فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 203

فهؤلاء في الحقيقة أشد تقليدًا من المقلدين؛ لأن المقلدين إنما يوجبون التقليد على غير المجتهد للمجتهد، وهؤلاء يوجبون على المجتهد تقليد أنفسهم وإن كان غير مجتهد، ثم هم يدعون الناس إلى ترك تقليد الأئمة المجتهدين ويلزمونهم تقليد أنفسهم في تصحيح ما يصحِّحون وتضعيف ما يضعفون، وفهم ما يفهمون، والقول بما يقولون، وتحليل ما يحلون، وتحريم ما يحرمون تقليدًا لسلفهم، وسب مَن يسبون، ومدح من يمدحون، فما انتهى جهل هؤلاء وضلالتهم إلى أن تناقضت آراؤهم وأفعالهم؛ حيث يذمون شيئًا لغيرهم، ويختارون لأنفسهم أقبح منه، ويحرمون شيئًا على غيرهم ويوجبون عليهم أشنع منه، فلا يشك عاقل في جهلهم وضلالهم، ولكن لما كانت تشكيكاتهم وتلبيساتهم يغترّ بها الذين لا يعلمون وتروج عليهم، رأينا كشف تلبيساتهم أحرى )) .

الأصل الحادي عشر

وهذا الأصل من أكثر الأصول اعتمادًا عند أهل الفقه المقارن؛ إذ أنهم مثلًا إذا أرادوا أن يتكلموا عن الوضوء: ذكروا أركانه ونواقضه في المذاهب الفقهية المختلفة مرّة واحد مع نسبة كلٍّ منها في الغالب إلى القائل به، وإن كان بعضهم لا ينسبها إلى أصحابها.

فهم على هذه الكيفية أتوا بصورة للوضوء لم يقل بها أحد من الفقهاء المعتبرين، والقارئ أمامها له حالان:

أن يطبق الوضوء بكل هذه الأركان وغيرها، فيكلف ما لا يطيق، ويشق الأمر عليه، وهذا إذا لم يكن بينها تناقض وتعارض بحيث يستحيل فعلها في آن واحد، والله ( كلَّف الناس بالعبادة على اجتهاد المجتهدين المعتبرين من أهل الذكر، وهذه الصورة لم يقل بها أحد من هؤلاء المجتهدين، إنما يمكن أن يجمعها أي شخص فلا يكلف القارئ بها، وهذا ما يحصل، فلا يوجد همم تحتمل كل هذه المشاق في العبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت