فحاصل ما سبق إن الإتيان بهيئة مركبة في حكم شرعي لم يقل بها أحد ممنوعة بالإجماع، ويدخل فيه القيام بفعل مع بقاء آثار الفعل الأول مما يلزم منه تركيب حقيقة لم يقل بها أحد.
خامسًا: إن علماء الأصول وغيرهم نصّوا على عدم جواز تتبع رخص المذاهب كتاج الدين السبكي (1) ؛ وهو كما قال الجلال المحلي (2) : (( بأن يأخذ من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من مسائل ) ).
قال حجّة الإسلام الغزالي: (( إن العوامَ والفقهاءَ وكل مَن لم يبلغ منصب المجتهدين لا غنى لهم عن تقليد إمام واتباع قدوة؛ إذ تحكيم العقول القاصرة الذاهلة عن مأخذ الشرع محال وتخير أطيب المذاهب وأسهل المطالب بالتقاط الأخف والأهون من مذهب كل ذي مذهب محال لأمرين:
أحدهما: إن ذلك قريب من التمييز والتشهر, ويتسع الخرق على فاعله فينسل عن معظم مضايق الشرع بآحاد التوسعات التي اتفقت أئمة الشرع في آحاد القواعد على ردها.
والآخر: إن اتباع الأفضل متحتم وتخيّر المذاهب يجر لا محالة إلى اتباع الأفضل تارة، والمفضول أخرى، ولا مبالاة بقول مَن أثبت الخيرة في الأحكام تلقيًا من تصويب المجتهدين )) (3) .
وقال العلامة ابن قدامة: (( إن من اعتقد أن الصواب في أحد القولين لا ينبغي له أن يأخذ بالتشهي، وينتقي من المذاهب أطيبها ) ) (4) .
وقال العلامة ابن النجار (5) : (( ويحرم على العامي تتبع الرخص، وهو أنه كلما وجد رخصة في مذهب عمل بها, ولا يعمل بغيرها في ذلك المذهب، ويفسق بتتبع الرخص؛ لأنه لا يقول بإباحة جميع الرخص أحد من علماء المسلمين: فإن القائل بالرخصة في هذا المذهب لا يقول بالرخصة الأخرى التي في غيره.
قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا.
(1) في جمع الجوامع 2: 441.
(2) في شرح الجلال على جمع الجوامع 2: 441.
(3) ينظر: حاشية العطار 2: 442.
(4) ينظر: الدراسة على خلاصة التحقيق ص180 عن روضة الناظر ص207.
(5) في شرح الكوكب المنير ص627.