق قطعًا , ولا ينافي ذلك قول ابن الحاجب كالآمدي مَن عمل بمسألة بقول إمام لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقًا؛ لتعيّن حمله على ما إذا بقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركّب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين, كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس, ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة )) .
وتتبع أقوال العلماء في النهي عن تتبع رخص المذاهب يحتاج إلى عشرات الصفحات، وليس هذا مقصودنا، وإنما التنبيه على ذلك، وفيما ذكرناه كفاية.
الأصل الثاني عشر
إن في حمل الناس على تقليد مذهب معيَّن تكليف بما لا يطاق لا سيما في زماننا الذي تغيرت فيه أحوال الناس وتبدلت بسبب المدنية المعاصرة، فلا بد من التيسير عليهم بالانتقاء من المذاهب ما يناسبهم، واستخراج أحكام المسائل الجديدة من المذاهب جملة بالمقارنة بينها لمعرفة الحكم الشرعي.
وبيان فساد هذه الأصل من وجوه:
(1) في نهاية المحتاج 1: 46.