ثالثًا: إما ما سبق أن حررناه من أن أهل السنة من أئمة المذاهب وأتباعهم يقولون بأن الحق عند الله متعدد بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون: إن الحق عند الله واحد.
فعلى أصل الفقهاء من تعدد الحق، لا يمكن معرفة الحقّ الذين عند الله إلا هو، وليس في اختيار جمهور من العلماء لقول يدل على أنه الحقّ عند الله تعالى، ولسنا مكلفين بمعرفة هذه الحقّ، وإنما أمرنا بالاجتهاد المفصل بكيفيته وطرقه للوصول إلى هذا الحق، وليس من أصول إصابة الحق عند الله تعالى هو الأخذ بقول الجمهور، كما واضح جليّ لكل صاحب بصيرة وفهم ثاقب.
فنخلص مما سبق أن اعتبار جانب الجمهور هو الراجح هو طريق مَن لم يؤت العلم ولم يعرف طرقه بعدم دراسته للفقه وأصوله وكيفية استخراج الأحكام والترجيح بينها، فوجد أن الاختيار لما يقال لهم جمهور متسير لكل أحد، ولا يحتاج إلى كلفة إلى أن يتعلم العد فقط، فإذا قرأ في خلاف في مسألة يعد في هذه الصفحة من قال بهذا ومن قال بذلك فمن كان عددهم أكثر كان الأحق بأخذ قولهم، وبذلك لم نحتاج إلى كتب أصول الفقه برمتها؛ لسهولة هذا الأمر حتى على الطفل الصغير، وما على المسلم إذا سمع هذا إلا أن يقول: {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (1) .
الأصل السابع
إذ أن ما من إمام إلا وفاته كثير من الأحاديث، وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر كما ورد عن الإمام مالك (، ومجرد أن تقول: أنا حنفي، أو مالكي، أو شافعي، أو حنبلي، فمباشرة يتبادر إلى ذهن مَن أمام أنك متعصب وإن لم ينطق بها، فإن حانت الفرص لسبب من الأسباب اتهمك بالتعصب وإن لم يحصل أي نقاش في أي مسألة تدل على ذلك.
وسبب ذلك يرجع إلى عدّة أمور:
(1) النور:16.